ليبيا: مهمّة تفادي الفشل

ليبيا: مهمّة تفادي الفشل

15 ديسمبر 2022
باتيلي خلال مشاركته في اجتماع اللجنة العسكرية المشتركة في سرت، أكتوبر 2022 (تويتر)
+ الخط -

تتزايد الشكوك والتساؤلات بعد نحو شهرين على تسلم عبدالله باتيلي منصبه رئيساً للبعثة الأممية في ليبيا، حول قدرته على دفع حل للأزمة التي تمر بها البلاد، وهل يمتلك خطة واتجاهاً يعمل فيه لاختراق جدار الأزمة المستعصي؟

وما يعزز هذه التساؤلات عدم تجاوب المؤسسات الليبية المختلفة مع دعوة كان وجهها باتيلي في الثالث من ديسمبر/كانون الأول الحالي، للمجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، للدخول في حوار، وتسريع جهودها لإيجاد حل للأزمة السياسية.

كما حث مجلسي النواب والدولة على اختيار مكان وموعد لعقد اجتماعهما، والخروج بمقترحات ملموسة وقابلة للتنفيذ، ومؤطرة زمنياً. وبعد أكثر من أسبوع على هذه الدعوة، لم تلق أي تجاوب من تلك المؤسسات، ما دعاه الى إعادة تنشيطها من خلال ترحيبه بدعوة شبيهة أطلقها المجلس الرئاسي في طرابلس.

باتيلي يدعم مبادرة المجلس الرئاسي

وقال باتيلي، في تغريدة على حسابه على "تويتر" قبل أيام، إنه أجرى اتصالاً برئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، لمناقشة "مقترح المجلس الرئاسي بشأن اجتماع قيادتي مجلسي النواب والأعلى للدولة لمناقشة سبل المضي قدماً في ليبيا"، معبراً عن دعمه لمبادرة المجلس الرئاسي.


يشدد باتيلي على ضرورة التركيز على المحافظة على وقف إطلاق النار

ولا تختلف دعوة المجلس الرئاسي، التي أعلن عنها الخميس الماضي، إلى مجلسي النواب والدولة للتشاور حول المسار الدستوري لـ"أولوية" لفتح آفاق لحل الأزمة، عن دعوة باتيلي، إلا أن الرئاسي نسب المبادرة لنفسه وجعل البعثة شريكاً في الحوار من خلال الإشراف عليه، على الرغم من أن الفارق الزمني بين دعوته ودعوة باتيلي لم يتجاوز الأربعة أيام.

وما عزز فرضية وصول الدور الأممي إلى مستوى من الضعف وعدم القدرة على مجاراة تبدلات وتغيرات القادة الليبيين، أن دعوته للانخراط في الحوار جاءت مقترنة مع إعلانه تعذر لقاء رئيسي مجلسي النواب عقيلة صالح والدولة خالد المشري، التي كان مقرراً عقدها في مدينة الزنتان، في 4 الشهر الحالي، والتي من الواضح أنها كانت ستجرى برعاية باتيلي، وبعد جهود بذلها بين الرجلين في القاهرة.

وفي مؤشر آخر إلى عدم قدرة البعثة الأممية ورئيسها الحالي، على فرض مساعيه وخطواته على أفرقاء الأزمة الليبية، يُلاحَظ أن دعوة باتيلي للأفرقاء الليبيين إلى الانخراط في الحوار أعقبها تفجر أزمة جديدة بين مجلسي النواب والدولة وصلت إلى حد تعليق التواصل بينهما، على خلفية رفض مجلس الدولة إصدار البرلمان قانوناً لإنشاء محكمة دستورية، وسط مخاوف سياسيين في غرب البلاد من مغبة إقحام السلطة القضائية في معترك السياسة، خصوصاً من الصمت المطبق من جانب البعثة الأممية حيال هذا التصعيد.

وجاءت القطيعة بين المجلسين بعد يوم واحد من ظهور ملمح انفراج، بعد تصويت مجلس الدولة الاثنين من الأسبوع الماضي على مناقشة الملفات الثلاثة العالقة بالتوازي (القاعدة الدستورية، والمناصب السيادية، وتوحيد السلطة التنفيذية)، الأمر الذي يتماهى مع طرح مجلس النواب، وهي خطوة من جانب مجلس الدولة خففت من حدة التوتر التي صاحبت تعذر لقاء صالح والمشري في مدينة الزنتان، برعاية أممية.

وفي ملمح آخر لضعف تعاطي البعثة الأممية، أن إعلان باتيلي تعذّر إجراء اللقاء بين الرئيسين في الزنتان، توازى مع تصريحات لرئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، أعرب فيها عن رفضه تداول ملف السلطة التنفيذية من قبل المجلسين قبل إجراء الانتخابات، ما دفع بشكوك حول علاقة الحكومة بإفشال انعقاد اللقاء، وهو ما أكده أيضاً عضو مجلس النواب، جبريل وحيدة، في تصريح سابق لـ"العربي الجديد". فكيف ستتمكن البعثة من فك رموز الملف الليبي المعقدة؟ ومن أين ملف ستبدأ؟

الملف الأمني ضمن أولويات باتيلي

يظهر من رسم خطوط حركة المبعوث الأممي أن الملف الأمني يأتي ضمن أولوياته. فقد كانت أولى خطواته، إثر تسلمه لمهامه في طرابلس منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تفعيل لقاءات اللجنة العسكرية المشتركة "5+5"، ورئيسي الأركان، الفريق محمد الحداد، التابعة لحكومة الوحدة الوطنية، والفريق عبد الرزاق الناطوري، التابع لقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر. وأبرز تلك اللقاءات كانت، الأربعاء (7 ديسمبر)، في تونس ضمن اجتماعات الفريق العامل المعني بالأمن المنبثق عن قمة برلين.


عماد الهصك: باتيلي لا يملك الأدوات الفعالة لإيجاد حل للانسداد السياسي

وفي كل تصريحاته المعنية بالملف الأمني يشدد باتيلي على ضرورة التركيز على المحافظة على وقف إطلاق النار، وإعادة توحيد المؤسسات العسكرية، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، فضلاً عن انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية، وإنشاء قوة عسكرية مشتركة.

ووفقاً لتصريحات عقب اجتماع تونس الأخير، أقر باتيلي بعدم تحقيق تقدم، ووصف الوضع الراهن بأنه "لم يعد مقبولاً"، وأن الليبيين "سئموا أساليب المماطلة التي يستخدمها بعض قادتهم". لكنه، في المقابل، لم يعلن عن الإطار العام لعمله، وخياراته، بين الاستمرار مع خريطة طريق جنيف التي رسمت ملامحها سلفه في قيادة البعثة الأممية، ستيفاني وليامز، أو البداية الصفرية من جديد، في مشهد حير الكثير من المراقبين، بين أن يكون هذا الخط مقاربة جديدة للبعثة في إدارتها للملف، أو أن يكون إقرارا ضمنيا منها بالعجز أمام الوضع الليبي المتأزم.

ولا يشك الأكاديمي والمهتم بالشأن السياسي الليبي، عماد الهصك، في سعي باتيلي لإيجاد حل للانسداد السياسي، إلا أنه في نظره "لا يملك الأدوات الفعّالة لتحقيق ذلك"، فهو "لا ينتمي إلى دولة ذات نفوذ دولي قوي، كما هو الحال عند وليامز التي عجزت عن فتح كوة في الجدار السياسي الليبي الصلب، على الرغم من انتمائها لأكبر دولة نافذة".

ورأى الهصك، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن باتيلي أكثر وضوحاً من سابقيه في السعي الحثيث نحو حلحلة الأزمة الليبية، إلا أن عدم امتلاكه "أدوات الضغط يجعل الأطراف الليبية، وخصوصاً المجالس الثلاثة، لا تستجيب بشكل فعّال لدعواته إلى عقد اجتماع توضع فيه بنود لخريطة سياسية جديدة من شأنها أن تستأنف المسار السياسي من جديد، بعد أن سيطرت عليه حالة الجمود، وعاد لحالة الانقسام".

وحتى لو استطاع باتيلي جمع المجالس الثلاثة عبر الضغط الأممي على داعميهم الدوليين؛ لا يعتقد الهصك أنه "يستطيع فرض موعد محدد لإجراء الانتخابات، ما لم تتضافر الدول ذات النفوذ في الأمم المتحدة لتحقيق هذه الغاية، عبر التلويح بالعقوبات على الأطراف المعرقلة".

وفي نظر الهصك، فالأمر يتعلق أيضاً بـ"سوء توظيف النافذة الأفريقية غير المجدية، والتي دخل باتيلي منها إلى بوابة أفريقيا الشمالية. ويرجع ذلك لافتقار الدول الأفريقية لوسائل الضغط والنفوذ الدولي، وانشغالها بمشاكلها الداخلية، ما يجعلها عاجزة عن تقديم أي مبادرة واقعية وناجعة".

ورأى أن باتيلي يدرك أن الملف الأمني "هو العقدة والحل في الوقت نفسه"، ولهذا فهو يتجه إلى تقديمه على بقية الملفات، وهي "مقاربة واقعية" في نظر الهصك، و"ملامسة لمكمن الداء، على خلاف مقاربات المبعوثين السابقين".

وعن نجاعة تقديم هذا الملف كمقاربة للحل، قال الهصك "لقد سار سابقو باتيلي في حلحلة المشكل الليبي بالتوازي بين الملفات، ولم يحققوا أي نتائج تذكر. وانتهاج الخط المتوالي عبر تقديم الملف الأمني على غيره، هو إدراك حقيقي لطبيعة الأزمة الليبية، وقراءة واقعية يمكن من خلالها الوصول إلى نتائج إيجابية ملموسة"، إلا أنه رأى أن نتائج نهج المقاربة الأمنية لا يزال التكهن بها مبكراً.

باتيلي لم يقدم جديداً

وعلى النقيض من ذلك، لا ترى الباحثة في الشأن السياسي، فيروز النعاس، أي اختلاف لباتيلي عن سابقيه في التعاطي مع الأزمة الليبية، فهو "لم يقدّم جديداً، ويسير على خطى ستيفاني وليامز، بادعاء اهتمامه بالشق الأمني واللجنة العسكرية المشتركة، وهذا مجرد تمويه عن العجز في إيجاد حل"، خصوصاً أن إعادة التجربة بالأدوات نفسها وتوقع نتائج مغايرة أكبر دليل على العجز والفشل وعدم الرغبة في إيجاد حل حقيقي وجذري للأزمة، وفق رأيها.


فيروز النعاس: من المستحيل أن تساهم المجالس الثلاثة في حلحلة الوضع والدفع باتجاه العملية الانتخابية

وتنقل النعاس، وهي الأمين العام السابق لحزب الجبهة الديمقراطية، استياء عدد من الأحزاب السياسية من البعثة ودورها، وحتى أن البعض بات على قناعة أن البعثة "تتعمد بقاء الحال على ما هو عليه، وليست راغبة في تقديم مساعدة حقيقية لإنهاء الأزمة".

وتستعرض النعاس مسيرة باتيلي منذ وصوله، قائلة، لـ"العربي الجديد": "كانت بداية غير واعدة، بدا وكأنه جاء لحل خلاف اجتماعي لا سياسي وصل إلى حد النزاع المسلح. لقد انطلق كأسلافه بلقاءات مع مسببي الأزمة واعتبارهم القوى الفاعلة، ولم يلتق القوى الوطنية التي قد تمثل الشعب الليبي، كالأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنخب الوطنية أصحاب المبادرات. لقد سار على نهج غسان سلامة وستيفاني وليامز، لأنه لا يملك رؤية واضحة للوضع في ليبيا، وبالتالي لن يقترب من الحل".

وتتساءل النعاس عن قدرة باتيلي على دفع الفرقاء للاجتماع، ثم الاتفاق ثم الالتزام بالاتفاق، فمع أن من سبقوه نجحوا في الدفع نحو بعض الاتفاقات إلا أنهم واجهوا صعوبة في إلزام المتفقين باتفاقاتهم. وأكدت أن البعثة الأممية "لم تنجح إلا مرة واحدة عندما لوحت وليامز بإنهاء دور مجلس النواب في حال لم يمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية، مستغلة ورقة ملتقى الحوار السياسي".

وفي اعتقاد النعاس فإنه "من المستحيل" أن تساهم المجالس الثلاثة في حلحلة الوضع والدفع باتجاه العملية الانتخابية، فـ"ما يجمعها شيئان: الاستمرار في السلطة، ومنع الشعب الليبي من التوجه للصناديق مرة أخرى".

لكن في المقابل، يتحدث الأمين العام لحزب صوت الشعب، فتحي الشبلي، عن مدى تفاؤله في البداية بوجود "مبعوث أفريقي مسلم"، فقد كان من المتوقع أن تتغير سياسة البعثة بتغير الخلفية التي انطلق منها باتيلي، وسط أمله في أن يتجه إلى تغيير سياستها من "إدارة الصراع" إلى "حله".

باتيلي يسير على خطى سابقيه

لكن هذا التفاؤل تضاءل بمرور الوقت، وفق الشبلي، الذي يقول إنه اتضح أنه "يسير على نفس خطى سابقيه"، وذلك من خلال "تدوير الأزمة والاعتماد في حلها على من كانوا سبباً في اشتعالها منذ البداية"، في مفارقة يراها "غير منطقية ولا مقبولة".

وبحسب رؤيته للمشهد، فإن "70% من مشكلة الانسداد السياسي يكمن في التشبث غير المحدود من المجلسين بالسلطة، رغم انتهاء ولايتهما بحكم القانون، وبحكم الشعب الذي أعلن عن رفضهما في الاحتجاجات الأخيرة".

ويتساءل الشبلي، لـ"العربي الجديد": "باتيلي يعقد اجتماعاته مع صالح والمشري، ومع الحكومة والرئاسي، ومع بعض النشطاء المدنيين وممثلي المرأة، لكننا نجده خلال اشتعال الأوضاع في اليومين الماضيين ينشغل بعقد استشارة الكترونية مع نشطاء حول حقوق الانسان في ليبيا!".

وفي متابعته لرصد عمل باتيلي، كشف الشبلي عن معلومات وصلت إليه حول نيّة المبعوث الأممي الإعداد للقاء يجمع 15 عضواً من كلا من المجلسين بالمناصفة، ومثلهم من المستقلين، مرجحاً أن يكون الناتج "غير شرعي، كما حصل مع وليامز".

واقترح الشبلي كحل للأزمة أن "يتم اختيار لجنة من الأحزاب السياسية، تُشكل حكومة تكنوقراط مصغرة لمدة 6 أشهر، تهيئ للانتخابات، وتجري استفتاء حول شكل الدولة الذي لم يحدد حتى الآن".

وفي مؤشر إلى سعي من الأحزاب السياسية لتفعيل دورها في خضم الأحداث الحالية، كشف الشبلي أيضاً عن مراسلة لعدد من الأحزاب السياسية في البلاد إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بالخصوص، للفت نظره لما يجري، وتنبيهه الى أن الحل يبدأ من إزالة الشعور العام لدى الليبيين بأن البعثة "هي أحد أسباب المصائب المتلاحقة"، محذراً من أن البديل عن ذلك، والخيار الأخير، قد يكون في "دعوة الناس إلى حصار البعثة وطردها من ليبيا".