مشاعل الجنود تخيف الألمان: جدل ورفض بسبب التاريخ النازي

مشاعل الجنود تخيف الألمان: جدل ورفض بسبب التاريخ النازي

18 أكتوبر 2021
جرى تكريم واستذكار الجنود الألمان القتلى بحرب أفغانستان أمام البرلمان الألماني (Getty)
+ الخط -

في العادة، لا تشكّل المراسم العسكرية في الدول، والتي تقام استذكاراً للجنود الذين سقطوا قتلى خلال مهمات عسكرية لبلدانهم، أو تكريماً لجنود شاركوا في مثل هذه المهمات، جدلاً كبيراً. لكن، الوضع في ألمانيا يختلف بعض الشيء، ومشهد الجنود الألمان يوم الأربعاء الماضي، وهم يحملون المشاعل أمام مبنى البرلمان الألماني (الرايخستاغ) في العاصمة برلين، استذكاراً لقتلى الجيش الألماني الذين سقطوا في حرب أفغانستان الطويلة (59 قتيلاً)، لم يرق لكثيرين، وأثار انتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ دعا بعض الألمان إلى وقف تلك المراسم، أو على الأقل إلى إجرائها بلا مشاعل. وعلى الرغم من أن طقوس حمل المشاعل من قبل جنود ألمانيا بلباسهم العسكري، يعود إلى مئات السنين التي سبقت حقبة النازية، إلا أن هذه الممارسة، وخصوصاً حين يحلّ الظلام، يجري ربطها بثلاثينيات القرن الماضي، أي خلال ذروة الصعود النازي بزعامة أدولف هتلر.  

حمل المشاعل خلال الاستعراضات العسكرية في ألمانيا، وخصوصاً حين يحلّ الظلام، يجري ربطه بحقبة النازية

وذهب بعض الصحافيين والسياسيين الألمان، ممن ينادون بضرورة إجراء تنقيح سياسي للتاريخ الألماني، إلى وصف ما جرى الأسبوع الماضي أمام مبنى البرلمان في برلين، حين حمل الجنود المشاعل ليلاً تكريماً لزملائهم الذين قضوا وخدموا في الحرب الأفغانية، باعتباره تصرفاً ينم عن "فضيحة"، فيما اعتبره آخرون أمراً طبيعياً لا يجب ربطه بالحقبة النازية. 

وفي هذا السياق، سجّل الصحافي الألماني المعروف، (دير شبيغل)، ماركوس فيلدنكيرشن، موقفاً له على موقع "تويتر"، اعتبر فيه أنه "لا ينبغي أن يحمل الجنود مشاعلاً أمام البرلمان، وخصوصاً حين يحلّ الظلام، ولا حتى للاحتفاء بالجنود الذين خدموا بشجاعة في أفغانستان"، حيث خدم أكثر من 90 ألف جندي في أفغانستان منذ 2001 وحتى الانسحاب أخيراً.

ووصف فيلدنكيرشن، صور الجنود وهم يحملون المشاعل، بأنها "بلا تاريخ". وجاء ذلك خصوصاً أن السجال حول طقوس تكريم الجنود في ألمانيا، يجري ربطه بالتاريخ النازي، وتحديداً بالحادثة الشهيرة في برلين حين قام فيها النازيون في عام 1933 بمسيرة المشاعل عبوراً من بوابة براندنبورغ.  

ويذهب المنتقدون إلى التعبير عن مخاوفهم من أن الجيل الألماني الشاب، لا يدرك "ظلامية المرحلة النازية"، فيما يرى آخرون في التكريم العسكري مجرد حالة تعبير وطني تجري في جميع الدول. 

وينبع رفض البعض لمواقف المعارضين للتكريم، برفضهم ربط العرض العسكري بالنازية فقط، على اعتبار أن هذا التقليد، تقليد الاستعراض وحمل المشاعل، ليس جديداً في التاريخ الألماني، ويعود إلى القرن السادس عشر، ويعرف باسم "بوندسفير"، وهو الاستعراض الكبير الذي يشارك فيه حملة المشاعل وحاملو الطبول والأبواق من المشاة وسلاح الفرسان. 

دوافع مؤيدو استمرار بوندسفير؟

ويتذرع مؤيدو استمرار التقليد العسكري، وعدم حصره بالحقبة النازية، بأنه يستخدم أيضاً لتكريم المستشارين الذين ينهون خدماتهم. وسبق أن جرى الاستعراض التكريمي لعدد من الرؤساء والمستشارين، وبينهم المستشار الألماني السابق من يسار الوسط، غيرهارد شرودر، في عام 2005، وهو ما يتوقع أن يجري أيضاً للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حين تغادر منصبها نهاية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وفي 2015، أقيم أيضاً حفل كبير في البلاد، بمراسم عسكرية ومشاعل، في الذكرى الـ60 لتأسيس الجيش الألماني.

أبدى بعض المحاربين القدامى رفضهم للهجوم على الطقوس العسكرية التاريخية، وخصوصاً لناحية تصنيفها كعمل نازي

وحتى قبيل المراسم التي أقيمت مساء الأربعاء الماضي، كان السجال حول المسألة قد اندلع ليشقّ طريقه إلى الصحافة المحلية. وفي هذا الخصوص، أشارت سلسلة تقارير نشرت في "دي فيلت"، إلى الانقسامات التي تسبب الإعلان عن المراسم العسكرية بالمشاعل. وشكّل التركيز على اعتبار المعارضين للمراسم بأنهم يمثلون اليسار، فرصة لاستغلال ذلك من قبل القوميين المتشددين في ألمانيا للتحريض عليهم، وكسب تعاطف الشارع الميّال نحو تخلص ألمانيا من الإرث النازي وإظهار الروح القومية مجدداً دون خوف من لطخات التاريخ. وهذا ما يدعو إليه تيار شعبي ونخبوي متزايد في ألمانيا بعد صعود دور بلادهم في السياسات الأوروبية والعالمية.  

وأبدى بعض المحاربين القدامى رفضهم للهجوم على الطقوس العسكرية التاريخية، وخصوصاً لناحية تصنيفها كعمل نازي. ووجد السجال طريقه أيضاً إلى منصات مختلفة، وأطلق البعض وسوماً مؤيدة، حيث احتل وسما "ويهرماخت" (Wehrmacht- القوات المسلحة للرايخ الثالث) و"زابفنستريخ" (zapfenstreich- عرض عسكري ألماني)، المرتبة الثانية والثالثة من اتجاهات "تويتر" الألماني ليومي الأربعاء والخميس الماضيين.  

شكّل التركيز في الصحافة على اعتبار المعارضين للمراسم بأنهم يمثلون اليسار

ولم يقتصر السجال على مستوى الشارع، بل شمل سياسيين وكتاباً ألمانيين. ففي معرض معارضتها لمشهد المشاعل، ذكرت السياسية السابقة عن حزب الخضر، غوتا ديتفورث، أنها تستعير جملة الرسام اليهودي ماكس ليبرمان حين ترى المشاعل، برغبتها في التقيؤ. وذهب السياسي اليساري، سفيم داغديلين، منتقداً ومتسائلا: "بماذا يحتفى؟ بالضحايا المدنيين الأفغان أم بفقدان 59 جندياً أرواحهم؟".  

واضطرت وزارة الدفاع الألمانية للتدخل في السجال المثار، وخصوصاً مع توسعه، وانضمام صحافيين لانتقاد المشاعل. وردت الوزارة في بيانها، معتبرة أن ما يجري "تشريف للقوات المسلحة، وسيتم تكريم الأشخاص الذين كرسوا حياتهم للديمقراطية". واعتبرت أن هذه المراسم لا تستحق التسييس، مؤكدة أن النقاش أمر ضروري "لكن المقارنات مع أحلك فصل في (تاريخ) ألمانيا يخيب آمالنا، وخصوصاً أنها مراسم تحظى بشعبية في المجتمع"، بحسب ما كتبت الوزارة على "تويتر"، مرفقة ذلك بفيديو توضيحي عن المراسم وهدفها.  

برلمانيون ألمان تدخلوا أيضاً في السجال الدائر، حيث أعرب العديد منهم عن دعم الاستعراض. وبرز في السياق، موقف الحزب الديمقراطي الحر (الليبراليين)، من عضو لجنة الدفاع في كتلة الحزب، ماري أغنيتس زيمرمان، التي علقت قائلة: "الاحتفال مناسباً من حيث الشكل والكرامة، وفي المكان الأكثر مناسبة، وهو البرلمان الاتحادي، وهذا يشير إلى أنه جيش برلماني"، ما اعتبر انتقاداً ضمنياً لربط المراسم بالماضي النازي. وفي السياق ذاته، ذهب نائب رئيس الليبراليين (الحزب الديمقراطي الحرّ) يوهانس فوغل، إلى انتقاد معارضي المشاعل. 

ولم يسلم السجال من محاولة النازيين الألمان الدخول على خطّه، من خلال تحركاتهم على الأرض، ومشاركتهم في وسم يتعلق بمسيرة المشاعل. وهو ما دفع عضو لجنة الدفاع في كتلة "الخضر"، توبياس ليندنر، للتعليق على "تويتر"، معتبراً أن ما جرى من مراسم وتكريم الجنود هو "الأمر الصائب الذي يتوجب فعله، ولا يجب ربطه بفكرة الرايخ الثالث".

 

المساهمون