12 عاماً على الثورة الليبية: تعاقب مبعوثين دوليين بلا حلحلة الصراعات

12 عاماً على الثورة الليبية: تعاقب مبعوثين دوليين بلا حلحلة الصراعات

17 فبراير 2023
لم تطبّق مقررات ملتقى الحوار في تونس بإجراء انتخابات (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

بعد مرور 12 عاماً على ثورة فبراير التي اندلعت في 17 فبراير/ شباط 2011، لا يزال الملف الليبي قيد التداول الأممي والدولي على الرغم من تعاقب تسعة مبعوثين أمميين، عرضوا خلال ولاياتهم مبادرات عديدة، بعضها وقّعته أطراف الصراع، إلا أن أياً منها لم تصل إلى حل ينهي أزمات ليبيا السياسية والأمنية والاقتصادية المتلاحقة.

ومع تدويل الملف الليبي بصدور أول قرار أممي عام 2011، شدد على ضرورة حماية المجتمع الدولي للمدنيين في ليبيا، بات الملف الليبي رهناً للقيادة الأممية. إلا أن آفاق الحلول لا تزال تنتظر توافقاً دولياً، يجتهد في حشده آخر المبعوث الأمميين عبد الله باتيلي، الذي يجري منذ الأسبوع الماضي زيارات لعواصم الثقل الدولي، لندن وباريس وروما وأخيراً برلين، في محاولة لجمع الكلمة الدولية في اتجاه الضغط على الأطراف المحلية من أجل إنجاز الاستحقاق الانتخابي المؤجل منذ عام 2021.

دخول أممي مبكر على خط الأزمة

دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة الليبية مبكراً، فمنذ أولى بدايات ثورة فبراير، عيّنت الدبلوماسي الأردني، عبد الإله الخطيب، مبعوثاً لها في مارس/ آذار 2011. وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، شكّلت بعثة أممية للدعم ترأسها البريطاني إيان مارتن، إلا أن أثرها في العملية السياسية كان محدوداً وقتها.

وإثر نجاح الثورة بإسقاط العقيد الراحل معمر القذافي في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، وإجراء أول انتخابات تشريعية في البلاد في يوليو/ تموز 2012، دخلت البلاد في أتون أزمة، كان أبرز ملامحها الاصطفافات والانقسامات التي سبّبها غياب مؤسسات سياسية قادرة على بناء هياكل الدولة، بالإضافة إلى رفض "الثوار" وجود مسؤولين وقيادات من النظام السابق في مؤسسات الدولة. وعمّق ذلك إصدار المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق) قانون العزل السياسي، الذي زاد من حدة الخلافات والانقسامات.

وفي الأثناء لم تنجح المساعي الأممية ومبادرة رئيس البعثة الجديد، اللبناني طارق متري، الذي خلف مارتن، في حلحلة تلك الخلافات، على الرغم من المبادرات التي حاول إقناع الأفرقاء بجدواها.

حروب تعقّد مساعي الحل الليبي

ومع وصول المؤتمر الوطني العام إلى نهاية ولايته مطلع عام 2014، ووسط مماحكات قادة داخل المؤتمر لتمديد ولايته، واجهتها تظاهرات تطالب بانتخابات برلمانية جديدة، أطلق متري مبادرة للحوار الوطني من دون أن يتمكن من فرضها، خصوصاً مع إطلاق اللواء المتقاعد خليفة حفتر أولى حروبه في بنغازي. ثم دخل عدد من التشكيلات المسلحة في غرب البلاد في أتون حرب واسعة، عرفت بعملية "فجر ليبيا".

وعلى وقع الحربين في بنغازي وغرب البلاد، أُجريت الانتخابات البرلمانية التي أفرزت مجلس النواب الحالي. لكن المجلس دخل في عملية الاستقطاب وانحاز إلى جانب حفتر، باختياره مدينة طبرق مقراً لانعقاده، وذلك بالتزامن مع حكم عن الدائرة الدستورية في المحكمة العليا في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 بعدم دستورية انتخابات مجلس النواب، وعودة المؤتمر الوطني إلى الواجهة السياسية.

كل ذلك أدخل ليبيا في أتون انقسام سياسي حاد، بوجود برلمانين وحكومتين. وشكّلت هذه المرحلة مساحة للنشاط الأممي في أزمة البلاد، وخاض المبعوث الأممي حينها، الإسباني برناردينو ليون، مباحثات ماراثونية بين المؤتمر الوطني ومجلس النواب، أفضت في ديسمبر/ كانون الأول 2015 إلى توقيع الاتفاق السياسي الليبي بين الطرفين.

أطلق متري مبادرة للحوار الوطني من دون أن يتمكن من فرضها

وتبعاً للاتفاق، استمر مجلس النواب في مهامه، وتحوّل المؤتمر الوطني إلى مجلس أعلى للدولة، وتشكّل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، وعضوية انقسمت بالمحاصصة بين أقاليم ليبيا الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان)، واستمدت كل الأجسام شرعيتها من الاتفاق السياسي.

ومع استمرار حرب حفتر وتوسع رقعة سيطرة قواته، عاد الانقسام السياسي إلى الواجهة، بعد أن تحوّل مجلس النواب إلى واجهة سياسية لحروبه التوسيعية ورفض تضمين الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري. كذلك رفض البرلمان التعامل مع المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، واستمرت حكومته الموازية بالشرق في العمل.

وفشلت جهود المبعوث الأممي الجديد، الألماني مارتن كوبلر، في دفع الأطراف إلى العودة للحوار، "خصوصاً مع حالة التخوين التي بدأت تظهر في تصريحات قادة الصراع للأمم المتحدة وبأنها غطاء لتدخّل أطراف دولية في حالة الاحتراب والانقسام، أو على الأقل السكوت عن ذلك التدخّل"، وفق المحلل السياسي مالك هراسة. واعتبر هراسة في حديث لـ"العربي الجديد" أن الأمم المتحدة "أظهرت على الأقل في فترة كوبلر عجزها عن إقناع الأطراف بوجودها".

لقاءات دولية تدفع إلى انتخابات

ومع استمرار تعقّد المشهد، انتهت في يوليو 2017 مدة كوبلر، وسلّم ملفاته و"كل قلقه"، وفق هراسة، لمبعوث جديد، كان له حضور أكبر، وهو الدبلوماسي اللبناني غسان سلامة، الذي بدأ سلسلة أخرى من المداولات.

وفي السنة اللاحقة انطلقت لقاءات عديدة، لكن هذه المرة بتنظيم دولي ومشاركة أممية، كاللقاء الذي نظم في باريس في مايو/ أيار 2018، وحضره أطراف الصراع، بمن فيهم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، وحفتر والسراج، بالإضافة إلى وفود من 20 دولة. وانتهى اللقاء إلى اتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 10 ديسمبر 2018، إلا أن ذلك لم يحدث على الرغم من اللقاء الآخر الذي نظم في باليرمو الإيطالية في نوفمبر 2018، وحضرته وفود من 38 دولة.

انتهى لقاء باريس في مايو 2018 إلى اتفاق على إجراء انتخابات، لكن ذلك لم يحدث

هذا الوضع دفع سلامة إلى حشد الجهود الداخلية لتنظيم "المؤتمر الليبي الجامع" الذي حدد موعد انعقاده في إبريل/ نيسان 2019 في مدينة غدامس، إلا أن الأحداث أخذت منحى آخر. فقبل موعد المؤتمر بأيام، تفاجأ الجميع بجيش جرار يرسله حفتر بدعم خارجي لاجتياح العاصمة طرابلس، التي عاشت حرباً ضروساً لعام ونصف عام، أُجهِضَت خلالها مبادرة سلامة في غدامس.

وفي أثناء الحرب على طرابلس، ووسط حدة التدخّل الدولي العسكري لدعم حفتر من جانب، ودعم قوات حكومة الوفاق من جانب آخر، نشطت أطراف دولية لدعم الجهد الدولي، ومنها نشاط القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية، ستيفاني وليامز، التي عُيّنت منذ يوليو 2018 نائبة لغسان سلامة.

وانخرط الأخير ضمن مسعى دولي قادته ألمانيا، ونجحت في تنظيم مؤتمر برلين الأول في يناير/ كانون الثاني 2020، وانبثق منه حل سياسي بثلاثة مسارات، سياسي وعسكري واقتصادي. إلا أن سلامة لم يتمكن من فرض أي من المسارات الثلاثة، ما دفعه إلى الاستقالة في مارس 2020، لتُعيَّن نائبته وليامز رئيسة للبعثة بالإنابة.

قلق من التدخّلات يعزز النشاط الأممي

ومع تغيّر الأوضاع العسكرية بفشل حفتر في اقتحام طرابلس وانسحاب قواته، ودخول تركيا على خط المواجهة بدعمها قوات حكومة الوفاق، تغيّرت الكثير من المعطيات، ومن أهمها ظهور ملامح تدخّل روسي من خلال ثبوت وجود قوات من مجموعة فاغنر.

وبحسب المحلل مالك هراسة، كان هذا الأمر مصدر قلق للجانب الأميركي وسبباً في نشاط وليامز، "وقد يكون أن ضغط واشنطن على الأمم المتحدة هو ما دفعها إلى رئاسة البعثة وإقناع سلامة بالاستقالة".

نجحت وليامز في إقناع الأطراف المتصارعة بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار

وأسست وليامز جهودها للدفع بالمشهد نحو توافق سياسي لإنهاء الانقسام على مخرجات برلين، وأهمها نتائج مشاورات المسار العسكري، فنجحت في إقناع الأطراف المتصارعة بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وبالتوازي اندفعت بقوة نحو الملف السياسي.

ولحلحلة اشتباك الملف السياسي وتعقّده، دعت وليامز إلى حوار سياسي من خلال ملتقى مكون من أطياف سياسية مستقلة لموازنة الثقل الذي شكّله مجلسا النواب والدولة في عمليات الحوار السياسي السابقة، ولضمان عدم سيطرتهما على الحوار وتوجيه نتائجه.
وبعد سلسلة اجتماعات في تونس وجنيف، خلص ملتقى الحوار إلى اتفاق، وصاغ خريطة طريق تمّ وفقاً لها توحيد السلطة التنفيذية في مجلس رئاسي ورئيس حكومة، على أن تسير بالبلاد إلى انتخابات برلمانية ورئاسية في 24 ديسمبر 2021.

وسرعان ما ظهرت الآثار الإيجابية لمساعي وليامز عندما تسلمت السلطة التنفيذية الجديدة السلطة من حكومة الوفاق في طرابلس، ومن الحكومة المؤقتة في البيضاء شرقاً. إلا أنّ مظاهر الانقسام تجددت وبدأت الخلافات بين قادة السلطة التنفيذية ومجلس النواب في الظهور، ما جعل جهود الأمم المتحدة على المحك.

ورأى هراسة أن وليامز اصطدمت بتعنّت قادة أطراف الصراع، خصوصاً أنهم وجدوا في مغادرتها لمنصبها بانتهاء فترة وظيفتها، فرصة للعودة إلى المشهد.

خلافات حول الانتخابات

إلا أن الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية، خليفة الحداد، رأى أن عمل الأمم المتحدة في فترة وليامز لا يختلف عن فتراتها السابقة ولا اللاحقة. ولفت في حديث لـ"العربي الجديد" إلى أنها "تركت بذور الصراع مزروعة في تفاصيل اتفاق ملتقى الحوار السياسي"، مشيراً إلى أن قادة الصراع أخيراً، ومنهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب فتحي باشاغا، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، أبرز المتنافسين في انتخابات السلطة التنفيذية التي قادتها وليامز.

وظهرت أولى ملامح الصراع المكتوم في رفض مجلس النواب إقرار الميزانيات المقترحة من قبل الدبيبة، وتصاعد الخلاف إلى حد إعلان مجلس النواب سحب ثقته من حكومة الدبيبة في سبتمبر/ أيلول 2021.

فترة كوبيتش شهدت تراجعاً دولياً عن الانشغال بالملف الليبي لصالح ملفات أهم منه في المنطقة

هذه المؤشرات رأى فيها الحداد دليلاً على "عدم قدرة البعثة الأممية، أو عدم رغبتها، في حسم الأزمة"، متسائلاً: "ما الذي منع المبعوث الأممي يان كوبيتش، اللاحق لوليامز، من مواصلة فرض خريطة الطريق، خصوصاً أن الأطراف الدولية التي قدّمت لها الدعم كانت لا تزال متمسكة بموقفها، إلا إذا كان الدعم من أطراف دولية معينة كواشنطن التي فرضت وليامز، هو لتمرير مصالح معينة لها". واعتبر أن فترة كوبيتش شهدت تراجعاً دولياً عن الانشغال بالملف الليبي لصالح ملفات أهم منه في المنطقة.

ومع اقتراب موعد الانتخابات في ديسمبر 2021، بدأت الملامح الحقيقية للخلاف تظهر. وفيما لم يحصل الكثير من اللغط حول الانتخابات التشريعية، إلا أن الرئاسيات تصدرت الصراع، خصوصاً بعد ترشح شخصيات وصفت بالجدلية، على رأسها حفتر والدبيبة، وسيف الإسلام نجل معمر القذافي، بالإضافة إلى إصرار عقيلة صالح على صحة انفراده بإصدار قوانين الانتخابات، من دون تصويت النواب، أو التوافق مع مجلس الدولة.

في نهاية نوفمبر، وقبل شهر موعد الاقتراع، أعلن كوبيتش فجأةً استقالته. ومع مطلع ديسمبر، عيّن الأمين العام للأمم المتحدة، وليامز مستشارة خاصة بشأن الملف الليبي، في محاولة لاستكمال مشروعها. إلا أن انحراف المسار عن الخريطة المقررة كان كبيراً، ما أدى إلى إعلان مفوضية الانتخابات عدم القدرة على إجراء الانتخابات بسبب قوة وصفتها بالقاهرة.

ولم تفلح عودة وليامز إلى المشهد في حسم الأوضاع، فعاد الانقسام السياسي بشكل أوضح، بإعلان مجلس النواب تشكيل حكومة برئاسة فتحي باشاغا بديلة لحكومة الدبيبة، فشلت في تسلّم زمام السلطة بعد رفض الأخير التسليم إلا لسلطة منتخبة، على الرغم من محاولة حكومة باشاغا دخول العاصمة ثلاث مرات.

الحداد: واشنطن لم تتخلّ كلياً عن الملف الليبي، لكن المستجدات في أوكرانيا شغلتها

وفسّر الحداد عدم نجاح وليامز بدخول متغيرات دولية، على رأسها الحرب الروسية الأوكرانية، موضحاً أن "واشنطن لم تتخلّ كلياً عن الملف الليبي، لكن المستجدات في أوكرانيا شغلتها، ما قلّل من فاعليتها في الملف الليبي".

وعلى الرغم من حسم الموقف الدولي حول منصب رئيس البعثة الأممية في ليبيا، بتعيين الدبلوماسي السنغالي، عبد الله باتيلي نهاية العام الماضي، إلا أنه بعد مرور أربعة أشهر على بدء مهامه، لم يعلن أي مبادرة جديدة لحل الخلافات الليبية، كذلك لم يتبنَّ خريطة الطريق التي أنتجها ملتقى الحوار السياسي وانتهت مدتها في يونيو/ حزيران من العام الماضي.