الجزائر تتجاهل خطوات ماكرون إزاء ملف الذاكرة

الجزائر تتجاهل خطوات ماكرون إزاء ملف الذاكرة

27 يناير 2022
ماكرون متحدثاً أمس الأربعاء أمام جمعيات تمثل "الأقدام السوداء" (لودوفيك ماران/فرانس برس)
+ الخط -

لا تبدو السلطات الجزائرية منشغلة بالخطوات التي يقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن قضايا وقائع تخص فترة ثورة التحرير الجزائرية، إذ لم تعلق الحكومة والرسميون على مصادقة البرلمان الفرنسي على قانون يقر بحقوق مادية ومعنوية لمصلحة "الحركى" (عملاء تعاونوا مع الجيش الفرنسي زمن ثورة التحرير الجزائرية 1954-1962)، كما لم ترد على مطالبة ماكرون بالاعتراف بأحداث وهران غربي الجزائر عشية الاستقلال في يوليو/تموز 1962 ضد المعمرين الأوروبيين.

وتجاهلت الجزائر، مصادقة مجلس الشيوخ الفرنسي، فجر الأربعاء، على مشروع قانون يطلب "الاعتذار" من الحركى الجزائريين، الذين تخلت عنهم فرنسا بعد حرب التحرير الجزائرية 1954-1962، ويصبو القانون إلى محاولة جبر ما لحقهم من أضرار ومعاناة. وجاء المشروع بمبادرة من الرئيس إيمانويل ماكرون، أطلقها في 20 سبتمبر/أيلول من العام الماضي.

وينص القانون على جبر الضرر، من خلال تقديم مبلغ من المال بحسب مدة الإقامة في هذه الهياكل. وتقدر الحكومة الفرنسية عدد المستفيدين المحتملين بخمسين ألف شخص بتكلفة إجمالية قدرها 302 مليون يورو على مدى ست سنوات تقريباً.

وترفض السلطات الجزائرية التعليق على هذه التطورات، لسبب أنها تعتبر أن الأمر فرنسي داخلي ولا يخص الجزائر، وأن ما تقوم به باريس إزاء الحركى، بصفتهم مواطنين فرنسيين ليست لهم أية علاقة بالجزائر، حتى ولو كانت أصولهم جزائرية. وهذا الموقف توصلت إليه السلطات الجزائرية في وقت سابق.

استغلال انتخابي

وترى تفسيرات سياسية كثيرة، في الجزائر كما في فرنسا، الخطوة الفرنسية دعاية انتخابية من قبل ماكرون لاستقطاب أصوات الناخبين من كتلة اليمين المعادية لمصالحات الذاكرات مع الجزائر.

وعلى خط مواز، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأربعاء، أمام جمعيات تمثل فرنسيين ولدوا في الجزائر خلال فترة الاستعمار ثم انتقلوا إلى وطنهم الأم بعد الاستقلال، إن أحداث شارع إيسلي بالجزائر العاصمة في آذار/مارس بعام 1962 والتي قتل خلالها الجيش الفرنسي عشرات من أنصار الجزائر الفرنسية هي "لا تغتفر بالنسبة للجمهورية" الفرنسية. كما رأى أن "مجزرة 5 يوليو/تموز 1962" في وهران التي ارتكبت قبيل ساعات من إعلان الاستقلال والتي ذهب ضحيتها "مئات الأوروبيين، وبالدرجة الأولى من الفرنسيون"، يجب أن "يتم الاعتراف بها".

انحياز لليمين المتطرف

وفي الشأن نفسه، وصف المؤرخ رابح لونيسي إحياء ماكرون لأحداث شارع إيسلي (العربي بن مهيدي حالياً) بأنه "أمر غريب" بعض الشيء، لعدم وجود سياقات أو مطالبات بذلك.

واعتبر لونيسي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الأمر "يؤكد انحياز الرئيس الفرنسي إلى طروحات اليمين المعادي لاستقلال الجزائر".

وقال: "أمر غريب إحياء ماكرون لأحداث شارع إيسلي التي وقعت في مارس 1962، أي في غير تاريخه"، مشيراً إلى أن "الحديث عن ذلك اليوم له دلالة إحصائية أخرى، وهي اشتباكات المتاريس بين 24 يناير/كانون الثاني و29 يناير 1960 التي قام بها غلاة المعمرين بالتواطؤ مع عناصر في الجيش الفرنسي بهدف إسقاط الرئيس آنذاك شارل ديغول، وهذا يعني أن ماكرون يدين ديغول ويؤيد أنصار الجزائر الفرنسية باختياره هذا التاريخ".

ورأى أنه "مطالبة الرئيس الفرنسي للحكومة الجزائرية بكشف حقائق الوقائع التي حدثت ضد المعمرين الأوروبيين في يوليو 1962 عشية استقلال الجزائر، والتي قتل خلالها عدد من الفرنسيين والأوروبيين، وتحمل السلطات الفرنسية قوات جبهة التحرير الوطني الجزائرية مسؤولية تنفيذها؛ تدخل في سياق الانحياز الفرنسي ذاته لجهة اليمين، الذي يعيش خصومة سياسية وتاريخية مع الجزائر، خاصة في ملف الذاكرة".

وأوضح أن "الطرف الجزائري كان حينها في صورة (حركة تحرر) وليس سلطة رسمية قائمة، وهو مسعى فرنسي نحو تشكيل إحراج سياسي للسلطات الجزائرية إزاء بعض الوقائع التي تطالب باريس الجانب الجزائري بتقديم اعترافات بها، على غرار ملف المفقودين الفرنسيين خلال الثورة التحريرية، في مقابل استمرار الجانب الجزائري في سلسلة مطالبات تخص استعادة الأرشيف وباقي جماجم المقاومين وخرائط الألغام وملف التفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية".

دبلوماسية الهجوم

وتعليقاً على إثارة الرئيس ماكرون للمرة الأولى لما يوصف بـ"أحداث وهران"، قال المؤرخ رابح لونيسي إن "باريس تحاول تضخيم أحداث وهران وهذه مغالطة ومحاولة تضخيم لأعمال معزولة قام بها أفراد (من جبهة التحرير) كرد فعل على ما تعرضت له عائلاتهم على يد الجيش الفرنسي وكذلك منظمة الجيش السري التي قتلت أطفالا جزائريين، لكن جيش وجبهة التحرير بقيادة بختي نميش قام بحماية الأوروبيين".

ورأى أن "ماكرون يحاول تضخيم أحداث محدودة للتغطية على الجرائم الاستعمارية"، متسائلاً "هل ما وقع في وهران يمكن مقارنته بقتل ستة ملايين جزائري وتدمير قرى ومداشر؟".

واعتبر أن "ماكرون يمارس دبلوماسية الهجوم بدل الدفاع في مسألة الذاكرة، من خلال محاولة تسوية الضحية بالجلاد تطبيقاً لتقرير بن يامين ستورا".

وكان المؤرخ الفرنسي بن يامين ستورا قد رفع إلى الرئيس ماكرون تقريراً حول آليات وخطوات لمعالجة ملف الذاكرة، في إطار اتفاق سابق بين الجزائر وباريس لتكليف مؤرخين، جزائري وفرنسي، بصياغة تقرير يتضمن خطوات شجاعة لتسوية الملفات العالقة.

غير أن الطرف الفرنسي بادر بمفرده إلى صياغة تقرير من جانبه رفضاً للتعاون مع الجانب الجزائري، وهو ما دفع السلطات الجزائرية إلى رفض مضمون التقرير الفرنسي بشكل كامل.