مشاهد ورسائل الحراك إلى السلطة.. لماذا عاد الجزائريون إلى الشارع؟

الجزائر
عثمان لحياني
22 فبراير 2021
+ الخط -

حملت مظاهرات الحراك الشعبي، اليوم الاثنين، في الجزائر جملة من الرسائل السياسية والشعبية إلى أكثر من جهة: السلطة بواجهتيها السياسية والعسكرية على وجه التحديد، والقوى السياسية المعارضة التي شاركت في المسار الانتخابي، أو تلك التي بدأت في الاقتراب من السلطة مؤخرا، ورسالة أخرى إلى وسائل الإعلام والصحافة، ضمن سلسلة مشاهد متعددة تضمنتها مظاهرات اليوم. 

ومع عودة المظاهرات عاد "المخيال الشعبي" إلى إبداع الرسائل والتعابير السياسية التي عُرفت بها مظاهرات الحراك منذ انطلاقه في 22 فبراير/شباط 2019. قبالة الجامعة المركزية في شارع البريد المركزي، حمل أحد المتظاهرين لوحة كاريكاتورية بالغة الدلالة سياسيا، تظهر شخصا (النظام) يركب على شخص آخر (الأحزاب) وهو يوزع خبزة (المحاصصة) وكتب تحتها "وين رايح  يا بوصبع"، ويقصد ببوصبع (دلالة على حبر الانتخابات) المشاركين في مسار السلطة. وحمل أحد المتظاهرين علما جزائريا قديما يعود إلى عام 1958، في فترة ثورة التحرير، دلالة على الحاجة إلى استكمال معركة تحرير البلاد، وحمل أحد المتظاهرين لوحة كتب عليها "ساحة 22 فبراير 2019، ثورة الابتسامة"، في إشارة إلى استعادة الشعب للشارع والفضاء العام، وكتب على لافتة اسم وتاريخ اليوم وكلمة "الثبات" كدليل على تمسك الحراك وثبات مطالبه المركزية.     

الناشط حسين بن زينة اشتهر في أولى مظاهرات الحراك عام 2019 برفعه للافتة تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي كثيرا، بسبب مدلولها الشعبي العميق والذي يختصر معاناة الجزائريين؛ تقول اللافتة: "معذرة زوجتي، لم أوفر لك السكن، سيرحل النظام ونحصل على شقة". بعد عامين عاد حسين إلى الشارع محتفظا بلافتته تلك، لا النظام رحل، ولا حصل هو على شقته. يقول حسين لـ"العربي الجديد": "احتفظت باللافتة نفسها لمدة عامين، ليس لأنها تعبر عن موقف وأمل فحسب، ولكن أيضا لأنني كنت مقتنعا أن ثمة عودة إلى الشارع لا محالة، وأن السلطة لن تتغير ولن تتيح للجزائريين فرصة الحصول على حقوقهم الديمقراطية"، مضيفا: "الدليل أنني اعتقلت صباح اليوم لمنعي من التظاهر مع آخرين ثم أفرج عنا، إذن كجزائري ما زلت ممنوعا من حق التظاهر وحق التعبير، لم يتغير شيى إذن، لهذا عدنا إلى الشارع". 

قرب ساحة البريد المركزي، كان وصول كبير المناضلين بن يوسف ملوك، على الرغم من تقدمه في العمر، دافعًا لزيادة حماسة المتظاهرين. حمل المتظاهرون ملوك، مفجر قضية "القضاة المزيفين"، والتي يناضل من أجلها منذ أكثر من عقدين، على الأكتاف وهو يهتف ضد السلطة. يعتبر ملوك أن الجزائر لن تتخلص من أزمتها قبل التخلص من هذا النظام، ويقول بعفوية مطلقة، لـ"العربي الجديد": "صحيح أنني كبرت ولم يبق لي من العمر كثير، لكنني مصر على النضال، والحراك الشعبي فرصة للشعب لتحقيق مطلب الديمقراطية، الحراك عاد اليوم بهذه القوة لأن الشعب تأكد مرة أخرى أن النظام مخادع وكاذب ومحتال" . 

حمل أحد المتظاهرين علما جزائريا قديما يعود إلى عام 1958، في فترة ثورة التحرير، دلالة على الحاجة إلى استكمال معركة تحرير البلاد

كان ثمة شعارٌ آخر تردد اليوم وبدا لافتًا للانتباه؛ هو عبارة عن رسالة موجه إلى الاعلام والسلطة الرابعة، ويلخص كيف استبق نشطاء الحراك الشعبي الإعلام الموالي للسلطة بخطوة أيضا. هم يتخوفون من أن تعود وسائل الإعلام الموالية والواقعة تحت ضغط السلطة إلى أسلوب تعاملها مع مظاهرات 22 فبراير 2019 نفسه، عندما صورت تلك المظاهرات على أنها مطالبة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بإحداث تغيير وإصلاحات سياسية. أما هذه المرة، فـ"الحيلة" تسويق مظاهرات الاثنين على أنها احتفائية بالذكرى الثاينة للحراك. يقول الناشط عز الدين زحوف، الذي جاء إلى العاصمة من ولاية البليدة، لـ"العربي الجديد": "ليكن واضحا أننا لم نخرج اليوم لنحتفل بالذكرى الثانية للحراك، وإنما خرجنا لاستكمال مسار التغيير وبناء دولة الحق والقانون، ولذلك نسمع هذا الشعار (ماجيناش نحتفلو جينا باش (لكي) ترحلو"، يعني الشعب يؤكد أنهم خرج اليوم لتاكيد المطالب وليس لاحتفال". 

في مظاهرات اليوم صورة أخرى قد تدلل على انكسار الخوف من السلطة تماما؛ فعلى الرغم من عملها في مؤسسة إعلامية حكومية، لا تتردد أبو بكر نبيلة في النزول إلى الشارع ورفع لافتات مناوئة للسلطة والتعبير عن موقفها الملتزم بمطالب الحراك الشعبي منذ عامين. تقول نبيلة في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنه لم يعد للخوف أي مبرر ، "العودة هي تاكيد على مطالب الحراك الثابتة وهو التغيير الحقيقي، اليوم شعرت أن بعد سنتين أن قناعة ما زالت ثابتة، وأن لا شيئ تغير، وأن إيمانه وحلمه بجزائر القطيعة مع الماضي لا رجعة فيه، وأن ممارسات السلطة هي دليل على أن مشروع الاستمرارية قائم ويتمدد، وهي لا تنطلي على الشعب، وأن سياسة الهروب إلى الأمام لن تنفع خاصة في ظل الظروف الراهنة". 

بالنسبة للأستاذة الجامعية حكيمة صبايحي، وهي إحدى الوجوه الشعبية البارزة في الحراك، فإن الشعب وجّه اليوم رسالة واضحة إلى السلطة وأصحاب القرار: "أنت تسأل لماذا عاد الحراك بهذا الزخم وأنا أسألك، لماذا لا يعود الحراك بكل هذا الزخم"؟ تردّ على سؤال "العربي الجديد"، ثم تمضي إلى القول: "الشعب خرج لاستكمال ثورته السلمية حتى تحقيق السيادة الشعبية، وبدء عهد جديد يصاغ بإرادة الشعب، لا بإرادة السلطة وبدائلها، الشعب استنفذ كل طاقته على الصبر، الثورة السلمية هي الوجه الأبرز لإنقاذ الوطن... جائحة كورونا كانت فرصة للنظام للتغول لأنه لم يكن لديه ما يعرضه سياسيا، والشعب الجزائري تأكد من إفلاس هذه السلطة والقرارات الأخيرة غير المدروسة دليل على ذلك". 

ذات صلة

الصورة

منوعات وميديا

أرجأت المحكمة العليا في الجزائر النظر في الطعن بالنقض الذي تقدم به الصحافي خالد درارني، المفرج عنه أخيراً، ضد الحكم بسجنه عامين، وفق ما ذكر موقع "قصبة تريبون" نقلاً عن محامي الدفاع.
الصورة
الحراك الطلابي

سياسة

عاد الحراك الطلابي مجدداً إلى الشارع، بعد يوم واحد من استئناف مظاهرات الحراك الشعبي بمناسبة الذكرى الثانية لمظاهرات 22 فبراير/ شباط 2019، في انتظار عودة المسيرات الأسبوعية الجمعة المقبل، على الرغم من خطوات تهدئة أعلنها الرئيس عبد المجيد تبون.
الصورة
من الأسبوع 53 من الحراك في الجزائر العاصمة، شباط/ فبراير2020 (Getty)

ثقافة

بعد مرور سنتَين على انطلاقه، لا تزال الكتب التي تتناول الحراك الشعبي تصدُر حتى بلغت قرابة سبعين كتاباً تتراوح بين التحاليل والانطباعات واليوميّات. لكن هل يكفي ما صدر إلى الآن لتأريخ ما حدث ويحدث في الجزائر منذ 22 شباط/ فبراير 2019؟
الصورة
مظاهرات الجزائر

سياسة

خرجت تظاهرات حاشدة في العاصمة وعدد كبير من المدن الجزائرية، للمطالبة بالتغيير السياسي والانتقال الديمقراطي، في الذكرى الثانية لمسيرات الحراك الشعبي، وسط انتشار أمني كبير في شوارع العاصمة التي حاولت السلطات إغلاق مداخلها منذ أمس.

المساهمون