فضيحة أوروبا... اختفاء مهاجرين قصّر غير مصحوبين بذويهم

فضيحة أوروبا... اختفاء مهاجرين قصّر غير مصحوبين بذويهم

04 يونيو 2021
الصورة
هل اختفى أحدهم بعد وصولهم إلى ألمانيا؟ (آريس ميسينيس/ فرانس برس)
+ الخط -

 

ما زالت قضية المهاجرين القصّر غير المصحوبين بذويهم في أوروبا تثير اهتمام جهات مختلفة وتقلق أخرى. واليوم يُسلّط الضوء على اختفاء أعداد من هؤلاء، فتعلو الأصوات المنددة والمطالبة بإيلاء هذا الملف أهمية والبحث في مصير القصّر.

في السنوات الأخيرة، سُجّلت بلاغات في أوروبا عن اختفاء آلاف المهاجرين طالبي اللجوء من أطفال ومراهقين غير مصحوبين بذويهم. وقد وُصف الأمر من قبل منظمات إغاثة وأخرى تُعنى بشؤون الأطفال بأنّه "فضيحة"، لا سيّما أنّ ثمّة خشية من إمكانية تعرّض هؤلاء لخطر الاستغلال من قبل شبكات إجرامية. وقد اتّضح من خلال تحليل بيانات أعدّه مشروع "لوست إن يوروب" أي "فُقد في أوروبا"، الذي يعرّف عن نفسه كمشروع صحافي عابر للحدود هدفه التحقيق حول اختفاء الأطفال في أوروبا، أنّ 18 ألفاً و292 من الأطفال والمراهقين المهاجرين غير المصحوبين بذويهم اختفوا في كل أنحاء القارة الأوروبية بين عامَي 2018 و2020، علماً أنّهم بمعظمهم وفدوا من أفغانستان والجزائر والمغرب وإريتريا. من بين هؤلاء 7806 مهاجرين فُقدوا في ألمانيا، 724 منهم لا أثر لهم. يُذكر أنّ صحافيين استقصائيين من هولندا وبلجيكا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا واليونان وبريطانيا تعاونوا من أجل كشف ما حلّ بالقصّر المختفين في أوروبا. أمّا شبكة "إيه آر دي" الإخبارية الألمانية، فأفادت بأنّ المفوضية الأوروبية على علم بفقدان هؤلاء القصّر، وإزاء ذلك طالبت مفوضة الشؤون الداخلية الأوروبية والمسؤولة عن قضايا اللاجئين إيلفا يوهانسون الدول الأعضاء بضرورة بذل مزيد من الجهود لمنع اختفاء الأطفال المهاجرين، بما في ذلك تحسين عمليات جمع البيانات الخاصة بهم.

وتعود الأرقام المرتفعة جداً للمختفين من بين المهاجرين غير المصحوبين بذويهم بحسب المكتب الفدرالي للشرطة الجنائية في ألمانيا، إلى ثغرات في الإحصاءات وإلى مشكلات أخرى من قبيل فقدان الأوراق الثبوتية أو النقص في معالجة خدمة تحديد الهوية أو عدم إمكانية إجراء مسح دقيق، الأمر الذي يدفع إلى الحديث عن أرقام تقريبية. وقد يكون هؤلاء، على سبيل المثال، سُجّلوا مرات عدّة بسبب اختلاف تهجئة أسمائهم من قبل السلطات أو لأنّهم يتنقلون بشكل مستقل من دون إعلام هيئات الرعاية بذلك. فهؤلاء القصّر يعمدون في الغالب إلى البحث عن أقاربهم، سواء أكان ذلك في ألمانيا أم في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، لا سيّما أنّ بعضاً منهم يأمل بظروف استقبال أفضل في مدن غير تلك التي يعيشون فيها. وعند الاستقرار في أماكن جديدة، لا تُشطب أسماؤهم من قيود المفقودين في أماكن إقامتهم السابقة.

الصورة
مهاجرون قصر غير مصحوبين بذويهم 2 (آريس ميسينيس/ فرانس برس)
(آريس ميسينيس/ فرانس برس)

وعن كيفية حدوث الاختفاء بعدما صار هؤلاء في عهدة السلطات الرسمية، أشارت إذاعة "دويتشه فيله" الألمانية إلى أنّ لدى بعض الخبراء شبه يقين بأنّ هؤلاء بمعظمهم غير مختفين حقاً، وكثيرين يغادرون المرافق التي تؤويهم طواعية، وفي أحيان كثيرة لم يتمّ التحقيق معهم بشكل كافٍ أو لم تُسجّل عودتهم لأسباب مختلفة كذلك، ومن شأن ذلك تصعيب جمع البيانات. أضافت "دويتشه فيله" أنّ هؤلاء القصّر يختبئون في الغالب لحماية أنفسهم من الترحيل إلى بلدانهم الأصلية، بعدما يصيرون شبه متأكدين من أنّه يصعب عليهم الحصول على حق اللجوء. وهكذا كلما تفاقمت أوضاع هؤلاء المتعلقة بالأمان، زاد خطر اختفائهم ووقوعهم في براثن الشبكات الإجرامية. وفي ما يتعلق بالواقع المريب لهؤلاء القصّر من المهاجرين، قال مدير أحد مراكز الاستقبال أندرياس هول في حديث إلى "دويتشه فيله" إنّ "ثمّة دوافع أخرى لمغادرة المراكز المعتمدة لإسكان لهؤلاء، من بينها الحواجز اللغوية والثقافية. ليس من السهل على كثيرين الإدراك أنّنا نريد القيام بأمور جيدة لهم، بالإضافة إلى أنّ ثمّة شعوراً لدى بعض هؤلاء بأنّه مراقب". 

وأشار هول إلى أنّ ثمّة تعاوناً مع أشخاص من الثقافة ذاتها ويتحدّثون بلغتهم بهدف خلق الثقة وحلّ المشكلات. ويوضح هول أنّ "كثيرين من هؤلاء الذين أُبلغ عن اختفائهم، لا يرغبون في أن نعثر عليهم. ومن خلال عملنا، يتبيّن لنا أنّ أعداداً من هؤلاء يعمدون إلى تغيير أسمائهم ورمي بطاقات هوياتهم الخاصة، في محاولة لتجنّب رفض طلبات لجوئهم. كذلك فإنّ كثيرين يغادرون لأنّهم يأملون بالحصول على حق اللجوء في بلد آخر. وفي خلال السنوات الماضية، انتقلت مثلاً أعداد كبيرة من ألمانيا إلى فرنسا من دون إلغاء تسجيلها، علماً أنّ السلطات تبلغ في العادة وتنظّم محاضر حول فقدان أحدهم لرفع المسؤولية". يُذكر أنّ المكتب الفدرالي للشرطة الجنائية في ألمانيا كان قد أفاد أخيراً بأنّه تمّ الإبلاغ عن فقدان نحو 1400 مهاجر قاصر غير مصحوب بذويه في خلال عام 2020.

من جهتها، ذكرت منظمة "كاريتاس" الدولية أنّ نحو أربعة آلاف من المهاجرين القصّر غير المصحوبين بذويهم يصلون إلى ألمانيا سنوياً، وتتراوح أعمار معظمهم ما بين 14 و18 عاماً، وهم في حاجة إلى حماية خاصة قد لا يمنحهم إياها القانون الألماني بشكل كامل، إذ إنّ ثمّة نقصاً في تلبية حقوقهم المنصوص عليها قانوناً. ومن المعلوم أنّ الولايات الفدرالية في ألمانيا تتحمّل مسؤولية إيداع الوافدين القصّر غير المصحوبين في مراكز الاستقبال ومرافق الشباب. لكن وعلى الرغم من الجهد المبذول فيها، كثيرون لا يرغبون الإقامة في تلك المراكز.

تجدر الإشارة إلى أنّه وبدلاً من مصطلح المهاجرين طالبي اللجوء القصّر غير المصحوبين بذويهم، قد يُستخدم مصطلح اللاجئين القصّر غير المصحوبين بذويهم في ألمانيا للدلالة على الأطفال والمراهقين الذين يسعون إلى الحصول على حقّ اللجوء أو على أيّ شكل من أشكال الإقامة الإنسانية في ألمانيا، مع العلم أنّ المصطلح الأخير يعني من الناحية القانونية كل قاصر حصل بالفعل على وضعية لاجئ بعد الاعتراف بحقه في اللجوء.

الصورة
مهاجرون قصر غير مصحوبين بذويهم 3 (باو بارينا/ فرانس برس)
(باو بارينا/ فرانس برس)

وتنقل شبكة "آر بي بي" الإخبارية الألمانية عن المدير العام للصندوق الألماني للأطفال هولغر هوفمان أنّ "الإحصاءات الألمانية فضيحة" لأسباب تتعلق بحماية الطفل فيما الأرقام غير موثوقة على الإطلاق. أمّا فيرينا كيك من منظمة "إيكبات" وهي هيئة متخصصة في حماية الأطفال من الاستغلال التجاري الجنسي وفي الدفاع عن حقوقهم، فرأت في حديث صحافي أنّ العدد الفعلي للقصّر المفقودين أكبر بكثير من المعلن عنه، منتقدة عدم توفّر نظام موحّد على مستوى أوروبا لتسجيل الأشخاص المفقودين. وتؤكد كيك أنّ لذلك عواقب وخيمة على الأطفال والمراهقين، منها تعرّض هؤلاء القصّر إلى استغلال الشبكات الإجرامية، من قبيل التحرّش وإجبارهم على ممارسة الدعارة وغيرها، وقد يصل الأمر إلى حدّ الاستعباد أو الاتجار بهم. وقد يُدفع هؤلاء إلى سلوكيات وأفعال غير قانونية من قبيل الترويج للمخدرات أو إدمانها. يُذكر أنّ وكالة الشرطة الأوروبية "يوروبول" أفادت في مطلع العام الجاري أنّ ثمّة شبكات نشطة في كل أنحاء أوروبا تعمد إلى الاتجار بالبشر وتهريبهم.

على سبيل المثال، في شهر إبريل/ نيسان الماضي، على الطريق السريع في مدينة زاربروكن (أقصى غرب ألمانيا)، شاهد أحد السائقين عدداً من القصّر يلوّحون بأيديهم من خلف قماش صندوق شاحنة نقل، فاتصل بالشرطة التي تدخّلت وأوقفت الشاحنة واكتشفت بعد تفتيشها أنّها تقلّ سبعة مهاجرين أفغان تتراوح أعمارهم ما بين 15 و20 عاماً. ووجّهت المحكمة في كايزسلاوترن (جنوب غرب) للسائق تهمة تهريب أجانب، على الرغم من أنّه أفاد بأنّه لا يعرف شيئاً عنهم، وما زالت التحقيقات جارية لتأكيد الاشتباه فيه أو نفيه.

الصورة
مهاجرون قصر غير مصحوبين بذويهم 4 (باو بارينا/ فرانس برس)
(باو بارينا/ فرانس برس)

في سياق متصل، أكدت المستشارة في الشؤون الاجتماعية غابرييل فيشر في خلال مؤتمر للاجئين في ولاية تيرول النمساوية، أنّه لا بدّ من المحافظة على مصالح الطفل الفضلى، والأمر يتطلب بيئة صديقة ودعماً للأطفال والمراهقين من بين المهاجرين القصّر غير المصحوبين بذويهم. وأوضحت فيشر أنّ الأمر صعب بما يكفي على المراهقين الهاربين، بفعل الصدمات التي يتعرّضون إليها، وثمّة حالة من عدم اليقين تُسجَّل لديهم بعد وصولهم. بالتالي يتعيّن تخفيف الأعباء الإضافية عنهم قدر الإمكان. وشدّدت فيشر على أنّه في حال لم نمنح هؤلاء أيّ آفاق وتركناهم بمفردهم، قد يؤدي ذلك إلى إخفاء أو اختفاء عدد كبير منهم. ولم تستبعد فيشر عمليات اتجار بالبشر وعمل قسري في حالات كثير تخصّ هؤلاء الأطفال والمراهقين.

وتشير خلاصات دراسات عديدة إلى أنّه من المهم إنشاء شبكات مساعدة كافية لهؤلاء القصّر والسعي إلى لمّ شمل أسرهم بهدف حمايتهم مستقبلاً. وفي هذا الإطار، طالب المتحدث باسم الصندوق الألماني للأطفال والباحث في قضايا الهجرة أوفي كامب في حديث إلى صحيفة "يونغه فيلت" الألمانية، باعتماد نظام تسجيل مركزي في أوروبا الوسطى لحماية المهاجرين القصّر غير المصحوبين بذويهم. واقترح لذلك "مقرّ يوروبول في لاهاي بالتعاون مع مفوض الاتحاد الأوروبي لحقوق الطفل، ولِم لا بحضور مبعوث خاص من الفيدرالية الأوروبية للأطفال المفقودين والمستغلين جنسياً؟".

وتؤكد فيشر من جهتها، أنّ حقوق القصّر مكرّسة قانونياً، وفيها أنّ لكلّ طفل الحق في الحماية والرعاية اللازمتَين لرفاهيته من أجل أفضل تطوّر ممكن وحماية لمصالحه، وهو ما يعني ضمان بيئة آمنة من أجل تنمية قدراته، والأهم يبقى قبولهم في مرافق الرعاية في الولايات الألمانية. وفي هذا الإطار، تفيد تقارير بأنّه من المهم إيجاد حلّ للأشخاص الذين يسعون إلى الحصول على الحماية والموجودين حالياً في المخيمات المؤقتة في اليونان وسط ظروف صعبة جداً. فهؤلاء يعانون نقصاً في أدنى مقوّمات الحياة، المأكل والنظافة والرعاية الصحية والتعليم.

المساهمون