الجلاء الأميركي الكبير بين سايغون وكابول

الجلاء الأميركي الكبير بين سايغون وكابول

16 اغسطس 2021
يبقى الوضع معقداً في العاصمة الأفغانية كابول (بولا برونستين/Getty)
+ الخط -

صورة مروحية أميركية تقوم بعملية إجلاء من سطح بناية في العاصمة الأفغانية، كابول، يوم الجمعة الماضي، في الثالث عشر من شهر أغسطس/آب الحالي، أعادت إلى الأذهان صور عمليات مشابهة قامت بها القوات الأميركية من عاصمة فيتنام الجنوبية، سايغون، عشية سقوطها بيد "الفيتكونغ"، والتي عرفت باسم عملية "الرياح المتكررة"، وتم في إطارها إجلاء أكثر من سبعة آلاف مدني فيتنامي من سايغون في 29 و30 إبريل/نيسان عام 1975 بمروحيات أميركية إلى السفن الراسية في البحر. وذهبت وسائل الإعلام العالمية إلى الربط بين العمليتين، بعدما أعلنت الولايات المتحدة يوم الخميس الماضي، تقليص الوجود الدبلوماسي الأميركي في كابول بشكل أكبر في ضوء التطورات الأمنية. وقال المتحدث باسم البنتاغون، جون كيربي، إن وزارة الدفاع الأميركية قررت لتحقيق ذلك، نشر ثلاثة آلاف جندي في مطار كابول، وألف جندي في قطر للدعم التقني واللوجستي، وفي حدود أربعة آلاف في الكويت لمواجهة أي تدهور.

بذلت إدارة بايدن منذ الإعلان عن الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية من أفغانستان، أقصى جهودها لتجنب أي مقارنة مع فيتنام

حرّكت الصور جملة من ردّات الفعل، أبرزها من طرف زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأميركي، ميتش ماكونيل، الذي رأى أن "قرارات الرئيس جو بايدن تدفعنا إلى نتيجة أسوأ حتى من السقوط المهين لسايغون في عام 1975". وردّ الرئيس الأميركي بأن إمكانية المقارنة معدومة بين الرحيل من أفغانستان والنهاية البائسة للحرب في فيتنام. وأضاف "لن يكون هناك من يجب إجلاؤه جواً من سطح سفارة أميركية في أفغانستان. لا يمكن المقارنة على الإطلاق". ولكن رئيس الأركان الأميركي الجنرال مارك مايلي، بقي متشككا: "قد أكون مخطئاً. لا يمكننا التنبؤ بالمستقبل، لكنني لا أرى سايغون 1975 في أفغانستان". وأضاف أن عناصر "طالبان ليسوا جيش فيتنام الشمالية".

إدارة بايدن بذلت، منذ الإعلان في منتصف إبريل/نيسان الماضي، عن الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية من أفغانستان بحلول 11 سبتمبر/ أيلول المقبل، أقصى جهودها لتجنب أي مقارنة مع فيتنام. وفي حين تنصب انتقادات الجمهوريين على الإدارة الحالية، فإنه يتم القفز على حقيقة أن قرار الانسحاب من أفغانستان اتُخذ في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، الذي وقع اتفاق الانسحاب مع حركة "طالبان"، وتبناه بايدن. ما يعني أن هناك إجماعاً أميركياً على أن هذا الانسحاب بات مصلحة أميركية.

وهناك آراء تعتبر أن خلفية هذا الإجماع تقوم على رؤية تحويل أفغانستان و"طالبان" من مشكلة أميركية، إلى مشكلة للصين وروسيا وإيران، وذلك من منطلق أن الفراغ الذي سيخلفه انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، سيشكل تحدياً سياسياً وعسكرياً لدول المنطقة المحيطة بأفغانستان وباكستان. وقد يتسرب اندلاع الصراع الداخلي بين "طالبان" والحكومة الحالية في كابول، إلى خارج حدود أفغانستان، الأمر الذي سينعكس على النشاط الإرهابي الإقليمي والعالمي، وهو تهديد محتمل يتطلب استعدادات من قبل دول الجوار وخارجها، مع أن الاتفاق بين واشنطن و"طالبان" نصّ على أن الحركة الأفغانية ستمنع وجود تنظيم "القاعدة" في أفغانستان، أو عمله من أراضيها ضد الولايات المتحدة، وستمنع تنظيم "داعش" في خراسان.

محادثات السلام في الدوحة بين الولايات المتحدة و"طالبان"، قادت إلى اتفاق ينص على انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان بحلول فبراير/شباط 2021، واشترط أن تجري "طالبان" محادثات مع الحكومة الأفغانية في كابول بشأن التعاون في إدارة الدولة. وأعلن بايدن، على الرغم من تأجيله الانسحاب لمدة نصف عام، التزاماً بالاتفاق، وضرب موعد نهاية أغسطس /آب 2021 لاستكمال انسحاب القوات الأميركية. وحتى العاشر من الشهر الحالي، تم إخلاء قرابة 95 في المئة من القواعد والقوات الأميركية في أفغانستان.

وكلما تقدمت عملية الرحيل الأميركية من أفغانستان، تتعاظم المخاوف الأميركية من شبح لعنة أن يكرر التاريخ نفسه بين كابول وسايغون، وذلك من خلال جملة من المعطيات، أبرزها عناصر التلاقي بين "الفيتكونغ" (الشيوعيين الفيتناميين) في حربهم ضد القوات الأميركية، وحركة "طالبان"، مع الاختلاف السياسي الجذري بينهما: الأولى ماركسية والثانية إسلامية. وأهم عناصر التلاقي هو أن هدف "الفيتكونغ" الحقيقي، لم يكن الانتصار في معركة هنا أو أخرى هناك، وإنما كانوا يطمحون إلى تكريس فشل الأميركيين في إيجاد استراتيجية ناجحة، وفشل الفيتناميين الجنوبيين في بناء دولة بمساعدة واشنطن. وهذا ما تريد "طالبان" إبرازه في كل يوم، بإظهار فشل الغزو الأميركي لأفغانستان الذي طردها من الحكم، وقوّض تجربتها قبل 20 عاما.

والعنصر الثاني، هو أن الفيتناميين، على الرغم من الفوضى التي عصفت ببلادهم، ظلّوا من أكثر الشعوب إحساساً بكونهم أمة واحدة، ذات مقومات مشتركة، وشخصية مميزة تحمل كل معالم التفرد دون شعوب الهند الصينية قاطبة، وهذا ما نلاحظه لدى الأفغان أيضاً، على الرغم من اختلاف مرجعياتهم الدينية والقبلية. ويكمن العنصر الثالث، في أن الهزيمة العسكرية الأميركية في فيتنام كانت ذات مفعول سياسي، ولو أن واشنطن ربحت الحرب في حينه وهزمت الفيتناميين عسكريا، لم يكن ليفيدها ذلك، لأنه لا يمكن أن يترجم إلى نصر سياسي في حينه، بسبب الخسائر البشرية الفادحة والتورط في حرب عبثية.

وبدا أن فيتنام بعد أكثر من عشرين سنة وهي تحارب، قادرة على الاستمرار في الحرب، لأنها اعتادت الأزمات والحرب. ولم تكن الحرب عادية بالمعنيين السياسي والعسكري، بل حرب تخريب وحرب عصابات وحرب شعارات سياسية. العدو في كل مكان. كانت حرباً طويلة مثل وعاء ينقط فوق طاولة، كلما مسحت الطاولة نزلت نقطة ماء جديدة، ولا أحد يعرف متى سينقطع تقاطر الماء ما دمنا لا نعرف إذا كان الوعاء فارغاً أم لا.

تريد "طالبان" كل يوم، إظهار فشل الغزو الأميركي الذي طردها من الحكم، وقوّض تجربتها قبل 20 عاماً

هكذا كانت الحرب في فيتنام حينذاك، وعلى نفس المنوال في أفغانستان اليوم. إنها حرب خفية. حرب تسلل وليست حرباً واضحة، كحرب كوريا مثلاً حيث جرى اعتداء واضح قطعت فيه القوات الكورية الشمالية والصينية خط العرض 38 إلى كوريا الجنوبية. إنها حرب من طراز جديد. هناك أناسٌ في الخارج ينادون بأن يترك الأفغان لشأنهم، بينما يدعو الرئيس الأفغاني أشرف غني الأصدقاء الأميركيين وحلف شمال الأطلسي أن يدافعوا عن حكمه، ولا ينفك يؤكد أن ما يدور في أفغانستان ليست حرباً أهلية كما يحاولون أن يصوروها في الخارج. صحيح أنها حرب بين الأفغان وهم شعب واحد أصلاً، إنما هي حرب بين الدولة التي اعترفت بها الأمم المتحدة، وبين حركة صنفها العالم على لوائح الإرهاب وحاربها حلف الأطلسي لمدة عقدين.

كل من الحربين في فيتنام وأفغانستان دامت عشرين عاما. فيتنام من الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1955 حتى 30 إبريل 1975، وأفغانستان بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2001 بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، وآخر جندي سوف ينسحب في مطلع سبتمبر المقبل.

سقوط كابول وسقوط سايغون له نفس الوقع، بينما جيش "طالبان" ليس جيش فيتنام الشمالية، وهذا ما يترك الصراع مفتوحاً، لأن "طالبان" لم تلتزم باتفاق تشكيل حكومة تعددية، مع أن مخرجات اجتماعات الدوحة كانت تقوم على توافقات. وفي كافة السيناريوهات، لم تكن الولايات المتحدة تظن أنها ستجد نفسها في مأزق كبير يجعلها تعاود إرسال قواتها من جديد بهدف تأمين انسحاب دبلوماسييها، وصارت اليوم أمام أحد خيارين صعبين: تمديد وجودها، أو الرحيل بشروط "طالبان" التي تتقدم على الأرض في كافة المناطق بسرعة سحرية.
وتبقى العاصمة كابول لغزاً. الوضع معقد هناك، وتبدو كابول مثل لقمة كبيرة لن يكون في وسع "طالبان" ابتلاعها بسهولة. هذه المحطة التي تحكمها الحكومة الشرعية، تتمركز فيها كل مليشيات أمراء الحرب المستعدين للقتال من أجل الدفاع عن مصالحهم، ما يشكل فاتحة حرب جديدة قد تمتد إلى سنوات عدة، وستتطاير شظاياها بعيداً عن واشنطن.

المساهمون