عيد لبنان: ترحّمٌ على الماضي

عيد لبنان: ترحّمٌ على الماضي

09 يوليو 2022
فرحة العيد (حسام شبارو/ الأناضول)
+ الخط -

لم يبقَ من عيد الأضحى في لبنان سوى رمزيّته الدينيّة ومعانيه الروحانيّة. ففي حين يتحضّر المسلمون حول العالم للاحتفاء بالعيد الكبير، يئنّ الشعب اللبناني منذ ثلاثة أعوام في ظل أزمة اقتصادية قد تكون الأسوأ في تاريخ البلاد. فالعيد لدى غالبيّة المواطنين والمقيمين منسيّ حزين، بعدما أجبرتهم الأزمة الاقتصادية على التخلّي عن معظم مظاهره وعاداته وتقاليده، مكتفين بالصلاة والدعاء والترحّم على سنواتٍ غابرة، كانوا حينها يستبقون العيد بالأضاحي والحلويات والملابس الجديدة والهدايا والمفرقعات النارية، قبل أن يُسلبوا "نعيم" تلك الأيام.
تسأل أم رامي، وهي والدة شابين أحدهما مغترب وتتحدر من قرية برجا (قضاء الشوف في محافظة جبل لبنان): "هل تركوا لنا عيداً؟ بتنا نتسول وما زالوا يحكموننا. ما من أحد يشعر بالعيد. الفرحة الوحيدة تقتصر اليوم على معانيه ورمزيته الدينيّة". وتقول لـ"العربي الجديد": "كانت العائلات تحرص على ذبح الأضاحي، لكنّها اليوم تشتهي شراء كيلوغرام من اللحمة. الوضع مزرٍ ولا نعلم كيف سيمر العيد على أولئك العاجزين عن شراء ربطة خبز لأسرهم وأولادهم، بدلاً من أن يكونوا منهمكين بشراء ثياب العيد والحلويات والأضاحي". تتابع: "لولا التكبيرات والحج لما أدرك المرء قدوم العيد".
أمّا سميرة سعيد، وهي من قرية المريجات (قضاء زحلة في محافظة البقاع)، التي تعمل مع شقيقتها في محلٍ لبيع الشوكولاتة، فتعود بالذاكرة إلى عادات العيد قبل جائحة كورونا والأزمة المعيشيّة في لبنان، وتقول لـ"العربي الجديد": "رزق الله على تلك الأيام، كنا نبدأ بتحضير كعك العيد (معمول) والضيافة قبل أسبوع أو أسبوعين، وكانت العائلة تتنقّل من منزلٍ إلى آخر لتقديم التهاني بالعيد، تماماً كما كان يفعل أهل البلدة. لكن كل ذلك تغيّر اليوم، ولم نعد نشتري أنا وزوجي سوى الضروري. كما أنّ المواطنين فقدوا أيّ حماس ورهجة بالعيد". تضيف: "الظروف كلّها متعثّرة ولا نعرف مصيرنا. الوضع متدهور ومستمر بالتراجع وهذا ما نلحظه من خلال عملنا".

ويروي نادر يونس، وهو أب لثلاثة أولاد ويتنقّل من قرية إلى أخرى لبيع السمك، في حديثه لـ"العربي الجديد"، كيف تغيّر مشهد عيد الأضحى في لبنان. ويقول: "خروف العيد لم يعد موجوداً واختفت الأضاحي والتجمّعات والمشاوي وكعك العيد والملبّس والشوكولاتة وغيرها من الحلويات. أصبحنا نكتفي بكمية محدودة جداً منها. أمّا السفر خلال عطلة الأعياد، فقد بات من الماضي". يضيف ابن بلدة شحيم (قضاء الشوف في محافظة جبل لبنان): "لم يعد بمقدور كثيرين شراء الملابس لأولاده أو قد يعمد إلى شرائها على مراحل. بات المرء عاجزاً حتّى عن معايدة الأطفال والعائلات، فأقلّ هدية أو عيديّة تضاهي راتب موظف. انعكست الظروف الاقتصادية على الصداقات والعلاقات الاجتماعية، وباتت زيارات التهنئة محدودة".
"أيّ عيد هذا؟"، تسأل رويدا الأحمد وهي أم لستة أولاد من مدينة طرابلس (شمال). وتقول لـ"العربي الجديد": "كنّا ننهمك سابقاً في إعداد كعك العيد وشراء الحلويات والأطعمة على أنواعها، بينما اليوم لا وجود لأيّ منها". تضيف: "كان للعيد نكهة خاصّة إلا أننا نعاني الأمرّين اليوم وما من أحدٍ يرأف بنا، لا سيّما أنّ زوجي يعمل في مهنة حرة، وعمله يتوقّف لأيام وأشهر عدة. ولا يسعنا إلا أن نسلّم أمرنا لله، فماذا سنقول بعد؟".

يحاول بعض الأهل إسعاد أطفالهم بما تيسّر (أنور عمرو/ فرانس برس)
يحاول بعض الأهل إسعاد أطفالهم بما تيسّر (أنور عمرو/ فرانس برس)

من جهته، يأسف الناشط الاجتماعي في بيروت مصطفى عيتاني بسبب "الوضع السيئ الذي وصل إليه اللبنانيّون". ويسأل: "كيف سيحلّ العيد ونحن تحت وطأة الغلاء المعيشي الفاحش؟ إنّها أيام عصيبة وقد بات العيد معها مجرّد يومٍ عابرٍ بعيد كلّ البُعد عن ذلك العيد الذي عرفناه منذ صغرنا وشبابنا حتّى أصبح لسان حالنا: بأيّ حالٍ عدتَ يا عيد؟".
في السياق نفسه، يشير نبيل إلى أن "الطبقة الحاكمة جعلتنا ننسى العيد، وننسى معه الفرحة والبهجة والألفة. إنّه الظلم بكلّ أشكاله وأنواعه، باتت العائلات متفرّقة لا تجمعها حتّى الأعياد".

ويختزل أحد المواطنين (فضل عدم الكشف عن إسمه) تحضيراته للعيد بالقول: "نكتفي بالقليل القليل، فالعيد لم يعد للمقيمين. إنّه عيد المغتربين والسياح وأصحاب الفريش دولار. نجد الحجوزات في المطاعم وبيوت الضيافة والمنتجعات السياحية والمسابح الخاصّة مقفلة بالكامل حتى نهاية الشهر الجاري، وهذا لا يعبّر عن الواقع الحقيقي، فهناك عدد كبير من العائلات يعيش فقراً مدقعاً".
بدورها، ترى لاجئة سورية فضّلت عدم الكشف عن اسمها أنّ "المكتوب يُقرأ من عنوانه، والحال ذاته بالنسبة للأضحى هذا العام. لا رائحة للعيد، والوضع سيئ وصعب على الجميع". وتقول لـ"العربي الجديد": "نقطن في بلدة المنية (شمال لبنان)، ونعاني كسائر اللبنانيّين مشاكل عدة، سواء لناحية انقطاع التيار الكهربائي أو تأمين الدواء والاستشفاء ورغيف الخبز وأدنى مقوّمات الحياة. نقاسي الذلّ والإهانة على المستويات كافّة ما يزيد من حدّة الأزمة. هربنا من سورية بحثاً عن أمنٍ وأمانٍ ما زالا مفقودَين منذ عشر سنوات".

المساهمون