جريمة ذبح مدرس التاريخ الفرنسي: إدانة واسعة وتحريض يميني

17 أكتوبر 2020
الصورة
إدانات واسعة للجريمة تخللتها محاولات للتوظيف السياسي (Getty)

أثارت جريمة قتل المدرس الفرنسي صامويل باتي (47 عاماً)، أمس الجمعة، صدمة كبيرة لدى الفرنسيين، والمؤسسات التعليمية على وجه الخصوص، بعدما أقدم لاجئ روسي من أصول شيشانية يبلغ من العمر 18 عاماً على قطع رأس المدرس جراء قيامه بعرض صور كاريكاتورية للنبي محمد خلال درس حول حرية التعبير في فرنسا.

في اليوم التالي للجريمة، صدرت ردود فعل كثيرة، ركزت على إدانة الجريمة، لكن ذلك لم يمنع من محاولات توظيف سياسي للجريمة فضلاً عن مساعٍ للتحريض قادها اليمين.

وقال الاتحاد الوطني للتعليم الثانوي، في بيان، السبت، إنّ "هذا العمل المروع مرتبط بالاستخدام المستمر لرسوم (النبي) محمد الكارتونية كجزء من دورة تعليم أخلاقي ومدني. اليوم، المجتمع التعليمي بأكمله في حالة صدمة. نعبر عن التزامنا الثابت بحرية التعبير وهو واجب لن يستسلم للإرهاب أبداً".

كما  دانت معظم الجمعيات والمؤسسات التي تمثل المسلمين في فرنسا هذه الجريمة، وقال رئيس "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" في فرنسا محمد موسوي، في بيان، "نؤكد أمام كل من يبحث عن سبب لهذه الجريمة النكراء باستحضار رسوم نبي الإسلام، أنه لا يوجد شيء على الإطلاق يمكن أن يبرر سلب حياة شخص". 

كما أصدر "تجمع مسلمي فرنسا" بياناً قال فيه، إنّ ما حدث للمدرس "عمل بربري لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمثل الإسلام أو نبيه"، ووصف الجامع الكبير في ستراسبورغ الجريمة بأنها "عمل بربري، وحشية وغير إنسانية"، في حين أكد "اتحاد المسلمين في فرنسا" تمسكه "بحرية التعبير على الرغم من أنها قد تسيء إلى حساسيات أو قناعات معينة".

في المقابل، انتشرت  على وسائل التواصل الاجتماعي العديد من رسائل التحريض على المسلمين والمهاجرين في فرنسا، بالتزامن مع تظاهرة ضخمة نظمت في باريس وشارك بها الآلاف تضامناً مع اللاجئين والأشخاص الذين لا يمتلكون أوراقاً ثبوتية.

وتلك دعوات يغذيها اليمين المتطرف عبر تعليقات ممثليه، مثل رئيسة "التجمع الوطني" المتطرف مارين لوبان، التي اتهمت بشكل مبطن ذوي الطلاب الذين احتجوا على دروس معلم التاريخ بالمسؤولية عن مقتله. وقالت إنّ "الأستاذ الذي قطع رأسه في إيرانيي تلقى تهديدات بالقتل وضغطا غير مقبول من بعض الآباء. جعلوه هدفاً. تجب محاسبتهم على مسؤوليتهم الأخلاقية والقانونية". وفي تغريدة سابقة علقت فيها على تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "أن الظلاميين لن يمروا"، قالت "إنهم في مدارسنا"، في حين دعا رئيس الوزراء الأسبق مانويل فالس كل الصحف الفرنسية إلى إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية.

من جهته، رفض زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون، الاتهامات التي وجهت إلى "الإسلام والمسلمين" بعد الحادثة، وقال إنّ "القاتل يمثل نفسه فقط"، فيما أصدر حزبه لاحقاً بياناً جاء فيه: "من خلال هذا القتل الوحشي، فإن مدرسة الجمهورية هي بدورها هدف للإرهاب الإسلامي. هذه الجريمة التي تُرتكب باسم الله تطاول الملايين من إخواننا المواطنين الذين يرفضون ربط دينهم بمثل هذه الفظائع. إنه يرعب البلد كله. أكثر من أي وقت مضى، يجب استخدام الوسائل البشرية والمادية اللازمة لإنفاذ قوانين قمع الجريمة، ومحاربة الظلامية أينما جاءت ومنع المزيد من جرائم القتل. لا يمكن كسب هذه المعركة إلا بشرط وحدتنا التي لا تتزعزع. الأسوأ هو الخضوع للانقسامات التي يريد الإرهابيون خلقها".

وأجرت وسائل إعلام فرنسية عديدة مقابلات مع طلاب المستوى الرابع في المدارس الفرنسية (13 عاماً) كانوا طلاباً لدى المدرس الذي قتل، وأكدوا جميعهم أنه لم يظهر أبداً سلوكاً عنصرياً ضد المسلمين، فيما أكد طلاب سابقون حضروا صفوف هذا المدرس أنها لم تكن المرة الأولى التي يقوم فيها بعرض الرسوم الكاريكاتورية، وأكدوا أن الاحتجاجات على الرسوم كانت دائماً حاضرة لكن لم تصل إلى هذا المستوى من العنف الذي أودى بحياته.

صحيفة "لوموند" استطلعت رأي عدد من المدرسين حول الحادثة؛ ومنهم فرانسوا، وهو مدرس في المرحلة الثانوية في مدينة روبيه، الذي قال "قد تضطر إلى استخدام الرسوم الكاريكاتورية عند مناقشة الكفر والقانون، لكنني لا أرى فائدة من صدم الطلاب دون داع عندما لا تشعر أن ذلك ضرورياً".

فيما قالت كريستين جيمونيت، وهي معلمة في مدرسة ثانوية في مدينة بونتواز المجاورة لموقع الحادثة، والأمينة العامة لجمعية معلمي التاريخ والجغرافيا، إنّ "هناك أشياء ما في البرامج التعليمية.. والفجوات التي ننزلق فيها. من ناحيتي، غالباً ما أسأل الطلاب عن توقعاتهم، وما سمعوه، وما يريدون تعلم المزيد عنه". وتضيف "لا يتعلق الدين بالمؤمنين فقط: فأنا كثيراً ما أسمع طلاب المدارس الثانوية الذين يزعمون أنهم غير مؤمنين يشرحون لي أنه يجب أن تكون حريصاً على عدم ازدراء الأديان. هذا كل ما يجري على أرض المدرسة اليوم".

وتشهد فرنسا نقاشاً حاداً هذه الأيام في أعقاب الهجوم الذي نفذه لاجئ باكستاني واستهدف المقر القديم لمجلة "شارلي إيبدو" الساخرة، بعد إعادة نشرها صوراً كاريكاتورية للنبي بالتزامن مع المحاكمة الجارية في الهجوم الذي استهدفها عام 2015 وأودى بحياة 12 شخصاً من طاقم التحرير.

كما جاء خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل أسبوعين وطرحه مشروع قانون "محاربة النزعات الانفصالية" واتهامه الإسلام بأنه "دين يعيش أزمة في العالم" ويحاول فرض قوانينه الخاصة على الجمهورية، ليزيد من الطين بلة، حيث صدرت إدانات عديدة حول العالم لتصريحاته.

وفي هذا السياق، ذكّر كريستيان جاكوب زعيم "الحزب الجمهوري" في فرنسا، ماكرون بوجوب اتخاذ إجراءات حقيقية بدلاً من الكلام. وقال، في بيان، اليوم السبت "الخطب الكبيرة يجب أن تفسح المجال لقرارات كبيرة ضد الإرهاب الإسلامي"، فيما شدد رئيس تكتل الحزب الجمهوري في البرلمان الفرنسي داميان أباد على أن هذه المعركة لن تربح بالأقوال بل بالأفعال.

وأكثر من ذلك، وصل هذا النقاش إلى الصحف، فبعد مقال نشره رئيس "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" في صحيفة "لوموند" أعلن فيه دعم خطة ماكرون بشأن مشروع قانون "محاربة النزعات الانفصالية"، انتقد بيير نوبان لامبير، في "لوموند" أيضاً، بمقالة نشرتها الصحيفة في 9 أكتوبر/تشرين الأول "بعض الأفكار المزعجة" التي تعبر عنها مجلة "شارلي إيبدو"، وقال إنه لا يستطيع تفهم موقف "شارلي إيبدو" بـ"السخرية من النبي محمد الذي يعرف الجميع أنه يحظى باحترام كبير من قبل المسلمين كلهم".