تظاهرات حاشدة في الجزائر للمطالبة بالديمقراطية: هل عاد الحراك إلى نقطة البداية؟

الجزائر
عثمان لحياني
22 فبراير 2021
+ الخط -

خرجت تظاهرات حاشدة في العاصمة وعدد كبير من المدن الجزائرية، للمطالبة بالتغيير السياسي والانتقال الديمقراطي، في الذكرى الثانية لمسيرات الحراك الشعبي، وسط انتشار أمني كبير في شوارع العاصمة التي حاولت السلطات إغلاق مداخلها منذ أمس.

واستعاد الحراك الشعبي اليوم نفسه الثوري في الشارع الجزائري، بعد عشرة أشهر من تعليق المظاهرات في مارس/آذار 2020 بسبب الأزمة الوبائية، وتجددت المظاهرات الضخمة وسط العاصمة الجزائرية، حيث تجمّع المتظاهرون في ساحة أول مايو وساحة أودان وشارع ديدوش مراد، قبل التوجّه إلى نقطة الالتقاء في ساحة البريد المركزي، قبل أن تصل مسيرة حاشدة أخرى قدمت من حي باب أواد الشعبي، وهتف المتظاهرون بشعارات تطالب بتغيير سياسي حقيقي في البلاد، ورفض الإقرار بشرعية السلطة السياسية الحالية والرئيس عبد المجيد تبون.

كذلك هتف المتظاهرون: "هذا الحراك واجب وطني"، و"رانا ولينا، باسيتو بينا" (ها قد عدنا، ستعانون معنا)، كما تردد طويلاً هتاف شعبي "ماتخوفوناش بالعشرية، نحن تربينا في الميزرية (البؤس)"، ويقصد به رفض تخويف السلطة الجزائريين بالأزمة الأمنية التي شهدتها البلاد في التسعينيات، على خلفية بث التلفزيون العمومي قبل أيام فيديو لإرهابي يزعم أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي خطط لاختراق الحراك الشعبي، واستخدامه لإحداث عنف وثورة مسلحة في البلاد.

ونزلت إلى الشارع اليوم عائلات بأكملها للمشاركة في المظاهرات، وتقدمت النساء بعض التجمعات رافعات شعارات سياسية تطالب بإطلاق الحريات، خاصة بعد تراجع قوات الشرطة والتزامها أطراف الشوارع وعدم فض المظاهرات، التي تحولت إلى حالة احتفاء شعبي ومشهد للاحتجاج والمطلبية السياسية في وقت واحد، كما شاركت رموز سياسية ومدنية معروفة في مظاهرات اليوم، بينهم الناشطون عبد الوكيل بلام ومصطفى بوشاشي وعبد الغني بادي وسمير بلعربي وكريم طابو، ونواب في البرلمان المنحل يتبعون أحزاباً معارضة، وقال الناشط عبد الغني بادي لـ"العربي الجديد" إن "مظاهرات اليوم تؤكد أن سنتين من المناورة السياسية للسلطة أخفقت في استيعاب الحراك، وأن كل أساليب التخويف والقمع التي مارستها السلطة لم تجدِ نفعاً، وتؤكد أن ما عرضته السلطة من إصلاحات سياسية مرفوض شعبياً لأنه أقل بكثير من مطالب الحراك".

وعادت في مظاهرات اليوم الشعارات المناوئة للجنرالات، والتي خلقت منذ يونيو/حزيران 2019 صداماً مفتوحاً بين الحراك الشعبي وقائد الجيش الراحل أحمد قايد صالح، حيث ردد المتظاهرون اليوم مجدداً شعار "الجنرالات إلى المزبلة، الجزائر تستقل".

وقال الناشط في الحراك الشعبي بلال كوردي، لـ"العربي الجديد"، "إن الشعارات المناوئة للجنرالات لا يقصد بها بتاتاً الجيش كمؤسسة حيوية وشعبية منخرط فيها أبناء الشعب، ولكنها تخص جنرالات الجيش الذين يسيطرون على القرار السياسي ويعطلون منذ عقود كل إمكانية لحدوث تغيير سياسي وانتقال ديمقراطي في البلاد". وأضاف: "البعض يظن أنه مجرد شعار سياسي نمطي متواتر ضمن حاصل التراكمية النضالية على مدار العامين السابقين، وهو موجه ضد من يعيق التغيير داخل المؤسسة العتيدة فقط، وفي ظل السقف البسيط الذي خذل حجم الآمال المعقودة، كما أن التغيير الوزاري الأخير وتأخره يدعمان الشكوك حول مقاومة شديدة لأي تغيير مأمول من قبل جناح في المؤسسة العسكرية".

وقبل بدء المظاهرات الصاخبة، اعتقلت قوات الشرطة عدداً من الناشطين وسط العاصمة الجزائرية، بينهم عبد الوكيل بلام، أحد أبرز الناشطين الداعين إلى استئناف مظاهرات الحراك الشعبي، واقتادتهم إلى مراكز أمنية، وحاولت تفريق المتظاهرين في البداية، لكنها لم تستطع تفريق الحشود الكبيرة في ساحة أول مايو ووسط العاصمة الجزائرية، ما دفعها إلى التراجع لإفساح الطريق للمسيرات والمظاهرات الحاشدة، وقال عضو ائتلاف "نداء 22 فبراير/شباط" نور الدين هدير، لـ"العربي الجديد"، إن "عودة الحراك تفسرها عدة عوامل، لعل آخرها اختيار الرئيس تبون التوقيت الخطأ للإقدام على تعديل حكومي أعاد من خلاله رموزاً من عهد الرئيس السابق، وهذا لا يمكن وصفه بغير أنه استفزاز، ثم التحضير لإعلان رجل في الـ90 عاماً، قوجيل صالح، رئيساً لمجلس الأمة، بينما تتحدث السلطة عن الاعتماد على الشباب، وقد حفّز هذا الناس اليوم على الخروج إلى الشارع، لأنهم تأكدوا أن نوايا الإصلاح السياسي والتغيير مجرد وهم ومناورة، وأن هذا النظام لا يتوب عن المخادعة، ولأن المطالب المركزية للحراك لم تتحقق، وأبسطها مسالة استمرار التضييق على الحريات والاعتقالات، والإفراج عن رموز المرحلة السابقة كقائد المخابرات السابق محمد مدين".

شدد الرئيس تبون عدم رغبته بوقوع أية انزلاقات أو حوادث عنف بالقدر الممكن في مظاهرات اليوم تجنباً لإفساد خطوات التهدئة

انتشار أمني... مشهد حرب

ونشرت السلطات أعداداً قياسية من قوات الشرطة ومكافحة الشغب ورجال الاستعلامات في كامل شوارع العاصمة والساحات تحسباً لتجمع المتظاهرين، كما نشرت قوات أمنية قرب المساجد الكبرى تحسباً لخروج المتظاهرين من المساجد بعد صلاة الظهر، ووصف الإعلامي مروان الوناس هذه الحشود بأنها "تشبه الاستعداد لحالة حرب"، كما أغلقت منذ يوم أمس المداخل الرئيسة للعاصمة، خاصة المدخل الشرقي الذي يربط العاصمة بمنطقة القبائل وولايات شرقي البلاد، وشهدت المداخل ازدحاماً مرورياً خانقاً صباح اليوم، حيث وصلت طوابير السيارات إلى عدة كيلومترات بسبب الحواجز الأمنية المنتشرة وسط الطرق السريعة.

وشهدت مدن منطقة القبائل، تيزي وزو وبجاية وخراطة والقصر والبويرة وغيرها، مظاهرات صاخبة، رفع فيها العلم الجزائري والراية الأمازيغية، وردد المتظاهرون شعارات "السلطة منحرفة"، وهتافات تطالب بالحريات وتندد بممارسات الأجهزة الأمنية، خاصة جهاز المخابرات، على خلفية قضية التعذيب الأخيرة لمعتقلي الحراك.

وفي مدينة عنابة شرقي البلاد، تجمع المئات من المتظاهرين في ساحة الثورة وسط المدينة، لإحياء الذكرى الثانية للحراك الشعبي وإعلان استئناف المظاهرات، رافعين شعارات تطالب بالدولة المدنية، كما خرجت مظاهرة صاخبة في مدينة قسنطينة شهدت مشاركة الآلاف من الناشطين والمواطنين الذين هتفوا بشعارات مناوئة للسلطة، وطالبوا بالتغيير السياسي الحقيقي. كما شهدت مدن تلمسان ووهران وتيارت، غربي الجزائر، تجمعات للناشطين في ذكرى الحراك الشعبي، وخرج ناشطون في مدن الجنوب، كورقلة وأدرار وتيميمون ووادي سوف وتقرت، للمطالبة بالتغيير ورفض السلطة الحالية.

وعدا بعض الاعتقالات المحدودة لناشطين تم الإفراج عنهم سريعاً والانتشار الأمني الكبير؛ فإن قوات الشرطة لم تلجأ إلى استخدام القوة لتفريق المتظاهرين، وبقيت في وضع مراقبة المظاهرات ومسايرتها تطبيقاً لقرار السلطة السياسية وتعليمات كان أسداها أمس الرئيس عبد المجيد تبون إلى مسؤولي الأجهزة الأمنية وقادتها، في اجتماع المجلس الأعلى للأمن الذي عقد أمس، والذي شدد من خلاله الرئيس تبون على عدم رغبته في وقوع أية انزلاقات أو حوادث عنف بالقدر الممكن في مظاهرات اليوم، تجنباً لإفساد خطوات التهدئة التي قام بها قبل الخميس الماضي عند إطلاق المعتقلين من السجون، وتلافياً لزيادة ضغوط محلية أو دولية مرتبطة بملف الحريات وممارسات الأجهزة الأمنية، إضافة إلى كون أن الجزائر ستكون اليوم، 22 فبراير/شباط، محط اهتمام ورصد وتسليط ضوء من قبل وسائل الإعلام الدولية.

ويبقى التخوّف الأكبر للسلطة متعلقاً بما إذا كانت المظاهرات التي جرت اليوم الاثنين هي إعلان لاستئناف رسمي لمظاهرات الحراك الشعبي، ومدى إمكانية تجددها كل يوم جمعة، وما إذا كانت ستفتح الطريق أيضاً لعودة الحراك الطلابي كل ثلاثاء، وهو ما يزيد من متاعب السلطة السياسية ويعقّد بضغط أكبر مأمورية الرئيس عبد المجيد تبون، ويفرض عليه تقديم مزيد من التنازلات، وتغيير خطته لتستوعب أكبر قدر ممكن من قوى المعارضة المتمسكة بخيار الحراك، خاصة أن هذه المؤشرات واستمرار ضغط الشارع لا تبشر بإمكانية إنجاز انتخابات نيابية مسبقة ناجحة، بالنظر إلى المستوى القياسي لنسبة مقاطعة الاستفتاء على الدستور في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ذات صلة

الصورة
الجزائر/سياسة/العربي الجديد

سياسة

تجاهل الحراك الطلابي في الجزائر، اليوم الثلاثاء، الرسائل السياسية التي وجهها الرئيس عبد المجيد تبون، مجدداً تظاهراته في مدن جزائرية عدة، للأسبوع الثاني على التوالي.
الصورة
الحراك الشعبي

سياسة

كل شيء في الشارع الجزائري يفيد بأنّ الحراك الشعبي بصدد الموجة الثانية، بعد العودة القوية للمحتجين، أمس الجمعة، رفضاً للخيارات التي تنتهجها السلطة منذ 2019، لكن اللافت هذه المرة هو التحول في خريطة الاحتجاج.
الصورة
مظاهرات الحراك الشعبي في الجزائر (العربي الجديد)

سياسة

شجع نجاح مظاهرات الحراك الشعبي، الاثنين الماضي، في 30 ولاية، وسماح السلطات بالتظاهر وتخفيف الإجراءات الأمنية نسبياً، الآلاف من الجزائريين على العودة مجدداً إلى الشارع اليوم، في أول مظاهرات جمعة تتم منذ التعليق الطوعي للمظاهرات.
الصورة

منوعات وميديا

أرجأت المحكمة العليا في الجزائر النظر في الطعن بالنقض الذي تقدم به الصحافي خالد درارني، المفرج عنه أخيراً، ضد الحكم بسجنه عامين، وفق ما ذكر موقع "قصبة تريبون" نقلاً عن محامي الدفاع.

المساهمون