الخوف يلاحق السوريين باختلاف مناطقهم

الخوف يلاحق السوريين باختلاف مناطقهم

21 يناير 2021
يتجولون في خوف دائم (بكير قاسم/الأناضول)
+ الخط -

لا تفارق المخاوف السوريين على امتداد البلاد، من مناطق سيطرة النظام وصولاً لمناطق هيئة تحرير الشام في إدلب، إلى مناطق ريف حلب الشمالي، وصولاً لمناطق شمال شرق سورية الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد). 
وفي ظلّ الظروف المعيشية المتردية، تشكل المخاوف من الاعتقال، والتجنيد الإجباري، والخطف، والتفجيرات، والابتزاز، هاجساً لدى المواطنين. ففي مناطق سيطرة النظام السوري، لا يمكن للمواطنين العاديين العيش مع تجاهل مخاوفهم من الاعتقال أو الخطف. في السياق، يشرح عيسى (47 عاماً)، وهو أحد أهالي ريف حمص الشمالي، لـ"العربي الجديد"، الأسباب الكثيرة والذرائع لاعتقال أي شخص بأي تهمة من قبل قوات النظام. يقول: "من الممكن لقوات النظام أن تعتقل من تشاء بالتهمة التي تريد. نخاف حتى من وسائل التواصل الاجتماعي خلال الحديث مع أحد أفراد العائلة المهجرين أو النازحين في إدلب، كما أنّ المضايقات التي تمارسها قوات النظام علينا متواصلة دائماً. عدنا لما قبل عام 2011، عدنا للخوف من أي حديث أمام أي أحد. نعيش كما كنا في السابق. فالجدران لها آذان". 
ومن التهديدات والمخاوف التي يعيشها المواطنون في مناطق سيطرة النظام السوري، الخوف من القتل على أيدي أفراد المليشيات الأجنبية أو عناصر المليشيات المحلية، التي تم تفكيكها، كما في محافظة اللاذقية، والتي يواصل فيها عناصر المليشيات المنحلّة، ومنها مليشيات "العرين وصقور الصحراء والدفاع الوطني"، ابتزاز المواطنين، مستغلين نفوذهم داخل القوى الأمنية وبين رجال السلطة الداعمين لهم. 
وفي مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية، يعيش المواطنون بوضع معقد إلى حدٍّ ما، نظراً لتداخل السيطرة بين قوات النظام و"قسد" في معظم المناطق، مع نشاط خلايا تنظيم "داعش". يشير زيد عزو، وهو أحد أهالي منطقة تل حميس، في ريف محافظة الحسكة، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أنّه كمعظم الشباب يحاول تجنب الاعتقال من قبل "قسد"، وفي حال اعتقاله سيقاد لأحد معسكرات التجنيد الإجباري التي يرفض الالتحاق بها. من ناحية ثانية، هناك تهديد آخر يعيشه معظم أهالي المناطق التي سيطر عليها تنظيم "داعش" سابقاً، في محافظة الحسكة السورية. وتتمثل هذه المخاوف، كما يقول الشاب، بالهجمات المتفرقة التي قد تنفذها خلايا التنظيم، وهذا ما يمنع أهالي القرى الصغيرة التي هاجمها التنظيم من العودة إليها. 

إذاً، ومع اختلاف القوى العسكرية المسيطرة على كل بقعة جغرافية في سورية، يبقى الخوف من الاعتقال هو الهاجس الموحد الذي يشغل بال المواطن بالدرجة الأولى، خصوصاً في المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام أو المناطق القادرة على الوصول إليها، كما مناطق السيطرة المشتركة مع "قسد"، شمال شرق سورية. أما في المناطق المحررة من محافظة إدلب، حيث تبسط هيئة تحرير الشام سلطتها، تراجعت القبضة الأمنية للهيئة عما كانت عليه سابقاً، بعد تغيير اسمها السابق "جبهة النصرة". لكن هذه القبضة الأمنية لا تزال سطوتها موجودة وتشكل هاجساً مخيفاً. ومع هذا الخوف، هناك مخاوف من جرائم القتل، حيث سجلت حوادث عديدة في المحافظة. 
في السياق، يقول ناجي، الذي تحفظ عن ذكر اسمه الكامل، لـ"العربي الجديد": "الحياة كلّها خوف، جرائم الاختطاف والقتل باتت أمراً واقعاً في المنطقة. في نهاية الشهر الماضي، قُتل طفل لم يتجاوز الـ14 من العمر في سلقين، وسابقاً، وقعت جريمة قتل على طريق سرمدا. هذه الجرائم لم تكن تحدث سابقاً، وهي تشكل قلقاً كبيراً لنا". ويتابع: "منذ 10 سنوات ونحن نعيش في خوف من تجدد القصف والنزوح، الخوف من تقدم جديد لقوات النظام في إدلب، الخوف من عودة الغارات الروسية على المناطق، وكذلك الخوف من ممارسات هيئة تحرير الشام".
أما مصطفى محمد، من مدينة بنش، فيقول لـ"العربي الجديد": "أكثر ما يخيفني هو الخروج من مدينتي، كما حدث في شتاء العام الماضي. اضطررت لمغادرتها عندما تقدمت قوات النظام في إدلب، وسيطرت على بعض المناطق. كما أخاف من أن تتجدد الغارات الجوية. أتمنى أن يزول هذا الخوف وألا أُجبر على مغادرة بيتي ومدينتي". 

للخوف أيضاً أثره البالغ على السوريين من الناحية الصحية. فخلال السنوات الماضية، تسببت المخاوف بأمراض نفسية لدى الكثير من السوريين، في البلد الذي يفتقر في الأصل للاختصاصيين في هذا المجال. ووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية، لم يكن في سورية سوى 70 طبيباً نفسياً قبل عام 2011.
أما الشعور بالأمان، فهو شعور نسبي لدى السوريين. ففي ريف حلب الشمالي، لا يشكل الخوف من الاعتقال تهديداً ذا أهمية كبيرة لدى المواطنين. فالخوف من السيارات المفخخة والتفجيرات هو ما يثير قلقهم على الدوام، خصوصاً مع تكرار الحوادث من هذا النوع في مدن وبلدات منطقة درع الفرات. يوضح فضل أبو النور، المقيم في مدينة الباب، متحدثاً لـ"العربي الجديد"، أن "الحياة ليست مريحة وآمنة لحدّ كبير، فالخوف من تدهور الواقع المعيشي موجود على الدوام، أما التهديد الخطير فهو السيارات المفخخة التي قد تقتل عشرات الأبرياء". ويضيف: "أرجو أن ينتهي كابوس السيارات والدراجات النارية المفخخة التي تضرب مدينة الباب بين فترة وأخرى، وننعم بالسلام والهدوء".

المساهمون