سدّ بيلو مونته البرازيلي يهدّد تنوّع الأمازون الحيوي

سدّ بيلو مونته البرازيلي يهدّد تنوّع الأمازون الحيوي

31 ديسمبر 2022
في نهر شينغو المهدّد بسدّ بيلو مونته (كارلوس فابال/ فرانس برس)
+ الخط -

بنظرة حزينة، يلتفت البرازيلي جونيور بيريرا وهو يمسك سمكة نافقة، نحو بركة صغيرة هي كلّ ما تبقّى من نهر شينغو الذي يشكّل أحد روافد الأمازون والذي كان يعبر المكان قبل أن يتبدّل مساره، بفعل إنشاء سدّ بيلو مونته.

ويصعب على هذا الرجل من السكان الأصليين، المتحدّر من مجموعة بوبيكوري في البرازيل، احتواء مشاعر الغضب والضيق والعجز الممتزجة، عندما يتطرّق في حديثه إلى تأثير بيلو مونته، رابع أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في العالم، على يومياته. أمّا تأثير السدّ على النظام الإيكولوجي لإحدى أكثر المناطق المتنوّعة حيوياً في العالم، فكان مدمّراً، بحسب ما يندّد بيريرا البالغ من العمر 39 عاماً، والذي كان يعتاش من الصيد، ووجد نفسه أمام وضع صعب مع غياب نهر شينغو الذي كان يعبر منطقته في ولاية بارا الشمالية.

ويقول بيريرا متأسفاً إنّ "الصيد من ثقافتنا. وكنّا سابقاً نعتاش ممّا كان يوفّره لنا النهر (...)، أمّا اليوم فعلينا أن نشتري الأطعمة من المدينة". ويشير بانزعاج إلى المنظر الطبيعي الذي كانت المياه تتوفّر فيه بوفرة سابقاً، لكنّها باتت بسبب تحويل مجرى النهر بفعل السدّ بركاً صغيرة مليئة بالأسماك النافقة. يضيف بيريرا: "لقد خسرنا نهرنا".

نظام إيكولوجي فريد

يبلغ طول نهر شينغو ألفَي كيلومتر، فيما يشهد عدداً كبيراً من الفيضانات خلال موسم الأمطار، الأمر الذي يتسبّب في حدوث ما يُسمّى "إيغوابوس"، وهي مناطق في الأمازون تُغمَر بالمياه وتُعَدّ ضرورية لاستمرار عدد كبير من الأنواع.

وقد انتهى العمل بسدّ بيلو مونته الذي بلغت تكلفته 40 مليار ريال برازيلي (نحو 7.66 مليارات دولار أميركي) في عام 2016، فيما تصل قدراته الإنتاجية إلى 11.233 ميغاواط، أي ما يعادل 6.2 في المائة من كمية الكهرباء المُنتَجة في البرازيل. وكان من الضروري لبناء السدّ الضخم أن يُحوَّل مسار النهر على 100 كيلومتر.

يقول الأستاذ في معهد علوم الأرض، التابع لجامعة ساو باولو البرازيلية أندريه أوليفيرا سواكوشي، إنّ "منبع السدّ هو بمثابة منطقة تشهد فيضانات مستمرّة، في حين يبدو مصبّه منطقة تعاني من جفاف دائم". وقد ألحق ذلك ضرراً بالأسماك والسلاحف التي تُضبَط دورة تكاثرها استناداً إلى حجم الـ"إيغوابوس".

من جهته، يرى جيليارد يورونا، أحد زعماء السكان الأصليين الذي يبدي إعجابه بشلالات جيريكوا المهيبة والمقدّسة بالنسبة إلى شعبه، أنّ سدّ بيلو مونته يناقض رؤيته للتطوّر. ويقول: "نرى التقدّم على أنّه حماية للغابة والحيوانات والأنهر كما خلقها الله، فيما تختلف رؤية ذوي البشرة البيضاء للتطوّر بصورة كاملة"، شارحاً أنّهم "يعتقدون أنّ هذا المشروع مفيد، لكنّهم في الواقع يدمّرون الطبيعة، وهذا مضرّ للجميع، ولهم كذلك".

سياسة لولا البيئية

أُعِدّ مشروع بيلو مونته في سبعينيات القرن العشرين، خلال الحكم الديكتاتوري العسكري (1964-1985)، إلا أنّ الموافقة على بدء تنفيذه مُنِحت في عهد لولا دي سيلفا (2003 - 2010). وقد انتُخب لولا (77 عاماً) أخيراً لولاية ثالثة تبدأ غداً الأحد في الأوّل من يناير/ كانون الثاني 2023. وقد وعد الرئيس المُنتخب بتنفيذ سياسة بيئية تتعارض مع تلك الخاصة بالرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو الذي زادت إزالة الغابات في الأمازون خلال عهده بصورة كبيرة.

ولم يكن سدّ بيلو مونته الذي وصفته السلطات بأنّه مصدر للطاقة النظيفة ومحرّك للاقتصاد، على قدر التوقّعات. وتشير شركة "نورته إنيرجيا" التي تدير المحطة إلى أنّ متوسّط إنتاج الكهرباء هذا العام ارتفع إلى 4.212 ميغاواط، أي نصف طاقة السدّ الإنتاجية. وأظهرت دراسة حديثة أنّ انبعاثات غازات الدفيئة زادت ثلاث مرّات في المنطقة منذ إنشاء السدّ، من بينها تحديداً غاز الميثان المنبعث من الأشجار المُتحللة.

خطة بديلة

وفي هذا الإطار، تعاون باحثون من المعهد الاجتماعي البيئي (منظمة غير حكومية) مع السكان الأصليين التابعين لمجموعة جورونا بهدف وضع خطة جديدة ترمي إلى إدارة المياه في بيلو مونته. وتتمثّل الخطة التي سُمّيت "بيراسيما"، وهي تسمية استُمدّت من اسم الفترة التي تسبح خلالها الأسماك في منبع النهر لتضع بيوضها، في تنظيم حجم مياه السدّ، استناداً إلى الدورة الطبيعية للفيضانات.

ويُفترض أن تتّخذ وكالة البيئة العامة "إيباما" قراراً في ما يتعلق باحتمال تنفيذ "نورته إنيرجيا" الإجراءات أم لا. ولم ترغب الشركة في التعليق على هذه الخطة التي اقترحتها المنظمة غير الحكومية مع السكان الأصليين، إلا أنّها شدّدت لوكالة فرانس برس على أنها تطبّق "الخطة الموضوعة منذ حصولها على الترخيص البيئي للسدّ".

وترى عالمة الأحياء من المعهد الوطني للبحوث في الأمازون كاميلا ريباس أنّ تغيير إدارة مياه بيلو مونته خطوة ضرورية. وتقول "إذا غيّرنا دورة الفيضانات، فهذا أمر سوف يؤدّي إلى مجموعة من النتائج يمكن أن تنذر بنهاية الأمازون".

(فرانس برس)

المساهمون