الجولة الرابعة من الدستورية السورية: مراوغات النظام تمنع التقدم

05 ديسمبر 2020
الصورة
لم تنجح مساعي بيدرسن رغم جولاته المكوكية (فابريس كوفريني/فرانس برس)
+ الخط -

لم تحقق الجولة الرابعة من اجتماعات اللجنة الدستورية السورية، التي أنهت أعمالها مساء أمس الجمعة في مدينة جنيف السويسرية، اختراقاً في المناقشات، لا سيما لجهة الدخول جدّياً بنقاش المضامين الدستورية في طريق صياغة دستور جديد للبلاد. إذ اختلق النظام السوري عراقيل إضافية زجّها في طريق تقدّم أعمال اللجنة، والوصول إلى مناقشة البنود الأساسية والرئيسية للدستور. فبعدما عطّل النظام الجولات السابقة بحجة تقديم مناقشة ما سماها "المبادئ والثوابت الوطنية" و"الهوية الوطنية"، عاد في هذه الجولة ليزج مسألة "فكّ الحصار" عنه، ورفع العقوبات وملف عودة اللاجئين وإعادة الإعمار و"مكافحة الإرهاب"، كملفات يتطلب بحثها ضمن "المبادئ والثوابت الوطنية" قبل الدخول بمناقشة مضامين الدستور الرئيسية.

اختلق النظام السوري عراقيل إضافية زجّها في طريق تقدّم أعمال اللجنة

واختتمت يوم أمس أعمال الجولة الرابعة من اجتماعات اللجنة الدستورية، بعد 5 أيام من المناقشات والاجتماعات على مستوى الهيئة المصغرة للجنة، لكل من وفود النظام والمعارضة والمجتمع المدني، من دون تقدم ملحوظ في جدول الأعمال. وطرح النظام ثمانية "مبادئ وطنية"، في مقدمتها مسألة عودة اللاجئين، وذلك بعد المؤتمر الذي عقد في دمشق برعاية وتنظيم روسيين حول ما سُمّي بـ"مؤتمر اللاجئين السوريين"، وسط مقاطعة غربية ودولية، نظراً لاتهام روسيا والنظام من قبل دول غربية في مقدمتها الولايات المتحدة، باستغلال ملف اللاجئين الإنساني وجعله مساراً جديداً ضمن الأزمة السورية. وترى هذه الدول أن النظام والروس يهدفون إلى تعطيل الحل واللعب على الوقت، وصولاً للانتخابات الرئاسية والتجديد لبشار الأسد، لولاية رئاسية جديدة.

تقارير دولية
التحديثات الحية

وقابل وفد المعارضة مقترحات النظام، بالتركيز على حلّ ملف المعتقلين والمختفين قسرياً وإنهاء حالات الاختطاف والاعتقال، بالإشارة إلى أن ملف عودة اللاجئين مرتبط بالحل السياسي بموجب المرجعيات الأممية وقرار مجلس الأمن الدولي 2254 لعام 2015.
ولخّص وفد النظام المبادئ الرسمية وهي ثمانية مبادئ، بوصفها بـ"الوطنية"، في الجلسة الأولى من محادثات اللجنة الدستورية السورية بيومها الرابع. وتشمل المبادئ "مكافحة الإرهاب ومسبباته، إدانة الدول الداعمة له، التعويض عن الضرر المادي والمعنوي، إدانة الاحتلال الأجنبي، تجريم كل من يتعامل معه، دعم الجيش السوري في الدفاع عن الوطن، والرفض التام لكل المشاريع الانفصالية". وبحسب وكالة "سانا" الرسمية التابعة للنظام التي نقلت تلك المبادئ عن وفد النظام، فإن "الهوية الوطنية الجامعة والانتماء الوطني فوق الانتماءات الأخرى، واعتبار اسم الجمهورية العربية السورية واللغة العربية والانتماء إلى الوطن وحماية وحدة البلاد واحترام رموز الدولة (العلم والنشيد) محددات أساسية لهذه الهوية"، إضافة إلى "تشجيع اللاجئين على العودة الطوعية والآمنة، ومطالبة المجتمع الدولي بدعم جهود الحكومة في هذا الصدد، وادانة الاستخدام السياسي لهذا الملف".

وقال الرئيس المشترك لوفد المعارضة في اللجنة الدستورية، هادي البحرة، في سلسلة تغريدات على "تويتر": "نبحث قضايا النازحين واللاجئين في اللجنة الدستورية فقط من باب الأحكام الانتقالية التي ستراعى ضمن القضايا التي عادة لا توجد في الدستور الدائم للدولة". وأشار إلى أنه "في ما يخص العدالة الانتقالية، وحقوق اللاجئين والنازحين في العودة إلى أوطانهم الأصلية، والحفاظ على أملاكهم، وتعويضهم، وجبر الضرر، والتعامل مع المصابين والمعاقين والمغيبين قسرياً خلال فترة الحرب وغيرها، وذلك كضمانة دستورية لا أكثر"، مشيراً كذلك إلى أنه "من دون وجود الحل السياسي، من الصعب إقناع السوريين بالعودة، ونحن نرى صعوبة الوضع بالنسبة للسوريين داخل المناطق السورية".
وأكد البحرة أن وفد المعارضة "قدّم عدداً من المبادئ التي تتعلق بالسيادة الوطنية واستقلال القضاء والعدالة الانتقالية وناقش بعضهم عودة اللاجئين، من باب أن ذلك ليس من بين اختصاصات اللجنة، سوى من جانب التبعات الدستورية". وأضاف: "إلا أن اللجنة الدستورية محددة التفويض، وليس منوطاً بها خوض نقاشات إعلامية، أو إصدار مواقف سياسية، وينحصر طرح اللجنة بخصوص المواد الدستورية التي يمكن وضعها لضمان حقوق اللاجئين، وعدم تكرار المأساة السورية في المستقبل، فيما يخص الاعتقال التعسفي، والاعتقال دون محاكمات، والتغييب القسري". واعتبر أن "القضايا الإنسانية يجب ألا تكون محل تفاوض، ولها الأولوية الأولى بالنسبة لأبناء شعبنا السوري، وبالتالي فإن قضية اللاجئين والنازحين، وقضية المعتقلين والمغيبين قسرياً والمساعدات الغذائية والطبية، وكل هذه القضايا تهمنا فعلياً نحن أبناء هذا الشعب".
وشدّد البحرة على أن "القضايا السياسية تقع ضمن نطاق عمل هيئة التفاوض السورية، التي يمكن أن تتفاوض بهذا الشأن بالتوازي مع عمل اللجنة الدستورية، وفي اللحظة المناسبة التي تتوافر فيها الإرادة الدولية الكافية لتفعيل المفاوضات بشأن السلال الأربع التي يشملها قرار مجلس الأمن رقم 2254، وبالتالي، فإن إطار التفويض لهذه اللجنة محدد ونوعية العمل محصورة في تلك الجزئية، إذ إن الدستور هو أحد أربع سلال ضمن قرار مجلس الأمن رقم 2254".

من جهته، قال عضو اللجنة عن القائمة الموسعة للمعارضة إبراهيم الجباوي، في معرض تقييم أعمال الجولة الرابعة، إن "الجولة لا تحتاج تقييماً يذكر لأنها لم تبحث في المضامين الدستورية، واقتصرت نقاشاتها على طرح أفكار من قبل كافة الأفرقاء". وأضاف الجباوي في حديث لـ"العربي الجديد" أنه "من المحزن أن فريق النظام جاء إلى الجولة فارغ الوفاض، ويبدو أنه غير مخول بطرح أفكار دستورية، لأن طروحاته اقتصرت على موضوع مؤتمر اللاجئين الفاشل الذي عقد مؤخراً في دمشق، وعلى مسألتي إعادة الإعمار ورفع العقوبات"، مؤكداً أن "وفد قوى الثورة طرح مفاهيم وأفكاراً من صلب الدستور المأمول، كالنظام السياسي للدولة السورية المستقبلية والنظام الاقتصادي وكذلك الاجتماعي والحريات والحقوق والواجبات وغيرها".

الجولة الخامسة ستكون محطة مفصلية في مسيرة اللجنة

وعلى الرغم من الجولات المكوكية التي قام بها المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسن متنقلاً بين عواصم صنع القرار في الملف السوري قبل انطلاق الجولة بهدف إنجاحها، ولا سيما لقاؤه حلفاء النظام من خلال عدد من المسؤولين الإيرانيين والروس، بهدف الضغط على النظام للدخول جدياً بمناقشة المضامين الدستورية، إلا أنه من الواضح أن مساعيه لم تتكلل بالنجاح، وذلك بالاطلاع خلال نتائج الجولة الرابعة.

وستتجه الأنظار نحو الجولة الخامسة من أعمال اللجنة الدستورية، المقرر عقدها في يناير/ كانون الثاني من العام المقبل، من دون تحديد موعد دقيق، والتي توصّل المبعوث الأممي مع الأطراف إلى أن جدولها سيناقش مضامين الدستور بشكل مباشر، كما أعلن البحرة في تصريح سابق لـ"العربي الجديد". وأكد البحرة أن الجولة المقبلة ستتطرق لـ"المبادئ الأساسية في الدستور، بأنها عبارة عن فصل كامل من الدستور، وتتضمن المبادئ السياسية والمبادئ الثقافية والمبادئ الاقتصادية وسيتطلب نقاشها أكثر من دورة".
وبناء على سياسة المماطلة والإغراق في التفاصيل التي استمر النظام باتّباعها خلال الجولة الرابعة، فمن غير المتوقع تسجيل انفراج أو اختراق في أعمال الجولة المقبلة ببحث المضامين الدستورية جدّياً. ويشير مراقبون لسير أعمال اللجنة، إلى أن الجولة الخامسة ستكون محطة مفصلية في مسيرة اللجنة، إذ ستنكشف النوايا الحقيقية لكل الوفود، وفي مقدمتهم وفد النظام، في ما إذا كان سيضطلع في نقاش مضامين الدستور، وبالتالي المتابعة في أعمال الجنة، أو استمرار في سياسية التعطيل والمماطلة والإغراق بالتفاصيل، ما سيعني أن اللجنة قد تسجل فشلها، بحسب المتوقع.

تقارير عربية
التحديثات الحية

المساهمون