اتّجار بممرّضي لبنان... بلجيكا سوق مزدهر لوكالات التوظيف المشبوهة

30 مايو 2022
بحث دائم عن فرصة أفضل على الرغم من الأزمة القائمة (فرانس برس)
+ الخط -

 

قبل أيام، تناول تقرير في بلجيكا النقص في قطاع التمريض بالبلاد، ملقياً الضوء على تجاوزات تطاول عاملات وعاملين أجانب في هذا المجال، لا سيّما من اللبنانيين. وتستعرض "العربي الجديد" في ما يأتي التقرير الذي أُعدّه كلّ من صوفي ميزغين وغيّوم وولنر.

"عبوديّة حديثة"... "مافيا"... "اتّجار بالممرّضات والممرّضين"... عناوين لقضيّة واحدة تناولتها شبكة الراديو والتلفزيون البلجيكية الناطقة بالفرنسية (إر تيه بيه إف) في إطار تحقيقاتها، كاشفة فضيحة تدور أحداثها ما بين لبنان وبلجيكا. وعلى مدى أربعة أشهر، عمل فريق من برنامج "إنفستيغاسيون" (تحقيق) على أزمة الممرّضات والممرّضين في بلجيكا، حيث يُقدَّر النقص بنحو 20 ألفاً. ولأنّه لا يمكن سدّ العجز من الداخل، فقد توجّهت المستشفيات إلى الخارج، لا سيّما لبنان. وأتى ذلك من خلال وكالات مشبوهة. وإذ يُشار إلى عمليات احتيال وممارسات غير نظاميّة وعقود استغلالية مسيئة، يُطرَح السؤال: هل نشهد اتّجاراً حقيقياً بالممرّضات والممرّضين؟

وبحسب التقرير، تحاول المستشفيات البلجيكية منذ سنوات عدّة تعويض النقص لديها بواسطة ممرّضات وممرّضين أجانب. وفي عام 2004، كان خمسة في المائة من الممرّضين في اتحاد والونيا-بروكسل من الأجانب، وقد تضاعفت النسبة أكثر من مرّتَين في عام 2018 لتبلغ 13 في المائة. لكنّ النسب، منذ بداية أزمة كورونا الوبائيّة، راحت تتزايد أكثر فأكثر، وقد وظّفت المستشفيات الكبرى بمعظمها ممرّضات وممرّضين من غير البلجيكيين.

ويسأل فريق التحقيقات: من أين يُستقدَم هؤلاء؟ ليجيب: تاريخياً كانت البرتغال ورومانيا تفيان بالغرض، أمّا اليوم فيُعَدّ لبنان "منجم" مستشفيات بلجيكا الجديد. واللجوء إلى لبنان يبدو مبرّراً وأسبابه بديهيّة، فـ"اللغة الفرنسية تُحكى فيه بطلاقة، بالإضافة إلى أنّه مرّ بأزمة غير مسبوقة. منذ انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب 2020، صار البلد مجرّد ظلّ لنفسه. وبموازاة ذلك، تستعر الأزمة الاقتصادية؛ شحّ في الكهرباء ونقص في الأدوية وهبوط هائل بسعر صرف العملة". وبالتالي يجد اللبنانيون أنفسهم في حاجة إلى كلّ شيء، مع الإشارة إلى أنّ راتب الممرّضة في البلاد، منذ بداية الأزمة، تراجع 10 مرّات ليصل بالكاد إلى نحو 100 دولار أميركي في الشهر.

الصورة
ممرض ومريض وسط كورونا في لبنان (دييغو إيبارّا سانشيز/ Getty)
رواتب الممرّضين في لبنان تراجعت 10 مرّات منذ بداية الأزمة (دييغو إيبارّا سانشيز/ Getty)

ويُعَدّ الوضع مأساوياً، وتستفيد منه ليس بلجيكا فقط إنّما أيضاً فرنسا والولايات المتحدة الأميركية. كلّها تغتنم الفرصة لجذب ممرّضات وممرّضين لبنانيين إلى مستشفيات الغرب. وتفيد منظمة الصحة العالمية، في هذا الإطار، بأنّ ثلث الممرّضين تركوا بلادهم في خلال عامَين، الأمر الذي يوصف بأنّه "هجرة أدمغة تصنّفها المنظمة مثيرة للقلق".

وإذ تصف نقيبة الممرّضات والممرّضين في لبنان ريما ساسين قازان الوضع في لبنان بالكارثي، تقول: "هذه فضيحة! كلّ تلك البلدان تستفيد (منّا) لأنّها تعلم أنّ نظامنا ينهار. هي تقدّم ظروفاً أفضل، ونحن للأسف غير قادرين على التصرّف في وجه ذلك. هذا أمر فاضح جداً".

ويلفت فريق التحقيقات البلجيكي إلى أنّ استقطاب الممرّضات والممرّضين إلى الخارج، تدفع ثمنه باهظاً مستشفيات لبنان. وعلى سبيل المثال، في مستشفى "أوتيل ديو دو فرانس"، الذي يُعَدّ أحد أكبر وأبرز مستشفيات البلاد، 133 ممرّضة من أصل 500 توجّهنَ إلى الخارج. أمّا النتيجة المباشرة فهي خروج نحو 100 سرير من الخدمة. ويكشف مدير المستشفى نسيب نصر للفريق البلجيكي أنّ قسم إعادة إنعاش الأطفال تعطّل كلياً، موضحاً أنّه في هذا القسم يُعالج الصغار الذين يحتاجون إلى عناية مركّزة. ويقول نصر: "نجد أنفسنا مضطرّين إلى صدّ الأهالي الذين يحضرون مع أولادهم، لأنّ لا ممرّضات لدينا. هذا وضع مأساوي وكارثي. بعبارات أخرى، الأطفال يموتون لأنّه من غير الممكن توفير العناية لهم".

ويبدو أنّ بلجيكا تعوّض نقصها من خلال التسبّب في نزيف بلبنان، بحسب ما يوصّف فريق التحقيقات البلجيكي الوضع. ولا تتردّد مستشفياتها في توظيف لبنانيات ولبنانيين من خلال وكالات مشكوك في ممارساتها. "إنترناشونال نورسينغ نتوورك" (آي إن إن)، واحدة منها، وقد وظّفت نحو 200 ممرّضة لبنانية في خلال عامَين، سواء في مستشفيات عامة أو خاصة.

وللاستفادة من خدمات هذه الوكالة، يتوجّب على المستشفيات دفع 10 آلاف يورو (نحو 10 آلاف و800 دولار أميركي)، عن كلّ ممرّضة أو ممرّض، بحسب ما يوضح فريق التحقيقات، وهو مبلغ ضخم من المفترض أن يغطّي مصاريف المعاملات من قبيل تعديل الشهادة وما إليها.

لكنّ أوليفيا (اسم مستعار)، وهي ممرّضة لبنانية لجأت إلى خدمات هذه الوكالة، تكشف أنّ "آي إن إن" لا تكتفي بذلك، وتخبر كيف احتال عليها مدير الوكالة، وطالبها بسداد 2500 يورو (نحو 2700 دولار)، في مقابل معادلة شهادتها، علماً أنّ كلفة ذلك في الواقع لا تتخطّى 200 يورو (نحو 215 دولاراً). تضيف أوليفيا في شهادتها أنّه طلب منها أيضاً مبلغاً من المال ليوفّر لها فرصة عمل في مستشفى بلجيكي، "وفي المجمل، أراد أن يسلب منّي 5000 دولار. لم أسمع قطّ في العالم كلّه أنّه عليك سداد 5000 دولار لهذا النوع من الإجراءات. هو يستغلّ سذاجة الناس. هو محتال. بالنسبة إليّ هذه مافيا!". وتجدر الإشارة إلى أنّ 5000 دولار تساوي مجموع رواتب ممرّضة لبنانية على مدى أربعة أعوام.

وهذه ليست الإساءة الوحيدة التي يفضحها فريق التحقيقات البلجيكي. ويعرض ما يكشفه حبيب (اسم مستعار)، وهو ممرّض لبناني، حول عقود وكالة "آي إن إن" التي يوقّعها الممرّضون للعمل في مستشفى بلجيكي. ومن بين ما يُطلب من الممرّضة أو الممرّض في هذه العقود، الالتزام بالعمل لمدّة عامَين في المستشفى المحدّد، تحت طائلة سداد غرامة قيمتها 15 ألف يورو (نحو 16 ألفاً و150 دولاراً).

كذلك تفرض تلك العقود على النساء عدم الحمل لمدّة عامَين. وهو ما يعدّه حبيب أمراً فاضحاً وغير شرعي، لافتاً إلى أنّ زميلة له حصلت على وظيفة من خلال هذه الوكالة، "وقد اتّصلت بي في يوم وهي تبكي، وأخبرتني بأنّها مضطرّة إلى إجهاض جنينها. كانت منهكة ويائسة. لم تكن تريد ذلك الإجهاض، لكنّها قالت إنّه لا خيار أمامها. كانت تخاف من أن يعيدها مدير الوكالة إلى لبنان ويلزمها بسداد الغرامة" المنصوص عليها في العقد. بالنسبة إلى حبيب، ما يجري هو اتّجار بالممرّضات والممرّضين... "هو عبودية حديثة".

الصورة
ممرضة ومريض في مستشفى في لبنان (جوزيف عيد/ فرانس برس)
تفيد منظمة الصحة العالمية بأنّ ثلث ممرّضي لبنان غادروه (جوزيف عيد/ فرانس برس)

ويحاول مدير وكالة "آي إن إن" طوني ديب "الدفاع عن نفسه"، بحسب وصف فريق التحقيقات البلجيكي، قائلاً: "أعلم أنّ الأمر ربما لا يكون عادلاً، لكنّ هذا لم يصدم أحداً قطّ. هذه الشروط (التي تتضمّنها العقود) هي تحذير، خصوصاً. فإذا التحق الممرّضون بالمستشفى ثمّ تركوه مباشرة، كيف يمكن لعملي أن يستمرّ؟". يضيف ديب: "وإذا وجدت امرأة نفسها حاملاً، فهي لن تتمكّن من العمل لمدّة عام. بالتالي سوف تتلقّى راتبها من دون أن تقدّم أيّ عمل في المقابل".

ويشدّد ديب على أنّ "هذه الشروط تهدف إلى إرضاء المستشفيات البلجيكية، لا أكثر ولا أقلّ، من خلال الوعد بأنّ الممرّضات والممرّضين سوف يلتزمون بالعمل لمدّة عامَين على أقلّ تقدير". لكنّ السؤال يبقى بالنسبة إلى فريق التحقيقات: هل أنّ المستشفيات التي تتعامل مع وكالة "آي إن إن" على دراية بهذه الممارسات؟ وهل تصادق عليها؟

مستشفى "سيه أش سيه" العام في مدينة لييج البلجيكية يجيب بالنفي. وتقول مديرة الموارد البشرية في المؤسسة الاستشفائية سكينة يلدريم إنّها لا تجد الكلمات المناسبة للتعليق، مؤكدة أنّ "الأمر يصدمني. فهذا ينافي قيمنا"، وتقرّ لفريق التحقيقات بأنّ ما جذبها نحو وكالة التوظيف هذه هو الوعد بأنّ الممرّضين سيلتزمون بالعمل في مؤسستها لمدّة عامَين. بالنسبة إليها "كان ذلك مغرياً، لأنّ الممرّضين الأجانب في الغالب يتركون العمل بعد بضعة أشهر".

ويرى الفريق أنّ المستشفى، بحسب ما يبدو جلياً، لم يتحقّق من الوسائل المستخدمة لضمان خدمة كهذه. ويشير إلى أنّ المستشفى اتّصل به في وقت لاحق، بعد المقابلة، لإفادته بأنّه أوقف التعامل مع وكالة "آي إن إن".  

من جهتهم، يعبّر المسؤولون في المركز الاستشفائي "شيريك" عن مفاجأتهم. وتؤكد مديرة قسم التمريض إيزابيل كانبييه أنه "سوف نتحرّك (في هذا المجال)، فما كشفتموه صادم". أمّا المدير العام للمركز فيليب الحدّاد، فيقول إنّ "ثمّة أموراً مقبولة وأخرى غير مقبولة"، قبل أن يفيد فريق التحقيقات بعد أيام، في اتصال هاتفي، بأنّه أنهى التعامل من جهته مع الوكالة المذكورة.

سواء أكانت تلك العقود استغلالية مسيئة أم لا، فإنّ وكالة "آي إن إن" لا تملك اعتماداً للعمل في منطقة بروكسل، بالتالي فإنّ نشاطها في العاصمة غير شرعي. وهو ما يعني أنّها ليست هي المعرّضة لعقوبات فحسب، إنّما الأمر يطاول أيضاً المستشفيات التي تعاملت معها. فالأخيرة قد تضطر إلى دفع غرامات تراوح ما بين 100 و5000 يورو (نحو 108 - 5385 دولاراً)، لكلّ ممرّض استفادت من خدماته، إلى جانب الحبس ما بين ثمانية أيام وعام واحد.

في سياق متصل، ألقى اتحاد والونيا-بروكسل الضوء على التزايد الملحوظ في تزوير شهادات الممرّضين الأجانب، بحسب ما يبيّن فريق التحقيقات البلجيكي في التقرير نفسه. ويبدو أنّ الشهادات اللبنانيّة مشمولة أيضاً بهذه القضيّة. وبحسب ما توضح الإدارة العامة للتعليم، فإنّ "الملفات ذات الصلة تمرّ، في الغالب، من خلال وسطاء يعملون على المعادلات". وبعبارات أخرى، فإنّ عمليات التزوير تتمّ بواسطة وكالات توظيف كبرى تزوّد المعنيّين بالوثائق المطلوبة لإتمام المعادلة. يُذكر أنّه في عام 2021 وحده، تَبيّن أنّ 11 ملفاً من بين 32 مصدرها لبنان كانت مزوّرة، أي نحو ثلث الملفات.

من جهة أخرى، أطلق اتحاد والونيا-بروكسل إجراءات قانونية، مع تقديم شكوى، ضدّ وكالة "موفينغ بيبول" الرائدة في مجال توظيف الممرّضات الأجنبيات في بلجيكا. لكنّ "موفينغ بيبول" تؤكّد أنّها، حتى تاريخ نشر تقرير فريق شبكة الراديو والتلفزيون البلجيكية الناطقة بالفرنسية، لم تتلقَّ أيّ دعوى في هذا المجال، لافتة إلى أنّ ملفَّين فقط من طلبات المعادلة كانا لممرّضتَين من الجنسية اللبنانية.