الوظيفة أولاً في الصين... والزواج ثانوي

الوظيفة أولاً في الصين... والزواج ثانوي

15 يوليو 2023
لا تخطط صينيات كثيرات للزواج والإنجاب (وانغ زهاو/فرانس برس)
+ الخط -

أظهر استطلاع حديث أن 45 في المائة من النساء اللواتي لديهن وظائف في الصين يفضلن أشغالهن على إنجاب أطفال، بينما قالت 25 في المائة منهن إنهن يرغبن في إنجاب طفل واحد، و22 في المائة لا يخططن للزواج أو الإنجاب في الوقت الراهن.
وكشف استطلاع الرأي الذي أجرته منصة "جي ليان"، وهي إحدى أكبر شبكات خدمات التوظيف عبر الإنترنت، عن "وجود تراجع حاد في الرغبة في الإنجاب لدى نساء الطبقة العاملة، مقابل ميلهن إلى الاستقلال والاعتماد على النفس"، وأشار الاستطلاع إلى أن العمل الزائد في المنزل والمكتب دفع نساء عاملات إلى إعادة النظر في إنجاب الأطفال. إذ إن نحو نصف النساء يعملن أكثر من تسع ساعات يومياً، وقالت غالبيتهن إنهن يقضين أكثر من ثلاث ساعات في التدبير المنزلي، في حين قالت نحو 50 في المائة من النساء اللواتي شاركن في الاستطلاع أن شركاءهن تعاونوا بالكاد في الأعمال المنزلية وتربية الأطفال.
وليست المواقف تجاه إنجاب الأطفال فقط هي التي تتغير، إذ أشار الاستطلاع إلى أن 40 في المائة من النساء غير المتزوجات يخططن للزواج بعد سن الثلاثين أو عدم الزواج على الإطلاق، في حين أبدت 33 في المائة من المتزوجات ندمهن من الزواج والإنجاب.
تقول لي تسي وو (32 سنة)، وهي مديرة تسويق في العاصمة بكين، لـ"العربي الجديد": "لا أخطط للزواج في الوقت الراهن بسبب استقرار عملي واستقلالي مادياً الذي يمنحني القدرة على التمتع بحياتي بعيداً من ضغوط الأسرة والالتزامات التي يفرضها الزواج والأمومة. سيبدو الأمر سخيفاً لو فكرت في ترك وظيفتي للانصياع لرجل يتحكم بي باسم الزواج. أؤمن على غرار بنات جيلي أن الزواج مغامرة غير محسوبة، قد تقع فيها الزوجة فريسة للزوج أو أهله، خصوصاً إذا كانت موظفة، كما ستتحمل وحدها عبء رعاية الأبناء حين ينصرف الزوج إلى العمل، أما في حال كان الزوجان يعملان فسيدفع الأطفال الثمن في ظل انشغال الوالدين".

الصورة
الندم قاسم مشترك بين معظم العاملات المتزوجات (هكتور ريتامال/ فرانس برس)
الندم قاسم مشترك بين معظم العاملات المتزوجات (هكتور ريتامال/فرانس برس)

بدورها، تقول وان شي (36 سنة)، وهي أم عاملة تقيم في مدينة شينزن بعيداً عن طفليها اللذين ترعاهما جدتهما في منطقة أخرى، إنها تشعر بذنب تجاه أبنائها لأن ظروف العمل تحتم عليها أن تعيش بعيداً عن أسرتها، وتوضح لـ"العربي الجديد": "لو عاد بي الزمن إلى الوراء لما تزوجت لأن شعور العزوبية يرافقني حتى بعد الزواج، فأنا أقضي معظم وقتي بعيدة عن زوجي الذي يعمل في مدينة أخرى، وكذلك عن أبنائي. أعمل مع زوجي لتأمين مستقبل أطفالنا، لكننا في الحقيقة نساهم في شكل مباشر في إبعاد مشاعرهم عنا لأننا لم نمنحهم الدفء اللازم في هذه السن الحرجة. أبكي مرات حين أكلمهم عبر الهاتف، وأشعر بأنهم لا يبادلوني نفس التوق والمشاعر لأنهم اعتادوا على الحياة بعيداً مني، لذا أعتقد بأنني تسرّعت في الزواج والإنجاب. كان عليّ أن أقدّر ظروف عملي وانعكاسه على زوجي وأطفالي وحياتي الأسرية".
وفي تعليقه على الظاهرة، يقول أستاذ الدراسات الاجتماعية في جامعة صن يات سن، وي لي فنغ، لـ"العربي الجديد": "تعكس الظاهرة التحديات التي تواجهها الصين في ظل تراجع معدل المواليد الذي انخفض إلى أدنى مستوى منذ أوائل ستينات القرن العشرين. سجلت الصين في العام الماضي أقل عدد من الزيجات منذ عام 1985، بسبب تقلص الفجوة بين الذكور والإناث في سوق العمل، وتزايد وعي المرأة لحقوقها مقارنة بعقود ماضية حين كانت حبيسة المنزل وأسيرة الرجل في مجتمع ذكوري. واقع تمتع المرأة باستقلال مادي وشعورها بأنها لا تحتاج إلى رجل أو زوج يصرف عليها، دفعها إلى نبذ مؤسسة الزواج، ورفض فكرة الإنجاب".

طلاب وشباب
التحديثات الحية

يتابع لي فنغ: "كرّست ظروف العمل القاسية أيضاً هذا التوجه بسبب شعور الآباء بالذنب تجاه أبنائهم، حيث يقضون فترات طويلة خارج المنزل، ولا يرون أطفالهم إلا في الأعياد والإجازات الطويلة، وحال الندم هي قاسم مشترك بين معظم العاملات المتزوجات، ويتسلل هذا الشعور بحكم طبيعة العمل إلى الموظفات العازبات عندما يستمعن إلى شكاوى زميلاتهن، اللاتي يذرفن الدموع بسبب بعدهن عن أطفالهن. هذا شعور مؤلم يترك ندوباً في النفوس، فيدفعهن لتكوين مشاعر سلبية من الزواج والإنجاب".
ويوضح أن ذلك ينعكس على المجتمع، ويؤثر في التركيبة السكانية، ويفاقم من أزمة الشيخوخة، لذا تكافح الدولة من أجل حل الأزمة، أو التخفيف من وطأتها، من خلال سن تشريعات جديدة، وتقديم حوافز للأزواج الموظفين، ما يدفع باتجاه إعادة النظر في الزواج والإنجاب بين الجيل الجديد.

المساهمون