الاتحاد السوفييتي... نظرة حنين بعد قرن على التأسيس

الاتحاد السوفييتي... نظرة حنين بعد قرن على التأسيس

30 ديسمبر 2022
لدى البعض شوق إلى دولة الاتحاد السوفييتي (Getty)
+ الخط -

في مثل هذا اليوم قبل مائة عام، استقبل مسرح البولشوي الذي يعد أحد أبرز معالم العاصمة الروسية موسكو، اجتماع تأسيس دولة الاتحاد السوفييتي، الكبرى ذات النظام الاشتراكي متعددة القوميات في العالم، وضمت في المرحلة الأولى أربع جمهوريات هي روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفييتية، وأوكرانيا وبيلاروسيا الاشتراكيتان السوفييتيتان، وجنوب القوقاز الاتحادية الاشتراكية السوفييتية. 
وجاء تأسيس الاتحاد السوفييتي بعد سلسلة أحداث دراماتيكية شهدتها روسيا والعالم، بينها الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) التي أفضت إلى تفكك الإمبراطورية الروسية، وإطلاق ثورة البلاشفة بزعامة فلاديمير لينين عام 1917، وإعدام آخر قياصرة آل رومانوف، نيقولاي الثاني، في العام التالي، واندلاع الحرب الأهلية بين الحرسين الأحمر والأبيض. 
وخلال سبعة عقود من وجوده حتى تفككه في نهاية عام 1991، مرّ الاتحاد السوفييتي بمجموعة محطات فاصلة، بينها قمع الملايين في عهد الدكتاتور جوزيف ستالين، والانتصار على النازية في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، وتحقيق عدد من الاختراقات التكنولوجية مثل تطوير قنبلة نووية، وإرسال أول رحلة مأهولة إلى الفضاء، وصولاً إلى فترة الاضمحلال وإعلان آخر زعمائه، ميخائيل غورباتشوف، برنامج إصلاحات "بيريسترويكا" في السنوات الأخيرة من عمر الدولة. 

قنابل موقوتة في الجمهوريات 
ينتقد بعض المحللين زرع الاتحاد السوفييتي جذور النزاعات التي عاشتها وتعيشها جمهورياته السابقة بعد تفككه برسم الحدود وفق اعتبارات إدارية بحتة. ويعتبر رئيس المركز الملكي لعموم روسيا، نيكولاي لوكيانوف رازوموفسكي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "الاتحاد السوفييتي لم يكن مشروعاً فاشلاً فقط، بل زرع أيضاً قنابل موقوتة في جمهورياته التي رُسمت حدودها من دون مراعاة تشكيلاتها الإثنية، ما شكل أرضية لاندلاع حروب عدة في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق، وآخرها الحرب الدائرة في أوكرانيا".   
يضيف: "يرى العالم أجمع نتائج مشروع الاتحاد السوفييتي اليوم، فالدستور السوفييتي منح الجمهوريات حق تقرير المصير وصولاً إلى حد حق الخروج من الاتحاد، وهو ما حصل عام 1991، والعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا هي آخر تشنجات تفكك الدولة السوفييتية". ويلفت إلى أنّ "ستالين رسم حدود الجمهوريات من دون مراعاة وجود أراضٍ متنازع عليها، مع إخضاع قوميات إلى أخرى، ما زرع قنابل موقوتة انفجرت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، ويُشبه ذلك الحدود التي رسمتها قوى خارجية في الشرق الأوسط، ما مهد الأرضية لحروب القرن الـ21 مثل تلك في سورية". 
ويقول لوكيانوف رازوموفسكي عن الإنجازات التكنولوجية السوفييتية: "فصلت 10 سنوات أو 15 سنة الاتحاد السوفييتي عن تطوير قنبلة نووية، قبل أن ينجح رئيس المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية، لافرينيتي بيريا في سرقة الرسومات الهندسية عبر شبكة العملاء السوفييت في الولايات المتحدة، ثم استعان بعلماء سوفييت من أصحاب الكفاءة لتفكيك ألغازها. وفي مجال الفضاء، أرسلت الولايات المتحدة أول رحلة مأهولة إلى مدار الأرض بعد الاتحاد السوفييتي بأقل من عام". 
ورغم المآخذ على الاتحاد السوفييتي، أصبح روس كثيرون يحنون إلى ميزات زمنه على صعيد الاستقرار والعدالة الاجتماعية النسبية، بعدما عاش بلدهم أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية في أعقاب تفككه. 
وأظهرت استطلاعات أجريت نهاية العام الماضي، بالتزامن مع ذكرى مرور 30 عاماً على انهيار الاتحاد السوفييتي، أن أكثر من 60 في المائة من الروس يأسفون لتفكك الاتحاد السوفييتي، وكانت نسبتهم قابلة للارتفاع إلى أكثر من 80 في المائة في الفئة العمرية المتقدمة. 

الصورة
يأسف 60 في المائة من الروس لتفكك الاتحاد السوفييتي (Getty)
يأسف 60 في المائة من الروس لتفكك الاتحاد السوفييتي (Getty)

مشروع "الثقة في الغد الآتي"
يرى كبير الباحثين في معهد علم الاجتماع التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أندريه أندرييف، في حديثه لـ"العربي الجديد" أن "حنين الروس إلى عهد الاتحاد السوفييتي يعكس تبنيهم نظرة موضوعية لا تتشكل سوى بعد مرور الزمن بدلاً من التركيز على الجوانب السلبية في السنوات الأخيرة من عمر الدولة". 
يضيف: "ينظر الروس عموماً باحترام إلى مشروع الاتحاد السوفييتي رغم أنّ الشعور السائد في السنوات الأخيرة من عمره، تمحور حول تقادم كلّ ما هو سوفييتي، مع تركيز الناس على ذكريات القمع والنقص في السلع في المتاجر. والآن باتت النظرة أكثر موضوعية، ويحن الناس إلى الشعور بالثقة في الغد الآتي". 

بعيداً عن المؤامرات 
ويقلل أندرييف من أهمية ربط البعض انهيار الاتحاد السوفييتي بمؤامرات خارجية، ويقول: "عملت عناصر داخل النخبة السوفييتية لزعزعة الوضع وافتعال الأزمات مثل النقص في السلع، باعتبار أن المنظومة السوفييتية لم تتح لهم ترجمة السلطة إلى الأملاك والثروة، وهو ما حققته النخب بعد تفكك الاتحاد. وبعد تراكم أزماته وعجزه عن الاستمرار بصورته السابقة وإعلان جمهورياته واحدة تلو الأخرى استقلالها، دخلت عملية تفكك الاتحاد السوفييتي مرحلتها الختامية عبر توقيع كل من قادة روسيا، بوريس يلتسين، وأوكرانيا، ليونيد كرافتشوك، وبيلاروسيا، ستانيسلاف شوشكيفيتش، في 8 ديسمبر/ كانون الأول 1991 اتفاق بيلوفيجسكايا بوشا الذي أقرّ بانتهاء وجود الاتحاد، وإنشاء رابطة الدول المستقلة".
وانتهى وجود الاتحاد السوفييتي عقب إصدار إعلان الاعتراف باستقلال جمهورياته الـ15 في 26 ديسمبر/ كانون الأول 1991، فدخلت الدول الوليدة مراحل جديدة في تاريخها عاشت خلالها حروباً وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة.
وشهد الاقتصاد الروسي مراحل متنوعة تراوحت بين برنامج خصخصة القطاع العام، ثم أزمة مالية كبرى أدت إلى عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها عام 1998. وبعد تولي فلايديمير بوتين الرئاسة عام 2000، عززت الدولة سيطرتها على مختلف مفاصل الاقتصاد، لا سيما في القطاعات الحيوية مثل المصارف والطاقة والنقل، إلى حد بات يثير قلق السلطات نفسها، وسط مخاوف من تراجع المنافسة وضعف الاقتصاد المركزي الذي يعد من أسباب تفكك الاتحاد السوفييتي، مع تهاوي أسعار النفط بنسبة أكثر من الثلثين في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

المساهمون