واشنطن تتجه لتعزيز قدراتها لمواجهة بكين وموسكو

واشنطن تتجه لتعزيز قدراتها لمواجهة بكين وموسكو

01 ديسمبر 2021
أعلنت وزارة الدفاع عن استثمارات لتحديث القاعدة البحرية الأميركية في جزيرة غوام (Getty)
+ الخط -

ليس سراً أن العنوان الأساسي لمختلف التحركات الأميركية، ولا سيما على الصعيد العسكري، يتمحور حول الصين بالدرجة الأولى ومواجهتها، من دون غض الطرف عن روسيا ولجم طموحاتها. وإن كان ذلك واضحاً في الفترة الأخيرة، وبرز من خلال التصريحات والتحركات على الأرض، إلا أن تقرير وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) عن الوضع العسكري الأميركي حول العالم، الذي أفصحت مسؤولة كبيرة في الوزارة عن بعض تفاصيله أول من أمس الاثنين، يؤكد أن واشنطن ماضية في تعزيز وضعها العسكري في مواجهة هاتين القوتين قبل أي طرف آخر. إذ يعتزم البنتاغون مراجعة الموارد العسكرية في مختلف أنحاء العالم، وإدخال تحسينات بشكل أساسي على القواعد في جزيرة غوام في المحيط الهادئ وأستراليا لمواجهة الصين، فضلاً عن إبقاء قوات أميركية بجوار روسيا.
وأعلنت مارا كارلين، التي تشغل منصب نائب وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية، في إفادة صحافية أول من أمس الاثنين، أن بلادها ستكثّف انتشارها العسكري في مواجهة الصين وروسيا، إضافة إلى مواصلة العمل على إبقاء ردع فعّال ضد إيران والجماعات المتشددة في الشرق الأوسط. وأشارت كارلين إلى أن وزارة الدفاع أعلنت بالفعل عن استثمارات لتحديث القاعدة البحرية الأميركية في جزيرة غوام في المحيط الهادئ، وتعزيز وجودها في أستراليا حيث يُنشر سنوياً حوالي 2500 عسكري من مشاة البحرية بالتناوب لإجراء تدريبات، وذلك لإعداد الجيش الأميركي بشكل أفضل لمواجهة الصين.

تدعو المراجعة لتركيز أكبر على المحيطين الهندي والهادئ

وأوضحت أنه "في أستراليا، ستتم عمليات نشر جديدة للمقاتلات والقاذفات، فضلاً عن زيادة التعاون اللوجستي والتدريبات هناك. وعلى نطاق أوسع عبر المحيطين الهندي والهادئ، ستكون هناك مجموعة من التحسينات في البنية التحتية في جزيرة غوام". وأضافت أن مراجعة وزارة الدفاع "توجه الإدارة الأميركية إلى التركيز بشكل أكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ عن طريق تخفيض عدد القوات والمعدات في مناطق أخرى من العالم، للتمكّن من الاستعداد القتالي الأفضل في تلك المنطقة".
وهذه الخطوات مدفوعة بمراجعة الوضع العسكري الأميركي حول العالم، والتي أمر الرئيس جو بايدن وزير الدفاع لويد أوستن بالقيام بها بعد فترة وجيزة من توليه منصبه في فبراير/شباط الماضي. وبدأ أوستن بهذه المراجعة في مارس/آذار الماضي، علماً أن التقرير الكلي حول هذه المراجعة سري إلى الآن، فيما أوضحت كارلين أن بايدن "وافق أخيراً" على نتائج مراجعة أوستن وتوصياتها.
ولفتت كارلين إلى أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ كانت محط تركيز رئيسي في التقرير، بسبب تركيز أوستن على "الصين باعتبارها التحدي الأبرز". وجعلت إدارة بايدن مواجهة الصين إحدى أولوياتها الرئيسية في سياستها الخارجية، خصوصاً مع تصاعد التوترات مع بكين، لا سيما بشأن جزيرة تايوان. وقد أعرب كبار مسؤولي البنتاغون في مناسبات مختلفة عن قلقهم بشأن جهود الصين لتطوير جيشها وتحديثه.
في السياق، قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، في تقرير لها أول من أمس، إن المراجعة لا تتضمن أي تعديل كبير على حجم القوات الأميركية. ونقلت عن مسؤولين في وزارة الدفاع قولهم إن التقييم يخطط لإدخال تحسينات على المطارات والبنية التحتية الأخرى في القواعد الأميركية في غوام وأستراليا. وستبدأ تحسينات البنية التحتية في العام المقبل في غوام، التي تستضيف وحدة كبيرة من القوات البحرية والجوية وآلاف من القوات الأميركية، وفي أستراليا، حيث ينتشر مشاة البحرية الأميركية. وقال مسؤولون لـ"وول ستريت جورنال" إن كلا المنطقتين أساسيتان في استراتيجية واشنطن لمواجهة الصين. وأضافوا أن إدخال تحسينات على المطارات في غوام وأستراليا سيوسع قدرة أميركا على نقل القوات من المنطقة وإليها، لنشرها في حال نشوب صراع.

ورفض المسؤولون تقديم تفاصيل إضافية حول التحسينات قائلين إنها سرية، بينما ذكرت "وول ستريت جورنال" أن "بعض التغييرات تشمل نشر طائرات وتعزيز القدرات اللوجستية في أستراليا، فضلاً عن نشر سرب من طائرات الهليكوبتر الهجومية ومقر فرقة مدفعية في كوريا الجنوبية".
وفي ما يتعلق بروسيا، رفضت كارلين، وفق تقرير لشبكة "سي أن أن" الأميركية أمس، تقديم معلومات محددة حول الكيفية التي توجه بها مراجعة وزارة الدفاع الجيش الأميركي للاستعداد لمواجهة تهديدات موسكو. وبصورة عامة، فإن أحد أهداف المراجعة هو "إعادة ترتيب معايير الجاهزية" في أوروبا الشرقية، بحيث يكون الجيش الأميركي "سريع الحركة ومتجاوباً مع الأزمات فور ظهورها"، على حد قول كارلين، التي أضافت "ندرس حالياً مبادرات مع حلفائنا وشركائنا لتعزيز قوتنا الرادعة الموثوقة ضد روسيا، وسترون تحققها خلال العامين أو الثلاثة أعوام المقبلة".
بدورها، قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" إن مسؤولي الدفاع أبلغوا بلجيكا وألمانيا بأن الولايات المتحدة ستحافظ على وجودها في سبعة مواقع في البلدين المضيفين. يذكر أن بايدن كان ألغى قرار خفض عدد العسكريين الأميركيين المنتشرين في ألمانيا إلى 2500 عنصر، وأكد مجدداً التزام بلاده بحلف شمال الأطلسي بعدما شكك فيه سلفه دونالد ترامب. وأوضحت كارلين أن تعديل الانتشار العسكري الأميركي في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، تجرى مناقشته "لكن هذه السنة الأولى للإدارة، وليس الوقت مناسباً لإدخال تغييرات استراتيجية رئيسية".

المراجعة لا تتضمن تعديلاً كبيراً على حجم القوات الأميركية

في الشرق الأوسط، وجهت المراجعة الإدارة الأميركية بـ"مواصلة العمل على إبقاء ردع فعّال ضد إيران، والاستمرار في دعم الحملة ضد تنظيم داعش" عبر الوجود العسكري الأميركي الحالي في العراق وسورية، وكذلك مواصلة العمل على بناء "قدرات القوات الشريكة" في تلك المنطقة، وفق "سي أن أن". ولكن بشكل عام، توجه مراجعة أوستن إلى "إجراء تحليل إضافي بشأن متطلبات وضع القوة في الشرق الأوسط"، على حد قول كارلين. وفي السياق ذاته، قال مسؤول في البنتاغون لـ"وول ستريت جورنال"، إنه ستتم مواصلة تحليل وضع القوة في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.
ويبدو الموقف العسكري الأميركي في الشرق الأوسط متقلباً، لا سيما بعد الانسحاب من أفغانستان وقرار سحب القوات الأميركية القتالية من العراق بحلول نهاية العام الحالي، وكذلك سحب بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ، التي نشرتها واشنطن في السعودية بعد استهداف حقول المملكة النفطية بصواريخ في هجمات نسبت إلى جماعات موالية لإيران، وتحديداً جماعة الحوثيين في اليمن. وبعد هذه الخطوة الأخيرة، قال العديد من المتخصصين في الدفاع وبعض المسؤولين العسكريين إن إزالة القدرات العسكرية في المنطقة أرسلت إشارة إلى الحلفاء في الخليج وغيرهم بأن الولايات المتحدة غير ملتزمة بالمنطقة. لكن أوستن أعلن أخيراً رغبته بطمأنة بلدان المنطقة، وقال في منتدى أمني في البحرين الشهر الماضي إنّ "التزام الولايات المتحدة بالأمن في الشرق الأوسط قوي وثابت".
وبشكل عام، أجرت الولايات المتحدة "ما يقرب من 75 استشارة" مع الحلفاء والشركاء عند إجراء المراجعة، من بينهم "الحلفاء في حلف شمال الأطلسي، وأستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأكثر من عشرة شركاء في الشرق الأوسط وأفريقيا" وفق ما قالت كارلين.

المساهمون