معركة الاستقطاب بين روسيا والغرب تفجر الاحتجاجات في جورجيا

معركة الاستقطاب بين روسيا والغرب تفجر الاحتجاجات في جورجيا

11 مارس 2023
غالبية سكان جورجيا يؤيدون الانضمام للاتحاد الأوروبي (العربي الجديد)
+ الخط -

رغم تراجع الحكومة الجورجية عن المضي في إجراءات فرض قانون "العملاء الأجانب"، الذي كان السبب في خروج تظاهرات معارضة له، لا تزال الاحتجاجات الليلية التي تشهدها العاصمة تبيليسي مستمرة منذ السابع من الشهر الجاري، في ما توصف بأنها معركة استقطاب بين روسيا والغرب.

ويطالب المحتجون، الذين تشكل الحركة الطلابية غالبيتهم العظمى، باستقالة بعض أعضاء البرلمان الذين صوتوا لصالح مشروع هذا القانون من المناصب التي يشغلونها في الجامعات، إضافة إلى مطالبهم المتعلقة بالإفراج عن كافة المعتقلين على خلفية الاحتجاجات، والتراجع عن قوانين أخرى تعتزم الحكومة سنها، وفي مقدمتها قانون التجنيد الإجباري.

ويعتبر المحتجون مشروع القانون، الذي طرحه حزب "الحلم الجورجي" الحاكم ويصفونه بـ"القانون الروسي"، نسخة عن قانون فرضته موسكو في العام 2012 بهدف قمع المعارضة، ويصنف أية مؤسسة تحصل على تمويل خارجي بما يزيد عن 20% من وارداتها المالية تحت بند "العملاء الأجانب". ويرى المحتجون في ذلك محاولة لفرض الرقابة على المنظمات غير الحكومية، وتقويض الحريات الصحافية. كما وصفت رئيسة البلاد، سالومي زورابشفيلي، مشروع القانون بأنه "لا يمكن أن يكون قد جاء إلا بإملاءات من روسيا". وقالت في رسالة مسجلة، وجهتها للمتظاهرين أثناء وجودها في نيويورك بالولايات المتحدة: "أقف إلى جانبكم لأنكم تمثلون اليوم جورجيا الحرة. جورجيا ترى مستقبلها في أوروبا، ولن تدع أي أحد يسلب هذا المستقبل منها".

معركة الاستقطاب المستمرة بين موسكو والغرب في دول الاتحاد السوفييتي السابق، والتي كانت أفدح نتائجها الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ أزيد من سنة، بدأت تلقي بظلالها على منطقة القوقاز، لا سيما جورجيا، التي تحتل روسيا 20% من أراضيها منذ العام 2008. ووجه كثير من المتظاهرين أصابع الاتهام إلى مؤسس حزب "الحلم الجورجي"، بيدزينا إيفانيشفيلي، الملياردير المثير للجدل، الذي كون ثروته في روسيا وتربطه علاقات ودية مع الكرملين، بمحاولة "فرض أجندة روسية في بلاد يدعم شعبها المقاومة الأوكرانية دعما غير مشروط".

الصورة
تظاهرات جورجيا 2023-العربي الجديد

مصادفة أم أجندة روسية؟

إحدى المتظاهرات، صوفو سخيرتلادزي (24 عاما)، قالت في حديثها لـ"العربي الجديد" إن "الحكومة لا تسمع للناس، وقد خرجت للتعبير عن رأيي وإيصال أفكاري لمن هم حولي، وآمل أن يصل صوتي، هذا القانون مشابه لما فُرض في روسيا، ليس مقبولا أن يُتهم من يتلقى تمويلا من الجهات المانحة بأنه عميل. الحكومة تريد إرضاء الروس، لكننا نرفض ذلك".

وأضافت: "لقد تحقق لنا ما نريد وسُحب مشروع هذا القانون، لكننا مستمرون في التظاهر ضد قوانين أخرى، كقانون التجنيد الإجباري الذي يريدون فرضه حتى على الطلبة خلال العطل الفصلية، كما نطالب بإجراء إصلاحات في ما يتعلق بمنظومة المواصلات، وكذلك القوانين المتعلقة بالفن، والتعليم، فنظامنا التعليمي ليس كما ينبغي، ناهيك عن أن الرسوم الجامعية مرتفعة، ومساكن الطلبة ليست في وضع لائق".

أما الناشط في منظمة "الحركة الشبابية من أجل مستقبلنا" (غير حكومية)، نيكولوز سولافا (20 عاما)، فأكد من جهته إصراره على مواصلة التظاهر. وقال في تصريح لـ"العربي الجديد": "كل ما تقوله أو تفعله حكومة الحزب الحاكم هو تطبيق إملاءات موسكو، فلطالما كانت روسيا، تاريخيا، تحاول فرض نفوذها وقوانينها مستغلة الفساد لتحقيق ذلك". وتابع: "روسيا تريد فرض هيمنتها على جورجيا، لكننا نرفض ذلك، ونريد استعادة أراضينا المحتلة في أوسيتيا وأبخازيا".

الصورة
تظاهرات جورجيا 2023-العربي الجديد

كما نوه سولافا بأن الدعوات المبكرة للتظاهرات كانت تنادي بالسلمية والتعبير عن الرأي من دون اللجوء إلى العنف، متهما من وصفهم بالمخربين وبعض المؤيدين للحركة القومية الجورجية بأنهم من كان وراء محاولة اقتحام مبنى البرلمان وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة على رجال الشرطة، الذين لجأوا إلى تفريق المتظاهرين باستخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع.

وأوضح أن منظمته تسعى للحصول على تمويل من أجل المضي في مهامها، والتي تتضمن تقديم المساندة القانونية للجورجيين المعتقلين في المناطق التي تحتلها روسيا، وتأمين التعليم لأهالي تلك المناطق، وكذلك السكان في المناطق الحدودية مع روسيا، إضافة إلى تقديم المساعدات العلاجية للجورجيين القاطنين خارج البلاد. وأضاف: "نحن جورجيون نريد مساعدة شعبنا، لأن حكومتنا لا تقوم بذلك، بل على العكس، ها هي تحاربنا وتريد اتهامنا بأننا عملاء".

تقارير دولية
التحديثات الحية

يذكر أن الغالبية العظمى من الشعب الجورجي تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتعتبر روسيا التهديد الأكبر لسيادتها ووحدة أراضيها، وفي هذا الصدد، قال سولافا: "لا شك في أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أفضل من التبعية للهيمنة الروسية، لكن الحل الأمثل هو تشكيل اتحاد قوقازي يحقق آمال شعوب هذه المنطقة المرتبطة تاريخيا وثقافيا ومصيريا".

وكان المعهد الجورجي للسياسة قد نشر بيانا وقعته 286 منظمة حقوقية ومدنية، جاء فيه: "نحن، شعب جورجيا، نعارض بشدة مشروع القانون الذي طرحه أعضاء الأغلبية البرلمانية.. ونعلن أن محاولات تبني هذا القانون الروسي لا تهاجم منظمات المجتمع المدني المستقلة ووسائل الإعلام الناقدة فحسب، بل تهاجم شعب جورجيا نفسه". كما شدد البيان على أن مشروع هذا القانون "يهدف إلى ترك الأطفال والنساء المعتدى عليهم بلا حماية، وكذلك ذوي الإعاقة، والأقليات"، إضافة إلى "عدم تقديم المساعدة للأسر الضعيفة، والمزارعين، وعمال المناجم، والمشردين، والمحتجزين، وغيرهم من الأشخاص الذين يقاتلون من أجل حقوقهم".

الصورة
تظاهرات جورجيا 2023-العربي الجديد

مخاوف من البديل الأسوأ

على أي حال، سحب مشروع هذا القانون لم يفض إلى وقف الاحتجاجات المرشحة للاستمرار. ليس هذا فحسب، بل من المحتمل أن تستغل المعارضة، الموالية للغرب، اتهام المحتجين حكومة الحزب الحاكم بالتبعية لموسكو من أجل فرض مشروع تبعي آخر، تشير بوصلته إلى واشنطن، ويعبر عنه الرئيس الأسبق، المسجون حاليا، ميخائيل ساكاشفيلي، المتورط بقضايا فساد، وتعذيب، حيث كان يتهم كل من يعارضه بأنه "عميل روسي" لفرض سطوته شبه المطلقة آنذاك.

وفي الليلة التي اندلعت فيها التظاهرات في العاصمة تبيليسي، صرح رئيس الحكومة، إيراكلي غاريباشفيلي، قائلا إن "الزمن الذي كان فيه السياسيون، والسلطات الجورجية، يخدمون مصالح الدول الأجنبية قد انتهى في بلدنا. إننا نخدم مصالح جورجيا.. وعلى الجميع أن يتذكر ذلك جيدا، وألا يحاول التدخل في الشؤون الداخلية لبلدنا".

الصورة
تظاهرات جورجيا 2023-العربي الجديد

جاء ذلك في رده على قرار البرلمان الأوروبي الصادر في فبراير/ شباط الماضي، والذي وصفه "بالمخزي"، لأنه يحمل بيدزينا إيفانيشفيلي المسؤولية عن الظروف الصحية المثيرة للجدل للرئيس السابق ساكاشفيلي، الذي يقضي عقوبة السجن جراء ما اقترفه خلال حكمه البلاد، والذي يعد الحليف الأول للغرب. كما أشار غاريباشفيلي إلى "تجاهل بعض أعضاء البرلمان الأوروبي رأي الشعب الجورجي، ولقضايا تعذيب الناس، وقتلهم، والإرهاب، والقمع الكامل لحرية الإعلام خلال فترة حكم الحركة القومية". وأضاف أن قرار البرلمان الأوروبي يبين "أن ساكاشفيلي هو عميلهم".

في النهاية، تراشق الاتهامات بالعمالة لروسيا أو الغرب هو تعبير عن استمرار معركة الاستقطاب بين القوى المهيمنة، والتي تتجاوز حدود أوكرانيا إلى كافة دول الاتحاد السوفييتي السابق. الحزب الحاكم في جورجيا اليوم بات متهما بمحاولة فرض أجندة روسية، لكن سلفه "الحركة القومية"، الذي كان يدور في فلك واشنطن، كان أبعد منه بكثير عن ضمان الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان.