أزمة المياه تُنهك فلاحي العراق

أزمة المياه تُنهك فلاحي العراق

06 ابريل 2022
التصحر أثّر على 39 في المائة من مساحة العراق (ماركوس يام/ Getty)
+ الخط -

مع استمرار انخفاض منسوب نهري دجلة والفرات في العراق، وشح تساقط الأمطار خلال فصل الشتاء، تزداد معاناة الفلاحين في القرى والأرياف، وخصوصاً في محافظتي ديالى وصلاح الدين شرق وشمال شرقي البلاد، ومدن أخرى جنوبي العراق. وأطلق مسؤولون محليون تحذيرات من موجات نزوح من القرى المتضررة بسبب الجفاف، بالإضافة إلى تضرر الثروة الحيوانية وزيادة التصحر وخروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن الخدمة.

وقال البرلمان العراقي إنه أمر بتشكيل وفد نيابي للتوجه إلى العاصمتين التركية والإيرانية أنقرة وطهران، لبحث أزمة المياه وحث البلدين على تقاسم الضرر مع العراق. وكان وزير الموارد المائية العراقي مهدي الحمداني قد أكد في حديث سابق لـ "العربي الجديد" أن بلاده تواجه وضعاً مائياً "صعباً للغاية" بسبب سياسة إيران الأخيرة تجاه العراق بعد قطعها عدداً من روافد الأنهار وتحويل مجرى أخرى، لافتاً إلى الإخفاق في التوصل إلى اتفاق معها. في المقابل، شهدت الاجتماعات مع الجانب التركي تقدماً في ملف المياه وتجاوباً.   

وحثت رئيس بعثة الأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت جيران العراق على بدء حوارات حول تقاسم المياه، في ظل أزمة مائية ضربت العراق منذ العام الماضي نتيجة تراجع الإيرادات المائية التي تأتي من إيران وتركيا، محذرة من أنّ "التخفيض النشط لتدفقات المياه من البلدان المجاورة إلى العراق يمثل تهديداً خطيراً آخر"

وتفيد مصادر عراقية رفيعة المستوى في بغداد، في حديث لـ"العربي الجديد"، بتسجيل عشرات عمليات النزوح في مناطق شمال وشمال شرقي ديالى، وصلاح الدين، بالإضافة إلى محافظات واسط وذي قار والمثنى.

ويقول مسؤول في وزارة الهجرة العراقية لـ "العربي الجديد" إن غالبية النازحين عن القرى باعوا مواشيهم ويلجؤون إلى لمدن بحثاً عن مصادر رزق أخرى، محذراً من أن استمرار الأزمة قد يكون أول موجة نزوح من نوعها بعد انتهاء حقبة معارك تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في حال استمرارها. 

من جهته، يقول أحد سكان قرى شمال تكريت؛ العاصمة المحلية لصلاح الدين شمالي البلاد، مصطفى الجبوري إن المناشدات لم تنفع طوال الفترة الماضية لإيجاد حل لمشكلة الجفاف المتواصلة والتي كبدتنا خسائر كبيرة اضطرته إلى ترك قريته والهجرة للمدينة.

ويقول الجبوري لـ "العربي الجديد" إنه "بعدما سئمنا من انتظار المياه على ضفتي النهر وجفاف آبارنا بشكل لا يكفي لري سوى مساحات صغيرة من أراضينا، لم يتبق لنا إلا خياران، إما حفر الآبار بعمق أكبر مما هي عليه، وهو أمر مكلف للغاية وغير مضمون، إذ من الممكن أن تكون المياه مالحة وتقتل المحاصيل، أو أن نترك هذه المهنة إلى حين انتهاء الأزمة والنظر بأمرنا من قبل السلطات".

يتابع الجبوري: "أثقلت هذه الأزمة كاهلنا نحن الفلاحين. وبعدما أعددنا الأراضي للزراعة، لم نجد المياه الكافية وسط شح الأمطار، وقد اضطررنا إلى الاستدانة من أصحاب مكاتب بيع البذور والأسمدة واشتدت علينا الأوضاع هذا العام".

ويقول: "لم يتبق لي خيار سوى ترك المهنة والتوجه مع عائلتي إلى مدينة تكريت حتى نتدبر أمور المعيشة ونسدد ما تبقى علينا من ديون. وفور وصولي، عملت في سوق المدينة لدى أحد التجار، فيما عمل ولداي بمحل آخر في السوق ذاته".

وعن حكاية نزوحه، يوضح الجبوري أنه "لم يكن الأمر سهلاً؛ فملامح المدينة وتقاليدها لا تشبه ما اعتدنا عليه في القرية، كما واجهنا صعوبة في غلاء أجور المنازل والمواد الغذائية والملابس وغيرها من الاحتياجات".

وبحسب تصريحات سابقة للرئيس العراقي المنتهية ولايته برهم صالح، على هامش مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ، الذي عقد في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، فقد تضرّر 7 ملايين عراقي (من أصل 40 مليوناً)، من الجفاف والنزوح الاضطراري بسبب نقص المياه. أضاف أن "التصحر أثّر على 39 في المائة من مساحة العراق، و54 في المائة من الأرض الخصبة مُعرّضة لخطر فقدانها زراعياً بسبب الملوحة الناتجة عن تراجع مناسيب دجلة والفرات".

من جهته، يقول محمد العبيدي، وهو مزارع سابق وعامل بناء حالياً، إن معظم أبناء قريته يبحثون عن أعمال أخرى غير الزراعة التي لم تعد منتجة في ظل رفع الدولة الدعم عن الفلاح وغزو المنتج الأجنبي وغلاء مستلزمات الزراعة بالإضافة إلى قلة توفر الكهرباء لتشغيل مكائن سحب المياه الجوفي من تحت الأرض.

يضيف العبيدي لـ "العربي الجديد" أنه "يخرج يومياً للعمل في البناء وهو عمل شاق، ولكنه المتوفر خلال السنوات الأخيرة، حيث تنقلنا سيارة بيك آب يملكها أحد أبناء القرية وهو من أقاربي أيضاً، للعمل في جامعة تكريت مع أحد المقاولين في مجال إنشاء وإعمار أبنية الجامعة".

الجفاف في العراق (أحمد الربيعي/ فرانس برس)
هناك خوف من تأثير شح المياه على استقرار العائلات (أحمد الربيعي/ فرانس برس)

موجة نزوح جديدة

ويحذر مسؤولون محليون في المحافظات العراقية من تأثير شح المياه على استقرار العائلات ونزوحها من الريف إلى المدن الكبيرة. ويقول مدير زراعة نينوى ربيع إلياس لـ "العربي الجديد" إن "نزوح عدد كبير من سكان قرى وريف نينوى إلى المدينة زاد من نسبة البطالة والفقر والمشاكل الاجتماعية والأسرية". يضيف أن "على الحكومة العراقية التحرك بشكل كبير لاستدراك هذه الكارثة، إذ إن هذا النزوح سيؤثر سلباً على البنى التحتية والكهرباء والخدمات الصحية التي ما تزال متضررة من العمليات العسكرية الأخيرة على المحافظة حتى الآن".

من جهته، يحذر أمجد السامرائي، وهو مدير زراعة بلدة المعتصم جنوبي سامراء، في حديثه لـ "العربي الجديد"، من "مشاكل وصراعات بين المزارعين، الأمر الذي حدث مؤخراً، لا سيما الذين يعتمدون على المشاريع أو الري بالقنوات، إذ تؤثر قلة المياه على حصتهم منها، وقد بدأت مسألة توزيع المياه تثير الخلافات بينهم".

ودفع شح المياه الحكومة العراقية إلى تقليص المساحات المزروعة بنسبة 50 في المائة خلال العام الحالي.

المساهمون