سابقة تاريخية... محكمة ألمانية تدين عنصراً سابقاً في النظام السوري

سابقة تاريخية... محكمة ألمانية تدين عنصراً سابقاً في استخبارات النظام السوري بجرائم ضد الإنسانية

24 فبراير 2021
الصورة
لزم الغريب الصمت وأخفى وجهه عن الكاميرات (توماس لوهنس/ فرانس برس)
+ الخط -

دانت المحكمة الإقليمية العليا لولاية راينلاند بفالز في مدينة كوبلنتز الألمانية اليوم الأربعاء، المتهم إياد الغريب، الذي كان ضابط صف في صفوف النظام السوري قبل انشقاقه ولجوئه إلى أوروبا، بعد خدمته في أحد الأجهزة الأمنية التابعة للنظام (فرع الخطيب - فرع أمن الدولة 251) ومقره العاصمة دمشق.

وجاء قرار المحكمة بسجن الغريب لأربعة أعوام ونصف، بعد أن تم توقيفه قبل عامين، وبدأت محاكمته في إبريل/ نيسان من العام الماضي، ووُجهت إليه تهمة التواطؤ وتسهيل ارتكاب جرائم تعذيب لأكثر من ثلاثين معتقلاً. ويتشارك المحاكمة مع الغريب الضابط الذي كان يخدم في الفرع نفسه، أنور رسلان، وبعد 58 جلسة استماع لشهود وخبراء وضحايا، قرّرت المحكمة فصل قضية المتهمين وإصدار الحكم اليوم في قضية الغريب مع الاستمرار بالاستماع لشهود ومدعين بقضية أنور رسلان.

واعتبر المدعي العام الفيدرالي في القضية، جاسبر كلينغ، أنّ لائحة الاتهام تضمّ فظائع ارتكبها موظفون أمنيون في نظام الأسد. ومن بين تلك الاتهامات، جرى التطرق في مداولات المحاكمة إلى عمليات التعذيب في سجون المخابرات السورية، ومن بينها "الضرب المبرح والصعق الكهربائي والتعليق من السقف بالرسغين والحرمان من النوم، ومختلف صنوف التعذيب لانتزاع اعترافات من المحتجين السوريين على حكم الرئيس بشار الأسد في سياق الربيع العربي عام 2011".

وجرى أثناء الجلسات التطرق إلى آلاف صور التعذيب التي سرّبها مصور الشرطة العسكرية السابق، المعروف باسم "قيصر"، إلى جانب صور ضحايا التعذيب التي تقدّمت بها منظمة حقوق الإنسان الألمانية، وتفيد الشهادات بوجود "مقابر جماعية دفن فيها ضحايا التعذيب في سجون الأسد". وعلى الرغم من دفوع محامي المدان، إياد الغريب، بأنه كان مجبراً على تنفيذ الأوامر وبأنه "مجرد موظف"، إلا أن القضاة لم يأخذوا بها، بل اعتبرت المحكمة أن "الموقف السلبي من الأوامر" هو بمثابة مشاركة في الجريمة بحق المدنيين السلميين الذين كانوا يتظاهرون أثناء الثورة السورية في دمشق وريفها.

يأتي الحكم على الغريب في سياق حملة ألمانية وأوروبية لملاحقة عناصر استخبارات وأمن سوريين تعرّف عليهم لاجئون في دول أوروبية، وقدموا إثباتات عن أدوارهم في اعتقالهم وتعريضهم للتعذيب

 

ولزم الغريب، الذي طغى على حضوره أنور رسلان خلال جلسات الاستماع التي استمرت عشرة أشهر، الصمت وأخفى وجهه عن الكاميرات. ومع ذلك، فقد كتب رسالة أعرب فيها عن حزنه على الضحايا. وكان يبكي وهو يستمع إلى محاميه يطالبون ببراءته، بحجة أنه كان سيعرّض حياته وحياة أسرته للخطر إذا لم ينفذ أوامر في نظامٍ يسحق كل نية عصيان، وفق "فرانس برس".

وكان المتهم تحت إمرة ابن خال بشار الأسد والمقرب منه حافظ مخلوف، المعروف ببطشه. ومع ذلك، استنكر أحد محامي الادعاء المدني باتريك كروكر صمته. وقال إن أشخاصاً "من رتبته يمكن أن يكونوا مهمين جداً لإعطائنا معلومات (عن المسؤولين السوريين) الذين نستهدفهم بالفعل، لكنه اختار عدم القيام بذلك".

ورحّب المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، الذي يديره الحقوقي أنور البني، والذي كان ناشطاً في تحريك الدعاوى ضد الغريب ورسلان وغيرهما من ضباط النظام أمام المحاكم الأوروبية بشدة بقرار المحكمة، معتبراً إياه "قراراً تاريخياً، ونقطةً مضيئةً في تاريخ القضاء الألماني وتاريخ العدالة العالمية".

 

وأشار المركز في بيان إلى أن "القرار تاريخي، لأنه ولأول مرة يصدر قرار بحق مجرم ينتمي للنظام السوري وارتكب جرائم منظومته الأمنية الممنهجة"، مضيفاً: "حيثيات قرار الاتهام ومطالبة النيابة العامة تطاول نظام الجريمة المنظمة والممنهجة الذي يحكم سورية بالحديد والنار والخوف والإرهاب، ذلك النظام المجرم بجميع أركانه وشخصياته كان حاضراً كمتهم بكل جلسات المحاكمة، في قرار الاتهام وفي شهادات الشهود والضحايا والخبراء كما كان حاضراً بتهديد الشهود وتهديد عائلاتهم في سورية".

وأكد المركز في بيانه أن "تجريم المتهم إياد، والحكم عليه، لم يكن بسبب قيامه بجريمة منفردة من تلقاء نفسه، بل بسبب كونه جزءاً من آلة جهنمية منظمة وممنهجة وبأوامر عليا لاعتقال المدنيين السلميين وإخفائهم قسراً وتعذيبهم وقتلهم تحت التعذيب وإخفاء جثثهم بمقابر جماعية وبطريقة مهينة جداً، وهذه المنهجية تخضع لسلسلة أوامر وقيادة تصل لرأس هرم الجريمة الممنهجة في سورية مع كل أركانه. لذا فالحكم على إياد يعني الحكم على وإدانة كل هرم تلك الجريمة، بما فيه رأسه وأركانه".

واعتبر المركز أن "الحكم على إياد هو رسالة لكل المجرمين الذين ما زالوا يرتكبون أفظع الجرائم في سورية، لتذكيرهم بأن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى، ولا مكان آمناً للفرار إليه، كما هو رسالة لكل المتواطئين الذين سهّلوا وساعدوا المجرمين على ارتكاب جرائمهم بأنكم لستم في مأمن من العقاب، ولن تجدوا عذراً يبرئكم من تبعات الجرائم التي سهلتم أو دعمتم أو حرضتم على ارتكابها".

وثمّن المركز في بيانه "الجهود الكبيرة والمستمرّة التي بذلتها وتبذلها وحدات الشرطة ووحدات الادعاء العام الألماني في متابعة هذه الجرائم وملاحقة المجرمين ضد الإنسانية ومجرمي الحرب، وندعو لدعمهم بمزيد من المصادر البشرية والمالية"، متطلعاً إلى أن "تستمرّ جهودهم من أجل العدالة بإصدار مزيد من مذكرات التوقيف بحق كبار المجرمين، بمن فيهم رأس الهرم الإجرامي الذين ما زالوا ينكلون بالسوريين في سورية اعتقالاً وتعذيباً وقتلاً بكل وسائل القتل والتنكيل".

وتقدم المركز بالشكر لمن وصفهم بـ "الأبطال الضحايا الناجين/ات الذين تقدموا بكل شجاعة ليقدموا شهادتهم أمام القضاء ويطلبوا العدالة لأنفسهم ولبقية الضحايا الذين لم يتمكنوا من النجاة، وللشهود والخبراء - ذكوراً وإناثاً - الذين أضاءوا على كل جوانب الجرائم التي ارتكبت".

تقارير عربية
التحديثات الحية

 

وكانت الشرطة الاتحادية في ألمانيا قد ألقت القبض في فبراير/ شباط من العام قبل الماضي على العقيد أنور رسلان، رئيس التحقيق في الفرع 251 أو ما يُعرف بـ"فرع الخطيب"، التابع لجهاز أمن الدولة ضمن مخابرات النظام، وضابط الصف إياد الغريب، الذي كان يتبع للفرع ذاته قبل انشقاقهما عن النظام. وتشير المعلومات المتوفرة لـ"العربي الجديد" إلى أنّ الأول انشق عن النظام في سبتمبر/ أيلول من عام 2012، فيما انشق الثاني في أواخر 2011، أي في العام ذاته الذي اندلعت فيه الثورة.

وبحسب بيانات الادعاء الألماني، فقد غادر المتهمان سورية في عام 2012، وتزامن إلقاء القبض عليهما مع إصدار الادعاء العام الفرنسي أمراً بالقبض على ضابط صف آخر تابع للفرع ذاته 251 في فرنسا. وكان الادعاء الألماني قد أشار إلى أنّ القبض على الأشخاص الثلاثة تم بالتنسيق بين السلطات الألمانية والفرنسية.

ويأتي الحكم على الغريب في سياق حملة ألمانية وأوروبية لملاحقة عناصر استخبارات وأمن سوريين تعرّف إليهم لاجئون في دول أوروبية، وقدموا إثباتات عن أدوارهم في اعتقالهم وتعريضهم للتعذيب، قبل أن يفروا من وظائفهم ويطلبوا اللجوء أيضاً.

ويُعتبر الحكم الصادر اليوم بشأن مشاركة مقيمين في ألمانيا وغيرها بتعذيب السوريين خطوة أولى باتجاه محاكمات ستستمر خلال الفترة المقبلة. واعتبر متخصصون في مجال متابعة القضاء لقضايا التعذيب ذلك بمثابة "رسالة واضحة لرجال الاستخبارات السورية الذين يوجدون في ألمانيا"، بحسب ما نقلت "شبيغل" اليوم عن الخبير القانوني فرانك براوتنغام.

إلى ذلك، رحّب وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، اليوم الأربعاء، بصدور "الحكم التاريخي" بحق العنصر السابق في الاستخبارات السورية، في أول محاكمة في العالم على ارتباط بعمليات تعذيب منسوبة إلى نظام الرئيس بشار الأسد.

وكتب ماس في تغريدة "إنه أول حكم يحاسب مسؤولين عن التعذيب في سورية"، مشيراً أيضاً إلى "الدلالة الرمزية العالية" التي يحملها بالنسبة للسوريين حكم القضاء الألماني بالسجن أربعة أعوام ونصف العام على عنصر سابق في الاستخبارات لضلوعه في جرائم ضد الإنسانية.

المساهمون