تونس: عنف متصاعد وحلول أمنية لا تكفي

27 أكتوبر 2020
الصورة
للعنف وتصاعده أسباب اقتصادية (فرانس برس)
+ الخط -

توالت حوادث العنف في تونس، ووصل بعضها إلى مستوى غير مسبوق من سلب واغتصاب وقتل، وبينما كانت هذه القضايا معروفة من قبل، فإنّ بشاعة بعض الحوادث هزت الرأي العام مؤخراً

تصاعد الجرائم ذات الطابع العنيف في المجتمع التونسي مؤخراً، دفع كثيرين إلى المطالبة بتسليط عقوبة الإعدام على الجناة. لكنّ المسألة ليست في تلك الجرائم بالذات بل في ما خلفها من دوافع مجتمعية بحسب الخبراء.
في 3 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، نجح أعوان أمن (عناصر الشرطة) منطقة العمران في تونس العاصمة بإلقاء القبض على منفذي عملية سلب مروّعة، جرى تنفيذها باستعمال سيف كبير الحجم، واستهدفت شاباً، ما تسبب بإصابته بعدة أضرار جسيمة. وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، تعرض شابان من منطقة حمام الأنف بالعاصمة لاعتداء مسلح نفذه 7 أشخاص، ما أدى إلى وفاة أحدهما بعد طعنه بآلة حادة ومكوثه يومين في المستشفى فارق الحياة بعدهما، وجرح مرافقه وجرى الاستيلاء على أموالهما. وما زالت واقعة اغتصاب مسنة تبلغ من العمر 98 عاماً، في محافظة القيروان بالوسط التونسي، في 30 أغسطس/ آب الماضي عالقة بذهن كثيرين، فقد اقتحم شاب بيتها واعتدى عليها ما خلف استياء لدى الرأي العام في تونس. وفجع الشارع التونسي مؤخراً بجريمة قتل شابة تونسية تدعى رحمة لحمر بعد اختفائها لبضعة أيام وذلك على يد شاب من أصحاب السوابق في الإجرام.

يفسر الباحث في علم الاجتماع، الهادي العلوي، تواتر حالات العنف والجريمة في الفترة الأخيرة بعدة أسباب يختصرها بالتغيرات الحاصلة في المجتمع، وبعضها مرتبط بالوضع السياسي وبجائجة كورونا، والصعوبات الاقتصادية، والإضرابات والتراخي في بعض مؤسسات الدولة، وهو ما جعل البعض يشعر بنوع من الاختلال في ما يسمى بالضبط الاجتماعي. يؤكد العلوي لـ"العربي الجديد" أنّ ما يحصل من تغيرات نتجت عنه سلوكيات عنيفة عدة، أدت إلى تضرر فئات مجتمعية عدة، خصوصاً الأطفال والشباب والنساء. يشير إلى دراسة قدمها مركز الإعلام والتوثيق حول المرأة مؤخراً، كشفت عن كمّ كبير من العنف اللفظي والإلكتروني يطاول النساء، لافتاً إلى أنّ هناك عنفاً جسدياً وعنفاً نفسياً وعنفاً جنسياً وعنفاً اقتصادياً. ويتابع أنّ هناك شحنة سلبية يعيشها المجتمع التونسي بمختلف أطيافه، والأسباب الاقتصادية، بشكل خاص، تقف وراء الاعتداءات على بقية فئات المجتمع، إلى جانب الإدمان. ويلاحظ المتحدث أنّ اللااستقرار في العالم ككلّ وفي مؤسسات الدولة في تونس منذ الانتخابات، فيما تغيير الحكومات يمنع المؤسسات من تأدية دورها في الضبط المجتمعي كما يجب. ويشير إلى أنّه في صورة عدم معالجة هذه الظواهر السلبية، فإنّ النتائج ستكون خطيرة، داعياً جميع المتخصصين من مسؤولين وإعلاميين ونخب لتوعية الناس، لأنّ الحلّ الأمني واحد من الحلول يفترض أن يكون آخرها، مضيفاً أنّ المؤسسات، بدءاً من المدارس والمراكز الدينية والنخب والمثقفين عليهم أن يلعبوا دورهم في التوعية والتوجيه، إذ إنّ حضور المجتمع المدني ما زال ضعيفاً جداً، فيما يجب تقديم الأفكار الكفيلة بمعالجة هذه الظواهر السلبية. ويشير إلى أنّ الشحنات المعنوية السلبية تتحول إلى عنف مادي، فالخصومات بين رموز الدولة هي أيضاً ظاهرة خطيرة، لأنّ الدولة تمتلك السلطة وهي عنوان الضبط، بينما التراخي في الضبط ليس في مصلحة المجتمع.
من جهتها، تعتبر المتخصصة في علم النفس، دنيا الرميلي، أنّ الجانب النفسي مهم في تحليل ظاهرة العنف، مؤكدة على أنّ الأسباب متعددة منها ما يرتبط بمكونات المجتمع والأسرة والمؤسسات، لكن، في كلّ شكل من هذه الأشكال هناك جانب نفسي لا ينفصل عن الجانبين المجتمعي والثقافي. تضيف لـ"العربي الجديد" أنّ مظاهر العنف في تونس أخذت طابعاً أكثر حدة، ولا بدّ من تضافر الجهود بين جميع الأجهزة الأمنية والقضائية والسياسية والأطباء والمعالجين النفسيين للحدّ منها. وتلفت إلى أنّ الأبحاث والدراسات كشفت عن أهمية دور المجتمع المدني والأنشطة التوعوية الميدانية من أجل مكافحة العنف بجميع أشكاله ومظاهره.
ويؤكد الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة لقوات الأمن الداخلي، وليد حكيمة، أنّ عدد البراكاجات (السرقة باستعمال التهديد) لم يتجاوز 5500 براكاج في السنة ما يعني أنّ في كلّ ولاية هناك 0.5 براكاج في اليوم الواحد فقط، مشيراً إلى أنّ النقاط السوداء (مناطق السرقات) معروفة لدى وزارة الداخلية. يضيف أنّه سجل سنة 2012 عدد سرقات بمختلف أنواعها بلغ 55 ألفاً و700، مقابل 49 ألف عملية سرقة بمختلف أنواعها عام 2018.

من جهته، يقول الممثل عن وزارة الداخلية ورئيس الفرقة في الإدارة الفرعية للقضايا الإجرامية، عدنان سلامة، لـ"العربي الجديد" إنّ الجرائم لم تشهد ارتفاعاً منذ 2015 حتى الآن. ومقارنة بما قبل الثورة، يوضح أنّ عدد القضايا في ذلك الحين لم يكن يصل إلى الإعلام ولم يكن يسمح بتناوله. أما الآن فيصل، بالإضافة إلى دور شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعطي انطباعاً أنّها ترتفع. يتابع سلامة أنّ الفئة العمرية دون 18عاماً (قصّر) تمثل 2 في المائة من مرتكبي الجرائم والجنح، فيما ترتكب الفئة العمرية 18- 30 عاماً أكبر نسبة من الجرائم بنسبة 60 في المائة، وترتكب الفئة 31 - 40 عاماً 25 في المائة من الجرائم، فيما ترتكب الفئة العمرية 41 عاماً وما فوق 13 في المائة من الجرائم. ويوضح أنّ المقاربة الأمنية تساعد في ردع المنحرفين، لكنّها تظلّ غير كافية، إذ لا بدّ من تضافر جهود جميع مكونات المجتمع والمؤسسات للحدّ من مختلف هذه الظواهر السلبية.

المساهمون