عملية النفق.. مسمار بقبضة الاحتلال الأمنية في الضفة الغربية

عملية النفق.. مسمار بقبضة الاحتلال الأمنية في الضفة الغربية

16 نوفمبر 2023
الاحتلال يفشل في إحكام قبضته الأمنية على مدن الضفة (Getty)
+ الخط -

على وقع مجازر الاحتلال الإسرائيلي في غزة وحملة الانتقام من أهالي الضفة الغربية، جاءت العملية الفدائية التي نفذها مقاومون فلسطينيون صباح اليوم الخميس، على الحاجز العسكري المعروف باسم (النفق) جنوب القدس، لتفشل الإجراءات الأمنية للاحتلال الإسرائيلي بشكل ذريع. 

وتمكن المقاومون من الوصول إلى الحاجز قادمين من مدينة الخليل المحاصرة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، واستطاعوا اختراق الشوارع الاستيطانية، ما يؤكد فشل الاحتلال في إحكام قبضته الأمنية على مدن الضفة أو تنفيذ سياسة "تدجين اقتصادي" تحديدًا مع مدينة الخليل.

وأكدت وسائل إعلام إسرائيلية إصابة سبعة إسرائيليين بجراح وصفت جراح أحدهم بالخطرة، في عملية إطلاق نار على حاجز النفق. 

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أعلن أن ثلاثة شبّان من الخليل، وهم: عبد القادر القواسمي، وحسن قفيشة، ونصر الله القواسمي، وصلوا إلى حاجز النفق صباح اليوم، وبحوزتهم بندقيتان من طراز m-16 ومسدسان والمئات من حبات الذخيرة والأمشاط، وفأسان وملابس تشبه زي الجيش الإسرائيلي، في محاولة منهم للعبور من حاجز النفق إلى القدس ومدن الداخل بنيّة تنفيذ عملية.

اختراق أمن المستوطنين 

يربط حاجز النفق مستوطنات جنوب الضفة في الخليل وبيت لحم، بمدينة القدس ومدن الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، لكن المقاومين وصلوا إليه ونفذوا العملية، ليؤكدوا هشاشة الإجراءات الأمنية للاحتلال.

ويقول الباحث في معهد الأبحاث التطبيقية "أريج"، سهيل خليلية في حديث لـ"العربي الجديد" إن أهمية العملية تنبع من وقوعها في مربع استيطاني أسسه الاحتلال بشكل أمني مدروس منذ عام 1990، حيث أقيم حاجز النفق على الأراضي الغربية لبلدة بيت جالا غرب بيت لحم، التي تقع بين جبلين لاعتبارات أمنية من شأنه أن يكون بعيدًا عن حركة الفلسطينيين، وسمّي بالنفق لأن جزءًا منه يمرّ من أسفل الجبال، وفيه حراسة مشدّدة إسرائيلية. 

وتؤكد "عملية النفق"، بحسب رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، بلال الشوبكي في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ المستوطنين في الضفة الغربية سينتقلون من حالة الاطمئنان والاسترخاء، إلى حالة التوجس والخوف نظرًا لحساسية موقع تنفيذ العملية، وذلك من شأنه أن يدفعهم لمراجعة تأييد فكرة "يمينية الحكومة الإسرائيلية"، والتراجع عن تأييد تصعيد الجيش بالضفة الغربية، خشية انعكاس نتائج سلبية عليهم. 

إفشال مخططات استيطانية 

وقوع العملية على حاجز النفق الذي يربط بين القدس ومستوطنات غوش عتصيون يعني ضرب الطريق الذي يعد شريان الحياة الأساسي لمستوطني جنوب الضفة الذي يربطهم بمدن الداخل المحتل، وفق خليلية، الذي أكد أن طريق حاجز النفق سيصبح طاردًا للمستوطنين لا جاذبًا لهم، ما من شأنه أن يرفع الكلفة على حياة المستوطنين وتحرّكهم واضطرارهم لعبور طرق استيطانية أبعد مسافةً، وربما تكون أقل أمانًا لهم. 

ويعمل الاحتلال، منذ نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، على مخطط استيطاني توسّعي في منطقة حاجز النفق، ضمن خطة القدس الكبرى، حيث يسعى من خلاله إلى مصادرة آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين بهدف توسيعه، وتأسيس أنفاق جديدة متصلة به، ما من شأنه أن يزيد عدد المستوطنات في تجمع غوش عتصيون المقام عليه حاجز النفق إلى أكثر من 14 تجمّعًا.

توسيع المقاومة

تأتي عملية النفق لتعبر عن التحول في مستوى الاحتجاج الشعبي في الضفة الغربية على ما يحصل من عدوان إسرائيلي على غزة، إلى درجة أعلى قد تشير لوجود قرار تنظيمي من حركتي حماس والجهاد الإسلامي بتصعيد المواجهة مع الاحتلال، بحسب الشوبكي.

ووفق الشوبكي، فإن انتماء المنفذين أو وجود خلفية عائلية لهم تربطهم بحركة حماس قد يشير إلى ما هو أهم من إنجازاتها العسكرية بإصابة 7 إسرائيليين: وجود تنظيم سياسي قائم ويعمل رغم قدراته المحدودة ومن المتوقع أن يكرر عمليات أخرى، بعدما أعاد تكوين صفوفه.

وكان لافتًا أن منفذي عملية النفق الثلاثة قد نشأوا في عائلات تناصر حركة حماس، ويقطنون في مربعٍ سكني واحد في محيط منطقة "دائرة السير" بمدينة الخليل، حيث إن الشهيد عبد القادر القواسمي (27 عامًا) أحد منفذي العملية، هو نجل الشهيد عبد الله القواسمي القائد في كتائب القسام (ذراع حماس العسكرية) والذي استشهد عام 2003. كما أن الشهيد نصر القواسمي (17 عامًا) شقيق الشهيد القسامي أحمد عبد العفو القواسمي، والذي نفّذ عملية بمحطة حافلات مدينة بئر السبع وارتقى في الحادي والثلاثين من أغسطس/آب 2004، والشهيد الثالث حسن قفيشة نجل القيادي المبعد إلى تركيا مأمون قفيشة، وعمّه الأسير المحرر في صفقة وفاء الأحرار، والقيادي في حماس أيمن قفيشة. 

رفض لسياسة "التدجين" الاقتصادي 

وأثارت العملية تساؤلات حول سياسة التدجين الاقتصادي التي عمد إليها الاحتلال مع جنوب الضفة وتحديدًا الخليل، لتحييدها عن العمل المقاوم، إذ يوضّح بلال الشوبكي أن الاحتلال فشل بافتراض صوابية هذه الفرضية، حيث إن العملية إن لم تكن بتخطيط تنظيمي، فإنها تشير لعملية فردية تعبر عن ديمومة حالة المقاومة في الأوساط الشعبية ردًا على مجازر الاحتلال في غزة. 

ويقول الشوبكي: "كلما وقعت عمليات فردية ناجحة، تتطور الحالة وتقع عمليات أخرى (...) بمعنى وجود حافز نفسي للذين يفكرون بهذه الأعمال، وبالتالي عدم توقف العمل المقاوم.

إفشال سياسة العقاب الجماعي 

ما يُفهم من عملية النفق يشير إلى فشل سياسة يطبّقها الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، في الخليل، وأعاد تطبيقها بشكل أعنف بعد العملية وهي سياسة "العقاب الجماعي" وفق حديث عضو لجنة الدفاع عن الخليل، هشام الشرباتي مع "العربي الجديد".

ويقول الشرباتي إن "الاحتلال يغلق مداخل الخليل كافة، وبعد العملية أغلق المدخل الوحيد المتبقي وهو الشمالي للمدينة، والعملية جاءت رغم تشديد الخناق على مدينة الخليل، ما يعني عدم جدوى سلوك الاحتلال بردع المواطنين ومنع انخراطهم في أي عمل مقاوم، رغم استمراره في البطش بعائلات منفذي العملية، والمجتمع الحاضن لهم، ومحاولة الترهيب بفرط القوة خلال قصف غزة". 

وفي أعقاب العملية، اقتحمت قوات الاحتلال مدينة الخليل، وأغلقت مدخلها الرئيسي الشمالي، وشددت الخناق على المداخل الأخرى، ومنعت حركة المركبات منها وإليها، واقتحمت منازل منفذي العملية واعتقلت أفرادًا من عائلاتهم. 

ويرى الشرباتي أن "الخليل والضفة عمومًا على شفا حفرة من الانفجار لأن الضغط لن يولّد إلا تصعيدًا للمواجهة مع قوات الاحتلال، لأن تخويف الناس ومحاولة رفع كلفة العمل المقاوم لم يعودا مجديَين، بل باتا يعطيان نتيجة عسكية ضد الاحتلال بتصاعد المقاومة وسط غياب حلٍ سياسي في الأفق القريب".