الطائرات المسيّرة.. سلاح جديد بـ"الدكّات" العشائرية في العراق

الطائرات المسيّرة... سلاح جديد بـ"الدكّات" العشائرية في العراق

05 فبراير 2022
تُستخدَم طائرات التصوير المسيَّرة في استطلاع أماكن وجود الخصم (أحمد الرباعي/فرانس برس)
+ الخط -

لم يسهم قانون تجريم النزاعات العشائرية والممارسات العنفية التي تفضي إلى القتل بانحسار المشاكل القبلية في بعض المحافظات العراقية، بل إنها زادت وتطوّرت إلى مراحل باتت تمثّل وجهاً آخر من وجوه الإرهاب للمواطنين في تلك المناطق، وفقاً لمراقبين اعتبروا استخدام الطائرات المسيّرة في محافظات مثل البصرة وميسان وبابل، تطوراً لافتاً ينذر باضطرابات أمنية خطيرة.

وشهدت محافظات البصرة وميسان وذي قار وواسط والمثنى، ومناطق من شرق بغداد، خلال الأشهر الماضية، نزاعات عشائرية شبّهها الأهالي بأنها "معارك عسكرية" دارت في مناطق أغلبها ذات طبيعة ريفية، واستمرّ بعضها لأكثر من 7 ساعات، واستُخدم فيها الرصاص الحيّ بأغلب الأسلحة المحمولة، لكن الجديد فيها، دخول تقنيات جديدة، مثل طائرات التصوير المسيرة، التي تستخدم في استطلاع أماكن وجود الخصم.

وأكّد مسؤولون في الأمن العراقي في محافظات ميسان والبصرة، استخدام العشائر طائرات التصوير المسيَّرة في استطلاع مناطق العشائر الأخرى قبل كل مشكلة أو أزمة عشائرية تحصل.

وقال أحدهم في قيادة شرطة ميسان لـ"العربي الجديد"، إنّ "الشرطة طلبت من وزارة الداخلية في بغداد أن تفرض حظراً على تداول مثل هذا النوع من الطائرات وبيعه، معرباً عن قلقه من التطور في استخدام أسلحة مختلفة، وأخيراً طائرات رصد وتصوير ومراقبة، لأن ذلك سيرفع من عدد الضحايا الذين يسقطون في كل مرة".

والأسبوع الماضي، أعلن قائد شرطة ميسان جنوبي العراق، حظراً مؤقتاً للتجوّل بعد مواجهات عشائرية أوقعت قتلى وجرحى في مدينة (قلعة صالح)، استدعت طلب الشرطة لمساعدة من قوات الجيش ووحدات المهام الخاصة.

 عضو مجلس محافظة البصرة، ناصر خلف العيداني، قال لـ"العربي الجديد"، إنّ "طائرة الدرونز تباع في الأسواق، ويستخدمها المصوّرون لتصوير مشاهد محدّدة، لكنها حالياً باتت تستخدم في الاشتباكات العشائرية".

وأكد العيداني أنّ "بعض المحسوبين على العشائر العراقية في البصرة، ومحافظات الجنوب الأخرى، باتوا يستخدمون الطائرات المسيّرة في سبيل تهديد عشائر أخرى".

وأضاف أنّ "هذه الممارسات تمثّل تطوراً خطيراً على مستوى تهديد السلم الأهلي، وتحتاج إلى خطط أمنية لمواجهة هذه التجاوزات".

قبل ذلك، كشف مستشار محافظ البصرة لشؤون العشائر، محمد الزيداوي، أنّ نزاعاً وقع في منطقة الكرمة، شهد استخدام طائرات مسيّرة من قبل عشيرتي النزاع، مشيراً في تصريحات إلى أنّ "القتال العشائري شهد تطورات جديدة تمثلت باستخدام الطائرات المسيَّرة لتصوير الأهداف وتحديدها، ومن ثم ضربها". ولفت إلى أنّ "العشائر المتنازعة أطلقت صواريخ متعددة الأنواع ومختلفة المديات".

والأربعاء الماضي، اتفقت بعض عشائر محافظات جنوب العراق، على وضع ضوابط رادعة، للحدّ من بعض الظواهر المجتمعية، بينها استخدام الطائرات المسيّرة، وشملت القرارات التي صدرت في بيان "قضايا السرقة والمتاجرة بالمخدرات والتزوير والدعاوى الكيدية".

وأشار البيان إلى أنّ "كلّ من يؤوي سارقاً أو يحرّض بأي طريقة ويثبت عليه ذلك بالأدلة القاطعة، يُرحَّل من المنطقة عند حصول السرقة، أما الشروع فيها، أي عدم حصولها، فيُغرَّم 25 مليون دينار، وأن كل من يثبت له علاقة بالطائرات المسيرة التي تبحث عن السرقات أو التي تراقب أعراض الناس والتي لا تعود إلى الدولة يُغرم 50 مليون دينار عراقي".

من جهته، قال الناشط المدني من محافظة ميسان، جنوبيّ العراق، بارق الشريفي، إنّ "الطائرات المسيّرة صارت تمثل مخاطر أمنية، ولا بد من حصرها بيد منافذ محددة، وإلّا فإتاحتها للجميع، خصوصاً بعد أن صارت بيد المليشيات لبعض المحسوبين على العشائر والعصابات الإجرامية". وأكّد لـ"العربي الجديد" أنّ "الدرونز بأشكالها وأحجامها المتنوعة متوافرة في الأسواق بأسعار تراوح من 400 دولار إلى 3000 دولار أميركي، بالتالي فإنّ من السهل الحصول عليها".

وأكمل: "القوات الأمنية لا تتدخل في معظم النزاعات العشائرية، كي لا تتحول إلى طرف في النزاع، وهي تنأى بنفسها عن أي تصادم مع العشائر، رغم تشكيل قوات (الصدمة) في محافظة البصرة المتخصصة بمواجهة السلاح المنفلت لدى العشائر"، معتبراً أنّ "بعض العشائر باتت تمارس سلوكاً إرهابياً في مدن جنوب العراق".

الدكّة العشائرية

ومعظم النزاعات العشائرية تنطلق من مفهوم "الدكة العشائرية"، وتعني إقدام مسلّحين ينتمون إلى قبيلة معيّنة على تهديد أسرة تنتمي إلى قبيلة ثانية في بيتها، فتقع الدكّة من خلال عملية إطلاق نار بمختلف الأسلحة، بما فيها الثقيلة، أو إلقاء قنابل يدوية أحياناً على منزل الجهة المستهدَفة، في تحذير شديد اللهجة، بهدف دفعها إلى التفاوض لتسوية الخلاف. وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدَف، قد تتفاقم الأمور لتؤدّي إلى وقوع ضحايا من الطرفَين.

وكان العراق في وقتٍ سابق قد عدّ "الدكّات العشائرية" من الجرائم الإرهابية، مشدداً على ضرورة التعامل مع مرتكبيها بحزم، بحسب ما جاء في بيان لمجلس القضاء الأعلى في البلاد، الذي أوضح أنّ المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب الذي أُقرّ في عام 2005، تنصّ على أن التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أياً كانت بواعثه، يُعَدّ من الأفعال الإرهابية.

المساهمون