مسؤول استخبارات إسرائيلي سابق: عرفات لم يخطط للانتفاضة الثانية مسبقاً

27 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كشف ضابط إسرائيلي رفيع المستوى في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية سابقاً أن كل التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية والتحذيرات التي سبقت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية ومرحلتها الأولى تؤكد أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لم يتخذ قراراً مسبقاً باللجوء لتفجير انتفاضة جديدة، بعد فشل محادثات كامب ديفيد مع إيهود باراك، وأنه تم إسكات كل هذه التقديرات من أعلى لتكريس ادعاءات إيهود باراك والساسة في إسرائيل بعدم وجود "شريك فلسطيني للسلام".

ويأتي هذا الكشف بمناسبة مرور عشرين عاما على اندلاع الانتفاضة الثانية بعدما اقتحم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أريئيل شارون المسجد الأقصى بتاريخ 29 سبتمبر/ أيلول 2000.

وقال يوسي بن أريه، وهو بريغدير في الاحتياط خدم في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وكان مرشدا في كلية الأمن القومي، في مقالة نشرها في صحيفة "هآرتس"، اليوم، إنه لا يمكن الحديث عن الانتفاضة الثانية دون التطرق إلى دور الاستخبارات الإسرائيلية وتقيماتيها للتطورات الميدانية، وبالتالي مسؤليتها عن مآل الأمور. 

وذكر بن أريه أنه تم استدعاؤه بعد إنهائه مهامه الرسمية في إحدى شعب الاستخبارات مسؤولا عن الملف الفلسطيني، من قبل من خلفه في المنصب الذي طلب منه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2000 فحص "من بادر للعنف في الجانب الفلسطيني، وبشكل أكثر تحديداً هل كان للرئيس ياسر عرفات ضلع في الأمر".

ووفقا لروايته، فإنه بعد أن فحص كافة التقارير والتقديرات فإنه توصل إلى استنتاج واضح: لم يكن في أي من تقارير وتقديرات  أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من كافة الأذرع، في الجيش والشاباك (المخابرات العامة)، حتى شهر سبتمبر/ أيلول 2000، أي دليل أو إشارة  إلى وجود تخطيط مسبق لتفجير العنف الفلسطيني لا بمبادرة من ياسر عرفات أو آخرين من المعسكر الفلسطيني. بل إنه يقول إن "الرئيس عرفات حاول على مدار اليومين الأولين لاندلاع الأحداث تهدئة الخواطر والأوضاع، خوفا من فقدان السيطرة على الأمور، وفقط عندما أدرك أن فرض الهدوء من شأنه أن يؤدي إلى اندلاع حرب أهلية فلسطينية وهدم مؤسسات وأجهزة السلطة الفلسطينية اختار "ركوب ظهر النمر" وانضم للفوضى العارمة"، على حد وصفه.

وأخطر ما في مقالة البرغدير بن أريه هو ما يقوله بعد ذلك من أن استنتاجاته هذه صدمت من تلقوا تقريره، وهو ما يفسر عدم نشر التقرير واستنتاجاته على نطاق واسع وتعميمها  جزئياً داخل أجهزة الاستخبارات، ولم يتم عرض التقرير إطلاقا على صناع القرار في المستويين السياسي والأمني. 

ويقر بن أريه بأن هذه الاستنتاجات لم تكن من نصيبه أو حكرا عليه وحده، بل إن رئيس الشاباك الإسرائيلي، آنذاك، أفي ديختر، الذي انضم لاحقا لليكود وانتخب نائبا في الكنيست عنه لغاية اليوم، وأصبح أحد مروجي نظرية قرار مسبق لدى الرئيس عرفات بتفجير الانتفاضة الثانية، كان هو أيضا في تلك الفترة في عام 2000، ومعه نائبه يوفال ديسكين (صار لاحقا رئيسا لجهاز الشاباك) ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" في الجيش الجنرال عاموس مالكا،  قد توصوا في تقديراتهم المهنية لاستنتاجات مشابهة. ووفقا ليوسي بن أريه، "فإنهم هم أيضا قدروا الأمور مثلي تماما، وقد اعتقدوا هم أيضا أن عرفات لم يكن الشخص الذي قلب أوسلوا رأسا على عقب ".

ويضيف: "من المهم أن نتذكر أيضا أن الرئيس الأميركي وقتها بيل كلينتون أدار بنفسه في تلك الأيام مجموعة عمل مشتركة : إسرائيلية - فلسطينية  في محاولة لحل المسائل التي ظلت مفتوحة في اتفاق الحل الدائم، بل وطرح أيضا ("مسار كلينتون" الذي نشر في ديسمبر/كانون الأول من نفس العام) . وقد كان للفلسطينيين أنفسهم مصلحة بنجاح جهود كلينتون. سياسة كلينتون بمحاولة العودة  إلى المسار السياسي بدل استراتيجية الدماء انعكست أيضا في أواخر عام 2001 عندما أسكت عرفات الميدان إلى أن قلبت الأمور رأسا على عقب مع اغتيال رائد الكرمي. (القائد العسكري لكتائب شهداء الأقصى في فلسطين الذي اغتالته إسرائيل في 14 يناير/ كانون الثاني 2002). 

ويصل البريغدير يوسي بن أريه إلى القول إن "موقف شعبة الاستخبارات العسكرية كان واضحا في التقديرات التي عممتها، لكن رئيس القسم الفلسطيني آنذاك، البريغدير افرايم للافي، لم يرفع صوته كما يجب، مقابل هدير صوت  قائده الأعلى رتبة منه عاموس جلعاد . وجلعاد هو الذي نسج خيوط الرواية الإسرائيلية، أو تماشى مع الرواية  المعاكسة لحقيقة الأمر، (في عهد رئيس الحكومة إيهود باراك) التي اختصرت بعبارة "لا يوجد شريك"، وتحولت في عهد شارون (فاز على باراك في الانتخابات المباشرة عام 2001) "عرفات قاتل" وبهذه الطريقة تم محو وإسكات أصوات الاستخبارات الأخرى". 

ويخلص بن أريه إلى أنه "لا مفر من استنتاجين: فإذا كان كبار المسؤولين خلال الانتفاضة الثانية أعربوا عن رأيهم - بأن عرفات ليس مسؤولا عن العنف - أمام صانعي القرار ورفض هذا الرأي، فقد كان عليهم أن يصروا على رأيهم (استخدم الكاتب تعبير الوقوف على أرجلهم الخلفية). وفي حالات الضرورة فإن الاستقالة هي خيار أيضا". 

ويضيف : "الخيار الآتي هو أشد خطورة: أن يكون كبار المسؤولين ساروا وتماشوا مع روح توجهات صانعي القرار ، وامتنعوا أصلا عن إسماع موقف معاكس ومن الخوض في مواجهة مع صانعي القرار". 

وبحسب يوسي بن أريه، فإن ديختر يثب اليوم "جندي لبيبي"، وقد يكون هذا حاله في تلك الأيام، أما ديسكين فواضح أنه سكت لضمان الوصول لرئاسة الشباك، أما سكوت رئيس شعبة الاستخبارات عاموس ملكا، فقد جرت في تلك الفترة نكتة مفادها أن رئيس شعبة الاستخبارات عامس ملكه أما الملك الحقيقي فكان عاموس جلعاد رئيس قسم الأبحاث، ومن الواضح أن حياة رؤساء هذه الأجهزة الذين صححوا مواقفهم بما يتماشى مع الخط العام كانت مريحة أكثر ".