مهاجرون قصّر... تراجع في الالتزامات الإنسانية الأوروبية وسط كورونا

16 ابريل 2020
الصورة
يبدو أنّه باقٍ في مخيّمه في اليونان (أيهان محمد/الأناضول)
+ الخط -

بعد غد السبت، تستقبل ألمانيا دفعة من قصّر مهاجرين غير مصحوبين، من اليونان، فيما تطالب دولاً أوروبية أخرى بالالتزام بالمبادرة المتّفق عليها مسبقاً.

أدّت أزمة كورونا العالمية إلى تراجع كبير في الالتزامات الإنسانية الأوروبية، ولا سيّما لجهة استقبال المهاجرين القصّر غير المصحوبين، أو المنفصلين عن ذويهم، الأمر الذي قد تكون عواقبه وخيمة وسط الظروف الصحية الكارثية في المخيّمات المكتظة بالمهاجرين وطالبي اللجوء في جزر بحر إيجة اليونانية. وبينما لا تبدي الدول الأوروبية بمعظمها رغبة في المضيّ قدماً بإجراءات تنفيذ التزاماتها الخاصة باستقبال المهاجرين القصّر غير المصحوبين، في الوقت الراهن، تعتزم الحكومة الألمانية هذا الأسبوع استقبال 50 قاصراً فقط من مخيّمات المهاجرين في الجزر اليونانية بعدما كانت اللجنة المشتركة للائتلاف الحاكم قد أشارت إلى بعض مئات من نحو 1500 مهاجر قاصر تمّ الاتفاق بشأنهم مع عدد من دول الاتحاد الأوروبي في الإطار الذي أُطلق عليه اسم "تحالف الراغبين".

وتأتي القرارات الخجولة في هذا الملفّ عملاً بالمبادرة الأوروبية التي تضمّ 10 دول كجزء من الحل الظرفي لاستيعاب مهاجرين في اليونان، فيتكرّس بذلك أمر واقع وهو أنّ استقبال المهاجرين تراجع لدى دول الاتحاد الاوروبي بعدما باتت الأولوية اليوم لمكافحة الوباء الجديد في القارة العجوز. وفرنسا من بين هذه الدول التي قرّرت تأجيل العملية إلى حين تحسّن الوضع الوبائي لديها، فيما استقبلت لوكسمبورغ 12 طفلاً (يوم أمس الأربعاء)، وفق ما ذكرت أخيراً صحيفة "فرانكفورتر الغماينه تسايتونغ" الألمانية، مشيرة إلى أنّ وزير خارجيتها جان أسلبورن اتّفق مع نظيره اليوناني نيكوس دندياس على استقبال 12 قاصراً، مع استبعاد أن تفي دول أخرى بوعودها.

وقد أوضح وزير داخلية ولاية سكسونيا السفلى بوريس بيستوريوس في السياق أنّ وزارته سوف تستقبل المهاجرين القصّر الذين سيصلون هذا الأسبوع في منشأة منفصلة وسيخضعون إلى حجر صحي لمدّة 14 يوماً، على أن يخضعوا إلى فحوص فيروس كورونا قبل توزيعهم لاحقاً على عدد من الولايات. وأشار بحسب ما نقلت شبكة "إن دي آر" الإخبارية الألمانية، إلى أنّ مؤسسات الرعاية الشبابية ستقدّم لهم العناية اللازمة. يُذكر أنّ نقل القصّر سيجري بواسطة طائرة مستأجرة، وهم بمعظمهم ذوو أوضاع خاصة ومصابون بأمراض خطيرة ومزمنة وغير مصحوبين بذويهم وتقلّ أعمارهم عن 14 عاماً.



وقرار حكومة برلين فقد جاء في الأسبوع الماضي، بعد توافق وزير الداخلية الاتحادي هورست زيهوفر مع ممثلي كتلتَي الائتلاف الحاكم، الاتحاد المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، على إمكانية بدء عملية نقل القصّر الخمسين هذا الأسبوع، ليكون قبول هؤلاء جزءاً من الحلّ الأوروبي الذي يجري تنسيقه مع المفوضية الأوروبية. وهو ما لاقى انتقادات واسعة من قبل عدد من الأحزاب الألمانية المعارضة، فغرّد السياسي ميشائيل كيلنر من حزب الخضر على موقع "تويتر": "يجب على الائتلاف الحاكم أن يخجل... قلب بارد بدلاً من التضامن". بدروها، طالبت زميلته النائبة عن ولاية سكسونيا السفلى سوزان منغه باستقبال مزيد من القصّر، وقد رأت أنّه من المعيب على ألمانيا أنّها لم تتمكن حتى الآن من مساعدة سوى عدد قليل من القصّر المرضى. من جهته، رأى المتحدث باسم مجلس اللاجئين في الولاية زاشا سيشيل أنّ استقبال 50 مهاجراً يدفع إلى القول إن الأمر سوف يستغرق عقوداً لإغلاق المخيّمات في الجزراليونانية. أمّا بيرند ريكسينغر من حزب اليسار فاشتكى، وفق ما ذكرت "فرانكفورترالغماينه تسايتونغ"، من السماح بدخول 40 ألف عامل موسمي لجني المحاصيل الزراعية فيما يصار إلى استقبال 50 مهاجراً قاصراً فقط، متحدّثاً عن "تفضيل الهليون على حياة الإنسان" في إشارة إلى موسم الهليون في ألمانيا.

وكان لافتا ما ذكرته صحيفة "تاغس شبيغل" الألمانية عندما وصفت الأمر بالمزحة ويثير الضحك، وبأنّه شهادة فقر للسياسة الألمانية. أضافت أنّ الاحتفال بالتوافق كنجاح هو كذب ولا يستحق كلمة تسوية، لافتة إلى أنّ ما جرى هو استسلام أمام اليمين الشعبوي الذي يطالب بسياسة صارمة ضدّ اللاجئين. وعمدت إلى مقارنة بالأرقام، فتحدّثت عن إجلاء 200 ألف من السيّاح الألمان عبر برنامج العودة التابع لوزارة الخارجية الألمانية بعد تفشي فيروس كورونا حول العالم، وكذلك عن إجلاء عشرات آلاف المساعدين الزراعيين جواً انطلاقاً من رومانيا ودول البلقان الأخرى، في حين أنّ ثمّة 20 ألف مهاجر وطالب لجوء يعيشون في ظروف بائسة في مخيّم موريا اليوناني من بينهم 14 ألف قاصر.

هؤلاء المهاجرات الصغيرات غير محظيات كذلك (ميلوس بيكانسكي/ Getty)

في المقابل، أوضح هيلغه لينده عضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك في الائتلاف الحاكم، عبر تغريدة على "تويتر"، أنّ الأطفال الخمسين "مجرّد بداية"، مؤكداً أنّه "ممنوع الانتظار لوقت أطول". أمّا نائب رئيس كتلة الاتحاد المسيحي تورستن فراي فقد لفت إلى أنّ الاتحاد المسيحي يؤيّد القرار المتخذ في مارس/ آذار الماضي والذي ركّز كذلك على عدم قيام ألمانيا بذلك بمفردها، وبالتالي إذا تحرّكت الدول الأوروبية الأخرى فنحن على استعداد لاتخاذ مزيد من الخطوات. من جهتها، قالت الرئيسة المشاركة للحزب الاشتراكي الديمقراطي ساسكيا إسكن في مقابلة مع صحيفة "دي فيلت" الألماني إنّها سعيدة بانتزاع موافقة الاتحاد المسيحي لاستقبال هذا العدد من دون موافقة باقي الدول الأعضاء في تحالف الراغبين، مشدّدة على "أهمية استتباع هذه الخطوة"، مشيرة إلى محنة هؤلاء الناس تؤلمها كثيراً ومشدّدة "علينا التصرّف بشجاعة".

في السياق، وصفت منظمة "برو أزول" الألمانية المدافعة عن حقوق اللاجئين ما تقوم به الحكومة الاتحادية بالمعيب وبأنّه غير مناسب على الإطلاق، لا سيّما أنّ استقبال 50 قاصراً مهاجراً أقلّ بكثير ممّا أشير إليه في مطلع مارس/ آذار الماضي كجزء من المبادرة الأوروبية، فالائتلاف الحاكم تحدّث عن قبول نحو 400 حالة من الأكثر عرضة للخطر. وقد شدّد المدير التنفيذي للمنظمة غونتر بوركهارت على أهميّة إخلاء مخيّمات المهاجرين وطالبي اللجوء في اليونان بالكامل بسبب الخطر من انتشار فيروس كورونا، واصفاً مخيّم موريا في جزيرة ليسبوس بـ"الكابوس"، ولا سيّما أنّ الأرقام التي تعود إلى يناير/ كانون الثاني الماضي تشير إلى ثلاثة أطباء وثماني ممرضات فقط في المخيّم الذي يؤوي 20 ألف مهاجر، فيما يتشارك نحو 500 شخص المرحاض نفسه. وذلك كلّه وسط غياب خطة طوارئ فعلية وعدم إمكانية المجموعات المعرّضة للخطر من عزل نفسها.



تجدر الإشارة إلى أنّه وبعد تعليق قانون اللجوء لفترة شهر، عادت السلطات في اليونان لدرس طلبات المهاجرين الذين وصلوا إلى أراضيها بطريقة غير قانونية بعد الأوّل من مارس/ آذار الماضي، ونقلت صحيفة "دي تسايت" الألمانية عن وزارة الهجرة في أثينا أنّ السلطات ستتعامل مع كلّ حالة على حدة، وأنّ كلّ شخص غير مستحقّ الحماية سيُعاد فوراً إلى بلده الأصلي. بالإضافة إلى ذلك، سوف يتعيّن على المهاجرين البقاء في المخيّمات في أثناء معالجة طلبات لجوئهم، فيما يحصل من يقبل العودة الطوعية إلى بلده على مبلغ ألفَي يورو.

المساهمون