بايدن وإعادة هيكلة الصراع الروسي الأميركي

12 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

اعتقد الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبليو بوش، أن في وسعه إقامة علاقات بناءة مع الزعيم الروسي فلاديمير بوتين، ووجده، حين نظر في عينيه لأول مرة، "صريحاً جداً وجديراً بالثقة"، وتمكّن من "الشعور بروحه". لاحقا، تلاشت جهود الرئيس باراك أوباما في التقارب مع روسيا، بعد ضمّها شبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014. أما العلاقة التي جمعت بوتين بجو بايدن، نائبا للرئيس في إدارة أوباما، فكانت خالية من الودّ، فلم يكتف بايدن عند زيارته موسكو في العام 2011 باجتماعه بزعماء المعارضة الروسية، ودعوته بوتين إلى عدم ترشيح نفسه مجدّدا للرئاسة في انتخابات 2012، بل قال لبوتين بعد لقائه به (بحسب حديثه لمجلة نيويوركر الأميركية في العام نفسه): "أَنْظُرُ في عينيك، ولا أعتقد أن لديك روحا". 

كان متوقعا أن يتريّث الكرملين أكثر من اللازم قبل أن يهنئ بايدن، وكذا مسارعة زعيم المعارضة الروسية، أليكسي نافالني، إلى تهنئة بايدن بالفوز في انتخابات "حرّة ونزيهة"، وجدها "اميتازا" لا يتوفر في جميع البلدان. تأمل المعارضة الروسية أن يواجه بايدن نظام بوتين بحزم، ويساعدها على إعادة بناء الديمقراطية في روسيا. ولبايدن خبرة سياسية طويلة، شملت مفاوضات، ولقاءات بمسؤولين في الاتحاد السوفييتي السابق، قاد مفاوضاتٍ، ووقّع معاهدات، وأيّد، بعد انتهاء الحرب الباردة، محاولات دمج روسيا في النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، لكنه رأى أن فشل هذه الجهود كان نتيجة استيلاء عصابات "كي جي بي" على السلطة، وسعيها إلى الاستيلاء على الدولة الروسية، وإضعاف الدول الغربية داخلياً، وتقويض وحدة مؤسسات مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، وتخريب النظام العالمي الليبرالي. روسيا اليوم كما يراها بايدن "أكبر تهديد لأميركا".

تأمل المعارضة الروسية أن يواجه بايدن نظام بوتين بحزم، ويساعدها على إعادة بناء الديمقراطية في روسيا

بدأت الولايات المتحدة، ودول في أوروبا، منذ 2014، بفرض عقوبات على موسكو، لضمّها شبه جزيرة القرم، شملت حظر نقل التقنيات المتطوّرة لصناعة النفط والغاز الروسية، وتقييد ائتمانات البنوك وشركات الطاقة الروسية. كما فرضت الولايات المتحدة عقوباتٍ على بناء أهم مشروع للطاقة في روسيا، وهو خط أنابيب الغاز الطبيعي نورد ستريم 2، بكلفة 11 مليار دولار، لنقل الغاز الروسي تحت البحر إلى أوروبا. وردّا على تدخّل موسكو في الانتخابات الأميركية في العام 2016، فرض الكونغرس الأميركي عقوبات على عشرات الكيانات والأفراد الروس. ولكن على الرغم من توقيعه على قانون معاقبة أعداء أميركا من خلال العقوبات، اتبع ترامب نهجا أكثر تساهلا، فأشاد بأسلوب بوتين في القيادة، واقترح إعادة روسيا إلى مجموعة الدول الصناعية السبع (أو مجموعة الثمانية قبل تجميد عضوية روسيا فيها). ونقلت صحيفة نيويورك تايمز، في يونيو/ حزيران، عن مسؤولين في الاستخبارات الأميركية، أن المخابرات العسكرية الروسية قدّمت مكافآت للمقاتلين المرتبطين بحركة طالبان لشن هجمات على الجنود الأميركيين في أفغانستان، وأن الرئيس ترامب علم بذلك. فعليا، قوّض ترامب، الذي وصفه بايدن بـ"جرو بوتين"، سياسة العقوبات على روسيا، ولم تشهد الفترة منذ 2018 أي عقوبات إضافية. وفي الوقت الذي فرض فيه حلفاء الولايات المتحدة الغربيين عقوبات جديدة بحق روسيا على خلفية تحميلها المسؤولية عن محاولة اغتيال نافالني، في أغسطس/ آب الماضي، تجنّب ترامب أي إدانة لبوتين، الأمر الذي وجد فيه بايدن تواطؤا صريحا مع بوتين في وقت كانت فيه محاولة الاغتيال تلك "علامة نظام روسي يعاني من جنون العظمة إلى درجة أنه لا يتسامح مع أي انتقاد أو معارضة".

تعهد بايدن بأن تدفع روسيا الكلفة الحقيقية لتجاوزاتها في الداخل والخارج

تعهد بايدن بأن تدفع روسيا الكلفة الحقيقية لتجاوزاتها في الداخل والخارج، وعلى خلاف ازدواجية الرسائل في إدارة ترامب، يبدو أنه سيتوفر في ظل إدارة بايدن تناغم بين البيت الأبيض والكونغرس، يفضي إلى سياسة عقوبات صارمة، تجد معها موسكو أقلّ عددٍ ممكنٍ من الأصدقاء بين الجمهوريين وبين الديمقراطيين، لكن سياسة العقوبات وحدها قد لا تضمن إحداث تغييرٍ دائمٍ وطويل الأمد في السلوك الروسي، ولا تغيير داخلي باتجاه استعادة الحريات، فمحاصرة روسيا ستجعلها أكثر خطورة، فما يساعد بوتين على البقاء في السلطة هو القومية ومعاداة أميركا. وعلى الرغم مما تحققه هذه العقوبات من ضرر بالاقتصاد الروسي، فإن الإعلام الروسي يستخدمها لتشويه صورة الغرب وإحياء الروح القومية، وقد تضرّ تلك العقوبات بالمواطنين العاديين، وتؤثّر سلبًا على مصالح شركات أميركية وأوروبية. قد يميل بايدن أكثر إلى توسيع قائمة العقوبات على الأفراد، لتشمل شخصياتٍ محدّدة من كبار المسؤولين الروس، فلعلّه يدرك أن مزيدا من العقوبات الأميركية سيشجع روسيا والصين على مزيد من تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي، وابتكار عملياتٍ مصرفيةٍ ماليةٍ مشتركة، مثل إنشاء مركز للدفع والتسوية خاصّ بهما، يمكّنهما من تجاوز نظام "سويفت" الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

متوقع أن يحرص بايدن على أن تتجنب الحكومات المتحالفة معه إرسال إشارات مزدوجة بالسعي إلى توسيع العلاقات الاقتصادية مع روسيا

من المتوقع أن يحرص بايدن على أن تتجنب الحكومات المتحالفة معه إرسال إشارات مزدوجة من خلال السعي إلى توسيع العلاقات الاقتصادية مع روسيا، والتي من شأنها أن تقوّض الأثر الاقتصادي والعقوبات السياسية. وربما يبدي صرامة ترامب نفسها حيال خط نورد ستريم 2، لكن السياسة الأميركية تجاه روسيا لا تحتاج أن تكون أكثر صرامة بقدر ما تحتاج أن تكون أكثر تماسكا، لذا سيحرص بايدن على اعتماد نهج أكثر اتساقا من نهج ترامب تجاه موسكو، يكون جزءا من استراتيجيته لاستعادة النفوذ العالمي للولايات المتحدة قوةً عالميةً تعزّز الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعبر تقوية العلاقات عبر الأطلسي من خلال "الناتو"، فقد أبدى بايدن دائما رغبته في توسيع "الناتو"، ربما باتجاه دول مثل جورجيا وأكرانيا، بعد أن يعيد إليه تماسكه الذي افتقر إليه بعد انقساماته الداخلية، خصوصا أن مواقف الدول الأوروبية تجاه روسيا باتت أكثر حزما، ما يقرّبها من موقف إدارة بايدن، حتى ألمانيا المستفيد الأكبر من "نورد ستريم 2" أصبحت اليوم أكبر منتقدي سياسات الكرملين داخل الاتحاد الأوروبي، وتقود حملات العقوبات ضده. مع ذلك، لا تعارض سياسة الضغوط القصوى للتعاون مع موسكو في مجالات: تغيّر المناخ، والملف النووي الإيراني، ومواجهة كوفيد -19، ومكافحة الإرهاب، أو تمديد العمل باتفاقية "ستارت" للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية، التي ينتهي العمل بها في فبراير/ شباط المقبل.

مع بايدن، يُتَوَقَّع أن تكون أميركا أكثر وضوحاً وأكثر انخراطاً دبلوماسياً، ما يُضيّق مساحة المناورة التي تمتعت بها روسيا خلال عهد ترامب، سواء في أفريقيا أو الشرق الأوسط أو أميركا اللاتينية. وبتوسيع خط المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا لتشمل الديمقراطية وحقوق الإنسان، يمكن لبايدن أن يواجه روسيا مدعوما بحلف الناتو بشكل أكثر جرأة في دول الاتحاد السوفييتي السابق. من ذلك، اتخاذ موقف صارم تجاه نظام لوكاشينكو في بيلاروسيا المدعوم من موسكو، وقد انتقد الحلف صمت ترامب عن العنف الذي يرتكبه هذا النظام ضد النشطاء المؤيدين للديمقراطية. تعهد بايدن بالوقوف إلى جانب المجتمع المدني الروسي ضد نظام بوتين "الاستبدادي" و"الكليبتوقراطي" (نظام حكم اللصوص). فهل يعيد بايدن هيكلة الصراع، محولا إياه من صراع بين الولايات المتحدة وروسيا إلى صراعٍ بين الأوليغارشية التي يتزعمها بوتين من ناحية والشعب الروسي من ناحية أخرى؟