السودان... توهان الوساطة

السودان... توهان الوساطة

24 مايو 2022
جاء موقف البعثة الأممية ورئيسها مخيباً لآمال السودانيين (محمود حجاج/الأناضول)
+ الخط -

لم يكن سرّاً لأي متابع للأوضاع السياسية في السودان، قبل تاريخ 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أن المكون العسكري في السلطة الانتقالية بقيادة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يخطط للإطاحة بالمكون المدني، والهيمنة على السلطة، ومصادرة كل ما أنجزته الثورة السودانية في عامين.

بعثة الأمم المتحدة التي أنشئت في عام 2020 بالأساس من قبل مجلس الأمن الدولي لحماية الانتقال الديمقراطي في السودان، اكتفت بالفرجة على مخطط العسكر، ولم تحرك ساكناً لمنع وقوع الانقلاب على التحول الديمقراطي الذي جاءت لحمايته، واكتفى رئيسها ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة فولكر بيرتس باجتماعات لا قيمة لها مع الأطراف السودانية، وبتصريحات لا تزيد على حثّ العسكريين والمدنيين داخل السلطة الانتقالية على الحوار. حتى تقاريره إلى مجلس الأمن لم تقيّم الوضع بالوجه الصحيح ولم تدق أجراس إنذار واضحة.

في 25 أكتوبر الماضي، وقع الانقلاب العسكري، واحتكر السلطة كاملة ومارس منذ يومه الأول، أبشع الانتهاكات من قتل واعتقالات وتعذيب وحرمان للسودانيين من حقهم المشروع في التجمع والتعبير والتنظيم.

ومع ذلك، عادت البعثة الدولية إلى الأسطوانة المشروخة بإصدار بيانات الشجب والإدانة (ونحث وندعو ونطالب...)، وترددت كثيراً حتى في توصيف ما حدث بأنه انقلاب عسكري. وحينما فعلت ذلك، فعلته تحت ضغط الشارع والأحزاب والتيارات المناهضة للانقلاب. وعلى العموم، جاء موقف البعثة الأممية ورئيسها مخيباً لآمال السودانيين الذين ظنوا أن البعثة جاءت فعلاً لحماية ثورتهم وتحول دولتهم نحو الديمقراطية والمدنية.

في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وقّع رئيس الوزراء في ذلك الحين عبد الله حمدوك اتفاقاً مع قائد الانقلاب أقل ما يقال عنه إنه يشرعن الانقلاب وخطوة لامتصاص غضب الشارع. لكن على العكس ضاعف الاتفاق لهيب الثورة ضد الانقلاب ووقفت كل قوى الثورة ضده، فيما ساندته بعثة الأمم المتحدة دون اكتراث للموقف الشعبي الثوري منه، وذهبت أبعد من ذلك بالخروج لتلك البضاعة الفاسدة، وضغطت على أحزاب معارضة للقبول به وتأييده.

في النهاية، فشل اتفاق البرهان - حمدوك، واستقال الأخير من منصبه كرئيس للوزراء في الثاني من يناير/ كانون الثاني الماضي لشعوره بالعزلة السياسية وإخفاقه في إنهاء الأزمة، أو على الأقل وقف نزيف الدم في الشوارع.

البعثة الدولية، وبدلاً من أن تستفيد من أخطائها ومواقفها البعيدة عن مطالب الثورة والثوار، جاءت مرة أخرى، بعد نحو أسبوع من استقالة حمدوك، وتقدمت بمبادرة سياسية خجولة دشنتها في مرحلة أولى بإجراء مشاورات سياسية استمرت أسابيع عدة مع أطراف الأزمة السياسية، عدا حزب المؤتمر الوطني، حزب المخلوع عمر البشير. وقبل أن تكتمل المرحلة تلك، استجابت البعثة لضغط العسكر لإشراك الاتحاد الأفريقي، ثم شاركت بطريقة غير مفهومة في المبادرة، منظمة التنمية الحكومية (إيغاد)، لتتحول المبادرة في النهاية إلى مبادرة ثلاثية من الأطراف الثلاثة.

في 12 مايو/ أيار الحالي، كان من المقرر أن تبدأ مرحلة تفاوض مباشر بين المدنيين وحدهم، وهي المرحلة التي رفضت قوى "إعلان الحرية والتغيير" ولجان المقاومة وكل الأحزاب المناهضة للانقلاب المشاركة فيها، فاضطرت الآلية الثلاثية لتأجيلها والعودة إلى طريقة الحوار غير المباشر.

والآن تسير تلك المشاورات ببطء شديد، ولا تحقق أي تقدم، بل لا تعطي أملاً بنجاحها في المستقبل، وذلك لسبب بسيط وواضح هو هروب البعثة الدولية ورئيسها فولكر بيرتس ومعه بقية الوسطاء من الاتحاد الأفريقي ومنظمة "إيغاد"، من وضع التوصيف الحقيقي للأزمة ومسببها الوحيد، وهو الانقلاب العسكري لقائد الجيش.

وبالتالي يتضح طريق الحل بإقناع الانقلابيين، رغبة ورهبة، بالتراجع عن كل ما اتخذوه من إجراءات انقلابية والاستجابة إلى صوت الشعب بالعودة إلى ثكناتهم ووقف القمع والتنكيل بالثوار، ورفع حال الطوارئ، وبعد ذلك يحق للوسطاء التفكير في مساعدة السودانيين على الحوار لإزالة مخلفات الأزمة، والقفز نحو إكمال الفترة الانتقالية وصولاً إلى الانتخابات العامة.

بغير ذلك، فإن بعثة الأمم المتحدة والآلية الثلاثية جمعاء، ستغرق البلاد في حوار عبثي أطرافه غير معرّفة بشكل واضح، ولا موضوعاته، وسيكون حواراً عبثياً، وستلقى دون شك نتائجه المصير ذاته الذي لقيه اتفاق البرهان - حمدوك.

المساهمون