بلجيكا: لتجريم الإبادة البيئية

24 يناير 2021
الصورة
أوقفوا الإبادة البيئية (جورج كاستيلانوس/Getty)
+ الخط -

تعدّ بلجيكا أوّل دولة أوروبيّة تُطالب بتوسيع تخصّص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل جريمة الإبادة البيئية (انتهاك مبادئ العدالة البيئية، كالتسبب في ضرر واسع النطاق أو تدمير النظم البيئية أو إلحاق الضرر بصحة وسلامة الأنواع - بما في ذلك البشر، ولم تُقبل حتى الآن كجريمة دولية من قبل الأمم المتحدة). كذلك، تنظر في إمكانية إضافة الجريمة إلى منظومتها القانونية. هذا الطرح نال دعم مناصرين رسميين وناشطين مدافعين عن البيئة. فإدراج مفهوم الإبادة البيئية ضمن القانون وحتى الدولي أصبح موضع نقاش متزايد في بلجيكا كما في مناطق أخرى في العالم. 
خلال الاجتماع الأخير للدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهي المعاهدة التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ناشدت وزيرة الخارجية البلجيكية ورئيسة الوزراء السابقة، صوفي ويلميس، الأعضاء بدراسة إمكانية إدخال ما يسمى جرائم الإبادة البيئية في المعاهدة. وتعد 123 دولة طرفاً في هذه المعاهدة التي تعاقب على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وجريمة العدوان (نوع محدد من الجرائم يُخطط فيها الشخص أو يُنفذ فعلاً عدوانياً مُستخدماً في ذلك القوة العسكرية للدولة). بذلك، تُصبح بلجيكا أول دولة أوروبية تنضم إلى جمهورية فانواتو وجزر المالديف اللتان تقدمتا بالطلب نفسه خلال عام 2019. 
في هذا السياق، يقول مارتان دوربويه من منظمة "أصدقاء الأرض"، لـ "العربي الجديد"، إن "مفهوم الإبادة، الذي لم يتم تعريفه قانونياً بعد، يغطي التدمير المتعمد للنظم البيئية، ما يتسبب في أضرار جسيمة وواسعة ودائمة تؤثر على كل أو جزء من النظام البيئي الأرضي. ويتعلّق الأمر بأفعال ذات حجم معين، لا تتعلق بجرائم عادية، بل جرائم غير عادية. فجريمة الإبادة البيئية لا تستهدف المواطنين العاديين. لكن الذين يخططون لمثل هذه الجرائم أي الأشخاص المسؤولين سواء من ناحية القرارات أو الارتكابات في كوارث واسعة النطاق". ويقول مؤيدو الفكرة، على رأسهم المنظمة الدولية "أوقفوا الإبادة البيئية"، إن الاعتراف بالإبادة البيئية في القانون الوطني والدولي يمكن أن "يضع حداً لإفلات أكبر ملوثي البيئة من العقاب". 

خطوات مهمّة
حتى اليوم، أدرجت عشر دول جريمة الإبادة البيئية في قوانينها الوطنية، فيما تناقش المكسيك والبرازيل والإكوادور الأمر. وفي السويد، تتم مناقشة اقتراح برلماني بمبادرة من الاشتراكيين الديمقراطيين وحزب الخضر وحزب اليسار. أما في فرنسا، فاكتفت حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون بتوسيع نطاق جريمة تلوث المياه لتشمل التربة والهواء والنفايات وخلق "جريمة تهديد بيئي" تسمح بالمعاقبة على الأفعال الضارة حتى لو لم يلاحظ أي ضرر. وفي عام 2019، صرح البابا فرانسيس أن السلوك الذي يعتبر إبادة بيئية لا ينبغي أن يمر دون عقاب. 

بيئة
التحديثات الحية

في بلجيكا، دعا اقتراح قدمه حزبان مدافعان عن البيئة، إيكولو وخرون، في يوليو/ تموز 2020، إلى "إدخال جريمة الإبادة البيئية في القانون الجنائي البلجيكي"، وطالبا البلاد بإثارة القضية دولياً. ويعدّ الاقتراح فريداً من نوعه، وقد حصل على توقيع أربعة نواب في ذلك الوقت، هم الآن وزراء في الحكومة، جورج جيلكينيت وتين فان دير سترايتين وزكية خطابي وسارة شليتز.

في انتظار المحكمة 
واعتمدت الحكومة البلجيكية الطلب رسمياً. ووعد وزير العدل، فينسينت فان كويكنبورن، بطلب المشورة من الخبراء الذين عملوا على إصلاح قانون العقوبات للنظر في إدخال الإبادة البيئية في القانون الجنائي البلجيكي. ويقول النائب عن حزب الخضر البلجيكي، سامويل كوغولاتي، وهو أحد الموقعين على الطلب البلجيكي، لـ "العربي الجديد"، إن "المحكمة الجنائية الدولية وخبراء قانونيين يصارعون منذ فترة لتوسيع القانون الجنائي الدولي ليشمل الجرائم البيئية. في عام 1996، أعلنت المدعية العامة للمحكمة، فاتو بنسودة، أن المحكمة الجنائية الدولية سيكون لها مصلحة خاصة في هذا الموضوع، سواء تعلق الأمر بالتلوث الخطير أو المصادرة غير القانونية للأراضي أو الاستغلال غير القانوني للموارد الطبيعية. فهذه جرائم مشابهة للجرائم ضد الإنسانية التي تهدد السلام والأمن. ونوقشت الفكرة قبل إبرام نظام روما الأساسي، لكنها رفضت في اللحظة الأخيرة في عام 1996".

من تظاهرة رفضاً للوقود الأحفوري (مايك كيمب/ Getty)
من تظاهرة رفضاً للوقود الأحفوري (مايك كيمب/ Getty)

ويشير إلى أن المعاهدة "تشمل مفهوم جريمة حرب من خلال هجوم متعمد على البيئة، لكن شروط تطبيقها مقيدة بشكل خاص. وحتى الآن، لم يتم تطبيق مثل هذا الحكم مطلقاً، رغم أنه في وقت السلم، تشهد الجرائم البيئية ارتفاعاً كبيراً على الصعيد الدولي". ويتعلق الأمر، مثلاً، بتسرب النفط من ناقلة النفط إيريكا (سفينة نفطية غرقت قبالة سواحل فرنسا سنة 1999 مسببة كارثة بيئية)، وكارثة انفجار منصة "ديب ووتر هورايزن" النفطيةـ والنفايات السامة التي تم نقلها إلى كوت ديفوار بواسطة سفينة الشحن بروبو كوالا، والاتجار غير المشروع بالأنواع المهددة. 

ويرى كوغولاتي أن "إدخال قمع الإبادة البيئية في القوانين الوطنية والدولية يعني أيضاً السماح بتجريم محتمل للشركات متعددة الجنسيات التي تختبئ وراء شركات صغيرة وتنتهك القواعد الاجتماعية والبيئية. فبفضل القانون الدولي، يمكننا إجبار الشركات على تحمل مسؤولياتها في بلداننا".

صعوبات
ويقول الأستاذ في جامعة بروكسل الحرة، لورون تليريت: "لكي يكون تجريم الإبادة البيئية فعالاً ورادعاً على الأقل، سيكون من الضروري التمكن من مقاضاة ليس الأفراد فقط، ولكن أيضاً الدول والشركات. وهذا أمر غير ممكن حالياً لأن تخصص المحكمة الجنائية الدولية يشمل الأشخاص فقط". لذلك، يناشد المحامون بضرورة توسيع ما يشمله اختصاصها. يضيف: "يبقى هناك العديد من الأسئلة التي يتعين الإجابة عليها، مثل مفهوم الإبادة البيئية واحترام سيادة الدول، بالإضافة إلى مسألة إثبات القصد، أي أن الجاني يجب أن يكون على دراية بالعواقب المحتملة لأفعاله. على سبيل المثال، فإن مالك ناقلة إيريكا كان على علم بأن عدم إصلاح ناقلته ذات الهيكل الواحد، يعني أن أي حادث يمكن أن يكون له عواقب وخيمة".

المساهمون