الإجهاض في إيران يزداد انتشاراً

25 سبتمبر 2020
الصورة
تراجع نسبة الولادات إلى 14.5 مولوداً لكلّ ألف نسمة (كافه كاظمي/Getty)
+ الخط -

"أسرتي كانت تعارض زواجي منه... بعد كتب الكتاب وقبل العرس، كان خطيبي يصرّ على ممارسة العلاقة الجنسية. بعد رفضي للموضوع، رضخت لطلبه، وبعد ثلاثة أشهر من الخطوبة حملت. أخفيت الموضوع عن عائلتي، لكنها كانت أياما مخيفة بالنسبة إليّ. كان عليّ أن أختار، بين أن أتناول حبوباً لإجهاض الطفل أو أعيش مع وصمة العار هذه إلى الأبد. كنت أسمع نبض الجنين من أعماق وجودي، أغلقت عينيّ، وقررت أخيراً أن أجهض".

بهذه الكلمات، تختصر الشابة الإيرانية، مليحة، قصّة إجهاضها وزواجها المريرة، التي انتهت بالطلاق بعد خمس سنوات،  في حديث مع وكالة "إيسنا" الإيرانية. وتضيف: "لم أكن أريد الإنجاب. كنت صغيرة في السن، ووالدتي مريضة ولو عرفت بالأمر لأصبح وضعها الصحي أسوأ. كما أنني كنت قد دخلت الجامعة حديثاً، والأهم من كلّ ذلك، أنني لم أكن أرغب بالبقاء مع زوجي، إذ اكتشفت أنه مدمن على المخدرات".

قصة مليحة هي واحدة من بين آلاف قصص الإجهاض في إيران، ولو اختلفت الأسباب والعوامل والأشكال. ولا تكشف السلطات عن الأرقام الدقيقة حول الموضوع، وربما هي لا تملكها، لكون الإجهاض محظورا في البلاد بشكل عام، إلا في حالات استثنائية، والنساء اللواتي يجهضن بعد فترة قصيرة من الحمل، يقمن بذلك بطرق سرية وغير قانونية.

ويبيح القانون الإيراني "الإجهاض العلاجي"، وفق توصيفه قانونياً، الصادر عام 2005، تحت شروط وظروف خاصة في حالتين. الأولى، إذا كان الحمل يهدّد صحة المرأة وحياتها، والحالة الثانية هي التأكّد من تشوّه الجنين ووجود اختلالات جينية. وفي الحالتين، يربط القانون إجازة الإجهاض بموافقة المرأة، وتشخيص ثلاثة أطباء، ومصادقة الطب العدلي على ذلك، وأن يكون الحمل لم يصل إلى شهره الرابع بعد. لكن إذا تجاوز الحمل الشهر الرابع، فيُمنع إنهاء الحمل، والإجهاض في هذه الحالة يعدّ عملاً غير قانوني، يستوجب العقوبة القانونية، ويعتبر في هذه الحالة بمثابة قتل "إنسان كامل".

يشكّل الإجهاض غير الشرعي 90 في المائة من حالات الإجهاض في إيران، بحسب ما كشفت صحيفة "شهروند" الإصلاحية، في عددها الصادر يوم 24 أغسطس/آب 2019، لكن لا توجد إحصاءات رسمية حول الموضوع، وهناك تضارب في ما يعلنه مسؤولون إيرانيون في هذا الشأن. إذ كشف نائب وزير الصحة الإيراني لشؤون التعليم، محمد باقر لاريجاني، في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، عن وجود 300 ألف إلى 500 ألف حالة إجهاض غير قانوني في إيران سنوياً، وفقاً لما أوردته وكالة "فارس"، أي بمعدل ألف حالة في اليوم الواحد. فيما ذكر، عباس مسجدي آرائي، رئيس منظمة الطب العدلي، التابعة للسلطة القضائية، أنّ العدد هو 125 ألف حالة، معتبراً أنّ ذلك يجب أن يشكّل "إنذار خطر للنظام الصحي"، داعياً إلى ضرورة البحث عن حلول للموضوع، بحسب وكالة "إرنا" الرسمية.

إلى ذلك، ثمّة تقارير غير رسمية، تشير إلى أنّ العدد أكبر من تلك الأرقام المتداولة، وربما يصل إلى 600 أو 700 ألف حالة سنوياً، أي قرابة ألفي حالة يومياً. ودفع تزايد مطّرد في حالات الإجهاض في البلاد، المسؤولين الإيرانيين إلى التعبير عن قلقهم من الأمر، حيث قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية، إبراهيم رئيسي، في 22 أغسطس/آب الماضي، إنّ "أرقام الإجهاض في البلاد مقلقة"، وفقاً لما أوردته وكالة "ميزان" التابعة للسلطة، داعياً إلى ضرورة معالجة هذه المشكلة.

أمّا الإجهاض غير القانوني فله أسباب عديدة، تختلف من حالة إلى أخرى، أهمّها "المشاكل المالية"، بحسب الاختصاصية في الولادة والأمراض النسائية والعقم، نسرين سحرخيز، في حديث لها مع وكالة "تسنيم"، في 31 يناير/ كانون الثاني الماضي. وأشارت سحرخيز إلى أنّ نتائج تحقيق أجرتها في العاصمة طهران، أظهرت أنّ "الخلافات العائلية" تأتي في المرتبة الثانية في قائمة أسباب الإجهاض.

إضافة إلى العوامل التي سبق ذكرها، رصدت "العربي الجديد" أسباباً أخرى للإجهاض، وهي العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج والاغتصاب والحمل المبكّر غير المخطّط له، وتغيير أنماط الحياة.

دفع تزايد حالات الإجهاض المسؤولين الإيرانيين للتعبير عن قلقهم 

 

وحول العامل الأخير، قال عالم الاجتماع الإيراني، علي رضا شريفي يزدي، لوكالة "مهر" الإيرانية، يوم 24 أغسطس/ آب 2019، إنّ "توقعات ونظرة الزوجين اليوم إلى الحياة مختلفة عن الأجيال السابقة، فهما يعطيان الأولوية لمواصلة الدراسة الجامعية والعمل والترويح عن النفس، على حساب الإنجاب". وأعرب عن أسفه لأنّ "الشباب اليوم، يرون أنّ الإنجاب يعرقل تقدّمهم في الحياة".

رغم أنّ حالات الإجهاض غير الشرعي، تفوق بكثير حالات الإجهاض العلاجي الشرعي، إلا أنّ التفسير الموسّع لقاعدة "نفي العسر والحرج"، التي تشكّل ركيزة قانون إجازة الإجهاض في الحالات المذكورة آنفاً، أدّى إلى زيادة حالات الإجهاض القانوني أيضاً، بحسب سحرخيز، التي تقول إنّ مشروع "المسح (الكشف) الطبي للفترة الجينية لوزارة الصحة، يستسهل الإجهاض، لكونه يجيزه في حالات غير معقدّة أيضاً، مثل تشخيص الجنين على أنه قزم أو في حالات مشابهة". ودعت إلى تشديد قيود الإجهاض وتضييق تفسير القانون المجيز للإجهاض العلاجي.

أمّا عن العقوبة القانونية للإجهاض في الحالات غير الشرعية، فينصّ قانون العقوبات الإسلامية الإيراني في مادته الـ306 على أنّه يجب على الأم التي أجهضت، بعد الشهر الرابع، أن تدفع ديّة. كما أنّ المادة الـ716 تحدّد تفاصيل الدية بحسب عمر الجنين، وهي تصل إلى الدية الكاملة بعد الشهر الرابع من الحمل.

صحة
التحديثات الحية

إلى ذلك، تنصّ المادة 623 من القانون، على الحكم بالسجن من ستة أشهر إلى عام واحد لكلّ من يتسبّب بإجهاض جنين من خلال توفير أدوية أو أدوات أخرى، ولكلّ من يدلّ "عالماً ومتعمداً" امرأة حاملا إلى هذه الأدوية أو الأدوات، "فيحكم عليه بالحبس من ثلاثة إلى ستة أشهر".

كما أنّ الإجهاض، أياً كان شكله، قانونياً أم لا، له تبعات جسدية ونفسية صعبة على المرأة. لكن هذه التبعات تزداد خطورة، في حالات الإجهاض غير القانوني، فتصل أحياناً إلى الوفاة، لكون الحوامل يراجعن في كثير من الأحيان مراكز إيرانية غير مرخّصة أو سرية وهي غير صحية، للإجهاض.

وتتجاوز تبعات الإجهاض ما تمّ ذكره آنفاً إلى البعد الاجتماعي، إذ إنّ انتشار ظاهرة الإجهاض لها تأثير سلبي على النمو السكاني في إيران، تحديداً في ظروف تعاني فيها الدولة من "أزمة سكانية" على خلفية تراجع حاد في نسبة الولادات، ليسجّل العام 2018، أدنى مستوى ولادات منذ خمسين عاماً، بعد تراجع النسبة إلى 14.5 مولوداً لكلّ ألف نسمة.  ​

المساهمون