جماعات الضغط في تركيا... دورها وتأثيرها في الانتخابات المحلية

جماعات الضغط في تركيا... دورها وتأثيرها في الانتخابات المحلية

24 مارس 2024
من الحملات الانتخابية في إسطنبول، 5 مارس (ميني توز/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- جماعات الضغط الدينية في تركيا، بما في ذلك الصوفية وجماعات أكثر حداثة مثل إسماعيل آغا، تؤثر بشكل كبير على السياسة والانتخابات، مع دعم متفاوت لحزب العدالة والتنمية وعلاقات قوية مع الرئيس أردوغان.
- الجمعيات الاقتصادية مثل "توصياد" و"موصياد" تشكل قوى ضغط رئيسية، تضم آلاف الشركات بتوجهات أيديولوجية مختلفة، حيث تدعم "موصياد" القيم المحافظة و"توصياد" تميل للقيم الغربية والعلمانية.
- العائلات الثرية والشركات القابضة تنشط في السياسة والاقتصاد، مع تأثير إعلامي واقتصادي كبير، تدعم بعضها حزب العدالة والتنمية والبعض الآخر المعارضة، مما يعكس أهمية الضغط الاقتصادي والإعلامي في الانتخابات.

يبدو دور جماعات الضغط في تركيا مؤثراً، وتزداد أهميتها مع كل انتخابات، فمع اقتراب الانتخابات المحلية المقررة في 31 مارس/آذار الحالي، تسعى الأحزاب والتحالفات السياسية لكسب تأييدها بهدف دعم الدعاية الانتخابية مادياً وإعلامياً وحشد التصويت يوم الانتخابات.

إحدى أبرز جماعات الضغط في تركيا هي الجماعات الدينية، إذ تنشط العشرات منها في تركيا ومعظمها تتبع النهج الصوفي، ولا يقتصر أتباعها على الطلاب الشرعيين، بل منهم التجار والعمال والسياسيون، ومنهم من يصل إلى مناصب معينة في الدولة، لا سيما في عهد حزب "العدالة والتنمية"، وعلى سبيل المثال، تعيين إلهان بالكان أوغلو من جماعة إسماعيل آغا والياً على صقاريا في عام 2017.

إلى جانب جماعة إسماعيل آغا، هناك جماعة إسكندر باشا التي تتمتع بعلاقة قوية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فضلاً عن جماعة "أرانكوي" التي تمتلك استثمارات ضخمة، على رأسها سلسلة متاجر "بيم".

وهناك جماعة "منزل" المعروفة بدعمها حزب "العدالة والتنمية" كذلك، فضلاً عن جماعات دينية أخرى مثل "النورسية" نسبة لسعيد النورسي، و"الإيشيكتشيلار" ولديها استثمارات كبيرة مثل "مجموعة إخلاص القابضة"، و"الكيركينجيلار"، و"الآسيويون الجدد"، و"وقف فرقان".


كيسكين: معظم الجماعات والطرق الدينية تميل لحزب "العدالة والتنمية"

في السياق، يقول أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة أماسيا يوسف بهادير كيسكين، لـ"العربي الجديد"، إن مجمل جماعات الضغط في تركيا الدينية عاشت فترات صعبة، وصلت إلى درجة المطاردة منذ تأسيس الجمهورية التركية (في عام 1923) وفرض قانون لحظر نشاطها وشرعيتها داخل المجتمع، لذلك فإن عنصر البقاء هو الدافع الرئيسي وراء بناء شبكة علاقاتها مع النخب السياسية وعلى رأسها السلطة.

ويلفت كيسكين إلى أن "هذه الجماعات تستمد قوتها من الشارع، وهذا يعني أنها تمتلك رصيداً من الناخبين والأصوات التي لها وزنها لدى السياسيين، وحظي زعماء الجماعات باحترام من رموز الدولة الذين يحرصون على زيارتهم خصوصاً في أوقات الانتخابات".

ويشير إلى أن معظم الجماعات والطرق الدينية تميل لحزب "العدالة والتنمية" والتحالف الجمهوري، وعبّر بعضها عن دعمه الصريح لذلك خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في العام الماضي، مثل جماعتي "منزل" وإسماعيل آغا، لكن جماعات أخرى مثل "السليمانية" و"الآسيويين الجدد" ليست قريبة من "العدالة والتنمية" وبالتالي تذهب أصواتها لأحزاب أخرى.

ويرى كيسكين أن أحزاب المعارضة، لا سيما "الشعب الجمهوري"، لا تولي هذه الأهمية للجماعات الدينية، لكنها في السنوات الأخيرة باتت تتبع سياسة ناعمة ركزت على تراجع الخطاب المعادي للمحافظين والمحجبات.

من جهته، يقول الصحافي التركي محمد طاهر أوغلو، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إنه "في الانتخابات المحلية، تحرص الجماعات على الضغط الصامت وتجنب الاصطدام، لأن من مصلحتها الحصول على تراخيص مثلاً لمدارسها أو نُزلها للطلاب وما شابه من مؤسسات أخرى ربحية تابعة لها، وبينما الأيديولوجيا الدينية مهمة في تحديد توجهاتهم لدعم حزب أو آخر، فإن المصالح الأخرى مهمة وربما تكون أهم أحياناً من توجهاتهم المحافظة، لا سيما مع وجود أحزاب محافظة معارضة أصلاً مثل السعادة".

جماعات الضغط في تركيا الاقتصادية

تعتبر جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك "توصياد"، وجمعية الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين "موصياد"، مدرستان منفصلتان تضمان آلاف الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة التي تعتبر شريان الاقتصاد التركي، مع الاختلاف الجوهري بين الجمعيتين حول التوجهات الأيديولوجية من جهة، والسياسة الاقتصادية من جهة أخرى.

فبينما تتبنى "توصياد" القيم الغربية والعلمانية الكمالية، تبدو "موصياد" أقرب للقيم المحافظة الدينية والوطنية وأكثر انفتاحاً على الشرق، وقد نالت دعم الراحل نجم الدين أربكان في وقت تأسيسها، كما تحظى بدعم واهتمام من حزب "العدالة والتنمية" الحاكم. أما في أوقات الانتخابات، فإن الجمعيتين تحرصان على لقاء مختلف المرشحين.

ويرجح طاهر أوغلو أن تكون "توصياد" أقرب لأحزاب المعارضة في الانتخابات المحلية لا سيما "الشعب الجمهوري" ومرشحه أكرم إمام أوغلو في إسطنبول، المدينة الاقتصادية التي تحظى بنصيب الأسد من حجم الاقتصاد التركي، لكن الجمعية لم تعبر صراحة عن ذلك.

أما "موصياد" التي حُرمت من الانتساب لـ"توصياد" لعقود بسبب سيطرة العائلات البرجوازية عليها، فإنها تبدو أقرب لمرشحي التيار الحاكم، ومع ذلك، فإنها أيضاً لم تتخذ مواقف صريحة. ويرى طاهر أوغلو أن دور العائلات قد يكون حاسماً في تحديد فوز مرشح دون غيره، من خلال الضغط الإعلامي التابع للشركات القابضة التي تمتلكها عائلات معينة.

إمبراطورية العائلات

وتضم تركيا عائلات ثرية ارتبط اسمها بشركات قابضة تنشط في مختلف القطاعات مثل البناء والتشغيل والصناعة والإعلام، وتحتل مكانة مهمة في المجتمع وسوق الأعمال وعالم السياسة. التأثير السياسي لهذه العائلات يكون نتيجة ضغطها الاقتصادي أو الإعلامي، انطلاقاً إما من أيديولوجيا محافظة مثل عائلة ألبيرق التي تمتلك "مجموعة ألبيرق القابضة"، وتضم عشرات الشركات وتمتلك صحيفة "يني شفق" المعروفة بدعمها الكبير لـ"العدالة والتنمية" وأردوغان، أو أيديولوجيا علمانية مثل عائلة كوتش الناشطة في قطاعات الطاقة والتمويل والتسويق المعروفة بقربها من حزب "الشعب الجمهوري".

كما قد يكون الضغط نابعاً من مصالح اقتصادية صرفة، كما هو الحال مع العديد من العائلات البارزة التي تعتبر غير منحازة أيديولوجياً لطرف ما، لكن مصالحها تلتقي مع "العدالة والتنمية" مثل عائلة دمير أورَن التي استحوذت على صحيفة "حرييت" وقناة "سي أن أن تورك".



طاهر أوغلو: في الانتخابات المحلية، تحرص الجماعات على الضغط الصامت وتجنب الاصطدام

حول ذلك، يرى الأكاديمي التركي غوكهان أريلي في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أن "الضغط السياسي لهذه العائلات يتركز بشكل كبير خلال الانتخابات، سواء عبر التمويل المباشر على شكل تبرعات قانونية للأحزاب، أو عن طريق البروباغندا الإعلامية كما هو الحال مع العائلات التي تمتلك مؤسسات إعلامية ضخمة، مثل ألبيرق ودمير أورَن وكاليون التي تمتلك صحيفة (صباح) ومجموعة قنوات (إيه) والمعروفة بدعمها الكبير ودعايتها للعدالة والتنمية وأردوغان".

ويضيف: "ترى المعارضة أن هذه العائلات القابضة انتعشت في ظل العدالة والتنمية بفضل الدعم الذي تلقته من الحكومة على أساس المصالح المتبادلة".

ويلفت أريلي إلى أن "معظم هذه العائلات تملك موقفاً علنياً في دوائر السياسة وتقدم بشكل صريح دعمها المالي والإعلامي لحزب دون آخر، ومن الملاحظ مثلاً غياب الإعلانات الترويجية لمرشحي الشعب الجمهوري عن قنوات مثل (تي في نت) التي تملكها ألبيرق، وقنوات (إيه) التي تملكها كاليون، و(سي أن أن تورك) التي تملكها دمير أورَن".

الاصطفافات السياسية

بما أن جماعات الضغط في تركيا هي تكتلات واضحة المعالم، فإن آلية الوصول إليها أسهل في محاولة إقناعها بالاصطفاف والحصول على أكبر قدر من أصوات أتباعها ومنتسبيها. على صعيد "العدالة والتنمية"، فإن مرشحه لبلدية إسطنبول مراد كوروم أوضح، في فبراير/شباط الماضي، أنه "نطلب أصوات جميع إخوتنا الذين يعيشون في إسطنبول، وهذا يشمل الأكراد، واللاز، والشركس، والعلويين، والزازا. نريد أصوات الجماعات الدينية والأقليات".

كذلك زار كوروم كلا من "توصياد" و"موصياد" وممثلي عالم الأعمال، وتحدث معهم عن برنامجه الانتخابي ومشاريعه في مدينة إسطنبول، وطلب التعاون في هذا الصدد في حال فوزه بالانتخابات.

إلى جانب ذلك، هناك العديد من الأمثلة تشير إلى إيلاء الأهمية لأصوات الجماعات الدينية من قبل "العدالة والتنمية"، مثل مشاركة أردوغان في جنازة محمود أسطى عثمان أوغلو، زعيم جماعة إسماعيل آغا، وزيارة حسن أفندي، زعيمها الحالي، في منزله، وتقديم الدعم لجماعة "منزل".

ويبرز التنافس بين الأحزاب على توطيد العلاقة مع المؤسسات الاقتصادية والعائلات القابضة بصورة أوضح، لا سيما في مدينة إسطنبول. ومن الملاحظ زيارة أكرم إمام أوغلو جمعية "توصياد" في فبراير الماضي، وقد زارها أيضاً في حملته لانتخابات 2019، وبادرت الجمعية لتهنئته بعد فوزه آنذاك ببلدية إسطنبول.

لكن اللافت في هذه الانتخابات هو زيارة إمام أوغلو إلى جمعية "موصياد" وهي الأولى من نوعها له، وقد تحدث عن استعداده لتعزيز أطر التعاون المشترك خلال السنوات الخمس المقبلة في حال فوزه مجدداً برئاسة البلدية.