بريطانيا بين تداعيات بريكست وعهد بايدن

23 يناير 2021
الصورة
تمتع جونسون بعلاقة استثنائية مع ترامب (Getty)
+ الخط -

تراقب بريطانيا باهتمام كبير التبدلات التي سيُدخلها وصول جو بايدن إلى المكتب البيضاوي، على السياسة العالمية، خصوصاً أنها أنهت للتو إجراءات خروجها من الاتحاد الأوروبي وبصدد التعامل مع النتائج الاقتصادية لذلك. وبعدما تمتع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بعلاقة استثنائية مع إدارة دونالد ترامب، قد يحتاج إلى بذل جهد إضافي لإنعاش العلاقة مع إدارة بايدن الديمقراطية على مدى السنوات الأربع المقبلة. الأمر الذي يطرح تساؤلات عن مدى تجاوب الرئيس الأميركي الجديد مع رؤية جونسون الخاصة لبريطانيا، لا سيما في القضايا العالقة بين الطرفين.

ولم يؤيد بايدن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي منذ كان يشغل منصب نائب الرئيس السابق باراك أوباما، وظهر ذلك عندما خرج أوباما وناشد المملكة المتحدة البقاء في الاتحاد الأوروبي بعد التصويت على الخروج عام 2016. وقال بايدن في وقت سابق عن اتفاق بريكست إنه "لا يتم بالطريقة التي كنا نفضّلها"، قبل أن يبدأ سلسلة من التغريدات، في سبتمبر/أيلول الماضي، ربط خلالها التأثيرات المحتملة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بصفقة تجارية مستقبلية. وكتب على "تويتر": "أي صفقة تجارية بين الولايات المتحدة وبريطانيا يجب أن تكون مشروطة باحترام اتفاقية الجمعة العظيمة التي جلبت السلام إلى أيرلندا الشمالية، ولن نسمح بأن تتراجع بنودها بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي". كما أعلن في ديسمبر/كانون الأول الماضي، تركيزه على بناء الصناعات داخل الولايات المتحدة أولاً قبل السعي لإبرام صفقات تجارية مع أي دول خارجية، قائلاً: "لن أدخل أي اتفاقية تجارية جديدة مع أي طرف حتى نقوم باستثمارات كبيرة داخل الوطن لعمالنا الأميركيين".

لم يؤيد بايدن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي منذ كان يشغل منصب نائب أوباما

ومع قرب حلول موعد استضافة بريطانيا لقمة مجموعة السبع في يونيو/حزيران المقبل، قد تكون القمة أولى جولات بايدن في دول المحيط الأطلسي. ويتشارك الجانبان البريطاني والأميركي الحذر بشأن الصين، كما أن فكرة جونسون حول دعوة مجموعة الديمقراطيات "D10" (مجموعة الدول السبع بالإضافة إلى كوريا الجنوبية والهند وأستراليا) اكتسبت بعض الصدى لدى فريق بايدن.
ولكن مصدراً في الخارجية الأميركية قال لصحيفة "فاينانشال تايمز" أول من أمس الخميس، إن بايدن لن يعطي الأولوية لاتفاق تجارة بين بريطانيا والولايات المتحدة خلال أول 100 يوم له في البيت الأبيض، مشيراً إلى أنه سيركز على القضايا المحلية، مثل الإغاثة من فيروس كورونا وتغير المناخ.
أما بالنسبة للعلاقة بين زعيمي الدولتين، فكان لجونسون علاقة قوية مع إدارة ترامب، حتى وقوع أحداث الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني الحالي، فيما تراجعت علاقته بفريق بايدن لأسباب عديدة، كان أولها تصريحات رئيس الحكومة البريطانية حول أوباما وأصوله الكينية عام 2016 حين شغل منصب عمدة لندن.

ولكن العلاقة بين جونسون وترامب لم تأت على بريطانيا بأي منفعة، كما يقول الأستاذ في قسم الدراسات الدولية في جامعة برمنغهام، آدم كويين لـ"العربي الجديد"، مضيفاً "علاقة بريطانيا الدافئة بترامب لم تمنع تدخله في السياسة البريطانية واتهامه المخابرات البريطانية بالتجسس عليه، كما لم يُقدّم معروفاً يُذكر لبريطانيا عندما تعلّق الأمر بالمفاوضات حول صفقة تجارية بين البلدين".
ويشير إلى أن "بريطانيا ظلت الحليف الأكثر موثوقية للولايات المتحدة في شؤون الدفاع منذ عقود، وتعاون البلدان بشكل وثيق خلال السياقات الدبلوماسية الدولية في الدفاع والمخابرات، كما أن مستوى تغلغلهما الثقافي مرتفع بشكل استثنائي بمساعدة لغة مشتركة"، مستدركاً "قد يضطر جونسون للبدء من الصفر، إذ قد يمنح بايدن الأولوية للعلاقات مع بروكسل والاتحاد الأوروبي". ويلفت إلى أنه حين شغل بايدن منصب نائب أوباما، تمتعت الإدارة الأميركية حينها بعلاقة ممتازة مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، متوقعاً أن يحذو بايدن النهج نفسه في اعتبار ألمانيا أكبر صديق له في دول المحيط الأطلسي.

قد يمنح بايدن الأولوية للعلاقات مع بروكسل والاتحاد الأوروبي

في السياق نفسه، من المرجح أن يتنفس أعضاء حلف شمال الأطلسي الصعداء بعد مغادرة ترامب الحكم، وأن تشهد السياسة الأميركية تحولاً تجاه الحلف، بحسب أستاذ السياسة في جامعة يورك البريطانية مارتن سميث، بعدما كان ترامب قد وصف الأطلسي في أكثر من موقف سابق بأنه "حلف عفا عليه الزمن"، ولم ينفك عن انتقاده طوال فترة رئاسته. ويتوقع سميث، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن تعود الولايات المتحدة للمساهمة بشكل أكبر في ميزانيات الدفاع للحلف، قائلاً إن القمة المقبلة للأطلسي ستمنح بايدن "منصة لإعادة أوروبا وأميركا الشمالية معاً، وستمثل فرصة لإعادة رسم السياسات مع الولايات المتحدة بعد سنوات من تعنّت ترامب".
وفي وقت سابق من شهر يناير/كانون الثاني الحالي، قال بايدن لصحيفة "ذا تلغراف"، إن "بريطانيا ما تزال في علاقة خاصة مع أميركا"، ورفض طريقة سلفه ترامب في الحديث عن الأطلسي وأوروبا.

ملف آخر يحضر في العلاقة البريطانية الأميركية، وهو الاتفاق النووي مع إيران الذي أعلن ترامب انسحاب بلاده منه في مايو/أيار 2018، لكن لا تزال بريطانيا، إلى جانب فرنسا وألمانيا والصين وروسيا، من الدول الموقّعة على الاتفاق.
وعن ذلك، يقول أستاذ السياسة الأوروبية في جامعة كينغز كوليدج في لندن، أناند مينون، لـ"العربي الجديد"، إن "إدارة بايدن ستكون أكثر انفتاحاً بعكس ترامب الذي حارب التعددية السياسية، وسعى لفرض أجندته (أميركا أولاً) بالإضافة إلى موقفه المتناقض تجاه روسيا وكرهه للاتفاق النووي الإيراني وتوقيعه عقوبات مجحفة على إيران". ويضيف: "أظهر جونسون اهتماماً ضئيلاً لمناقشة التعاون الخارجي والأمني المستقبلي خلال مفاوضات بريكست، لكن إذا كان جاداً في التعامل مع الأنظمة الاستبدادية مثل روسيا والصين ومنع مشروع إيران النووي فستكون الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيون على الطاولة".

أما عن ملف تغير المناخ، فجاء موقف بايدن مناقضاً لسلفه، ليعيد سريعاً الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس للمناخ. ورحبت حكومة جونسون بعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاقية ودعتها لحضور مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، الذي تستضيفه بريطانيا في مدينة غلاسكو الاسكتلندية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبلة. وفي تغريدة تهنئة إلى بايدن، وصف جونسون تغير المناخ بأنه أحد "الأولويات المشتركة".

المساهمون