إقامة الأردن مستشفى ميدانياً عسكرياً في نابلس تثير التساؤلات

إقامة الأردن مستشفى ميدانياً عسكرياً في نابلس تثير التساؤلات

17 نوفمبر 2023
إحدى طائرات المساعدات الأردنية المخصّصة لقطاع غزة (إكس)
+ الخط -

مع انتصاف ليل الخميس - الجمعة، كانت قاطرات ضخمة تصل إلى مدينة نابلس من الأردن مباشرة، وهي محمّلة بكلّ المعدّات اللازمة لإقامة مستشفى ميداني عسكري في المدينة الواقعة شمالي الضفة الغربية المحتلة. وقد أثار إنشاء هذا المستشفى الأردني تساؤلات كثيرة لدى الفلسطينيين وتكهّنات، ولا سيّما أنه أقيم في منطقة تقع بالقرب منها ثلاثة مستشفيات فلسطينية، في وقت يشهد فيه قطاع غزة عدواناً إسرائيلياً غير مسبوق.

وأصدرت القوات المسلحة الأردنية، مساء أمس الخميس، بياناً أعلنت فيه تنفيذ توجيهات الملك عبد الله الثاني في هذا السياق، وإقامة المستشفى الميداني العسكري لتقديم الخدمات الطبية للمرضى والمصابين، مؤكدة استمرار العمل في المستشفى الميداني الأردني في غزة والمحطة الجراحية في جنين (شمال الضفة الغربية) والمحطة الجراحية في رام الله (وسط الضفة الغربية).

ومن المزمع أن يقدّم المستشفى الميداني العسكري خدماته إلى محافظات شمال الضفة الغربية كلها، وهو يضمّ فريقاً من 120 شخصاً، من بينهم طاقم طبي يُقدَّر عدد أفراده بما بين 60 و70 طبيباً وممرضاً، منهم 18 طبيباً جراحاً في الاختصاصات المختلفة، إلى جانب إداريين ورجال أمن. ويتألّف هذا المستشفى الأردني من سبع قاطرات، تضمّ غرفتَي عمليات جراحية وغرفتَين للعناية المركّزة و15 سريراً لتغطية التدخّلات الجراحية الخاصة بالأشخاص المحوّلين إلى المستشفى، بالإضافة إلى مختبر وصيدلية وقسم أشعة وعيادة أسنان وغرفة تعقيم.

وسوف يُقام المستشفى الميداني العسكري على مساحة سبعة دونمات، في الجهة الغربية لحدائق "جمال عبد الناصر"، المتنزّه الترفيهي الأكبر في مدينة نابلس، بجوار مدرستَين تابعتَين لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ومبنى تابع لبلدية نابلس. وقد خُصّصت الطبقة الأرضية من مبنى البلدية لمبيت الطواقم الإدارية والطبية العاملة في المستشفى. ويفصل شارع واحد المستشفى الأردني عن استاد كرة القدم الوحيد في نابلس، والذي قد يُستفاد منه ليكون مهبط طائرات في حال لزم الأمر، وفقاً لمصادر خاصة تحدّثت لـ"العربي الجديد".

وراح الناس يتناقلون روايات كثيرة حول المستشفى الأردني، وسط مخاوف من اجتياح عسكري إسرائيلي للضفة الغربية المحتلة شبيه بما جرى في عام 2002. أمّا آخرون فيرون أنّه سوف يخصّص لاستقبال مصابين من قطاع غزة الذي يتعرّض لحرب إبادة على يد قوات الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. ولعلّ أكثر ما عزّز مخاوف الفلسطينيين في الضفة الغربية هو ما صدر عن رئيس بلدية نابلس سامي حجاوي الذي قال أمام الصحافيين في خلال الإشراف على تجهيز موقع المستشفى إنّه لا يعرف السبب الحقيقي لإقامة المستشفى، لكنّه يرى أنّ ذلك يهدف إلى دعم القطاع الصحي في فلسطين عموماً.

في هذا الإطار، قال القائم بأعمال محافظة نابلس غسان دغلس لـ"العربي الجديد" إنّ "الأمر يأتي في إطار الدعم الأردني الدائم للشعب الفلسطيني في مختلف المجالات"، مشيراً إلى أنّه سوف يكون لهذا المستشفى "دور كبير في تقديم الخدمات لأبناء الشعب الفلسطيني شمالي الضفة الغربية، وهي لا شكّ مناطق ساخنة منذ أعوام عدّة". أضاف أنّ ذلك لا علاقة له "بإعادة احتلال الضفة الغربية أو نابلس".

وعن أسباب اختيار إقامة المستشفى في غرب مدينة نابلس، في حين أنّ ثمّة مواقع أخرى في محافظة نابلس في حاجة ماسة إليه أكثر من الموقع الحالي، خصوصاً الريف الجنوبي الذي يتعرّض دوماً لهجمات دموية من قبل المستوطنين، وتفصله إسرائيل عن بقية المناطق بحواجز عسكرية تعرقل الحركة باستمرار، أشار دغلس إلى أنّهم قدّموا مقترحات لمواقع عدّة لكنّ الجهات الأمنية الأردنية هي التي اختارت الموقع "لاعتبارات أمنية ولوجستية، فيكون بذلك بعيداً عن نقاط التماس والمواجهة مع قوات الاحتلال".

وكشفت مصادر "العربي الجديد" أنّ فكرة المستشفى طُرحت في اللقاء الذي جمع ملك الأردن بالرئيس الفلسطيني محمود عباس ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في العاصمة الأردنية عمّان، منتصف أكتوبر الماضي. أضافت أنّ الأردن كان يأمل بإقامته في قطاع غزة، بسبب الحاجة الماسة إليه من جرّاء العدوان الإسرائيلي المستمر، لكنّ بلينكن أبلغ الملك عبد الله برفض رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القاطع للفكرة، لأنّ ذلك قد يخفّف من الضغط على حركة حماس، وهو ما لا يريده من جهة، في حين أنّ من الجهة الثانية ثمّة مستشفى أردنياً ميدانياً تشرف عليه القوات المسلحة في قطاع غزة.

وكان الأردن قد أنشأ المستشفى الميداني العسكري في قطاع غزة، في يناير/ كانون الثاني من عام 2009، في حيّ تلّ الهوى بمدينة غزة شمالي القطاع، بسعة 40 سريراً.

وفي 15 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، أعلن الجيش الأردني أنّ سبعة من كوادر هذا المستشفى في غزة جُرحوا عند مدخل قسم الطوارئ في خلال قصف إسرائيلي.

ولفتت مصادر "العربي الجديد" ذاتها إلى أنّ الأردن يشعر بالخوف الشديد من تفاقم الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، وسط دعوات من مسؤولين إسرائيليين متطرّفين إلى تهجير سكانها إلى الأردن ليكون وطناً بديلاً، وهو ما دفع الملك ووزير خارجيته أيمن الصفدي إلى الإعلان قبل أيام أنّ إقدام إسرائيل على تهجير سكان الضفة إلى الأردن هو "إعلان حرب".

وتابعت المصادر أنّ "الأردن كان وسوف يبقى يؤدّي دوراً رئيسياً في ضبط الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، ومن ذلك توفير الرعاية الصحية للفلسطينيين هناك، وبالتالي كان قرار نقل موقع المستشفى إلى نابلس، فهي إحدى كبرى مدن الضفة ومركز ثقل سياسي وأمني".

ولم تخفِ المصادر إمكانية استقبال هذا المستشفى جرحى من قطاع غزة، فمع تكاثر أعدادهم "سوف تتكفّل دول عدّة باستقبالهم مثل مصر وتركيا، وبالتأكيد الأردن"، وفي إطار "توزيع الضغط، يمكن إرسال مئات منهم إلى الضفة الغربية، ولا سيّما إلى المستشفى الميداني الأردني".

المساهمون