الجزائر... الطريق إلى العصرانية من أين؟

الجزائر... الطريق إلى العصرانية من أين؟

28 سبتمبر 2022
يتطلع كلّ الجزائريين إلى بناء دولة عصرية (فرانس برس)
+ الخط -

في خطابه الأخير، أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون التوجه نحو بناء دولة عصرانية، وهذا التطلع نفسه الذي يتشاركه كلّ الجزائريين، على اختلاف اتجاهاتهم وتوجهاتهم السياسية ومواقفهم ومواقعهم الاجتماعية. لكن أين السبيل الى ذلك، وكيف؟ وهل من الضروري أن يكون المرور إلى سكّة التنمية، مرتبطا بكبح الحرّيات وقتل السياسة؟

ما ليس في نطاق الاختلاف، أن بلداً مثل الجزائر، يملك كل المقومات المادية، والجغرافيا التي تضمن تنوع الاقتصادات المحلية، والمحرك البشري والحافز التاريخي أيضاً، ما يسمح له بتحقيق قفزة في النمو، ويجعل منه دولة تقدمية بحق، وقوة اقتصادية منافسة للقوى التقليدية، وثقلاً سياسياً مؤثراً في المنطقة والإقليم.

بيد أن المشكلة التي واجهتها الجزائر في مجموع تجارب وسياسات التنمية السابقة، كانت غياب المشروع المدروس بكل مقتضيات المنهجية اللازمة أولاً، وتغييب الإجماع الوطني ثانياً. ويقصد بـ"التغييب"، انفراد السلطة الحاكمة بصياغة الخيارات وهندسة السياسات، من دون أن تمتلك القدرة على إخضاعها للتحليل النقدي الذي يحدّد سلفاً مكامن الخلل المحتملة ويسمح بتجنبها أو تقليصها على مقياس الكلفة والوقت.

ما يطرح بعض التردد إزاء المشروع الذي يطرحه الرئيس تبون، وهو تردد مشروع، الخلل الهيكلي الذي يظهر في الفريق الذي ينفذ السياسات. ففي كل مرة عند تشكيل حكومة، يتم دمج وزارة أو إلغاء أخرى، آخرها إلغاء وزارة الطاقات المتجددة على أهميتها، وضخّ مزيد من الأجهزة الإدارية، كهيئات الرقابة ومكافحة الفساد (أصبح عددها ستة)، التي لا تضمن كثرتها بالضرورة، النجاعة في إنجاز المطلوب منها.

في الواقع، وهذه دروس التاريخ السياسي، أن تدبير الشأن العام وهندسة السياسات، لا يرتبطان بسلامة النوايا. الثورة الزراعية التي أقامها الرئيس السابق هواري بومدين في السبعينيات، كانت مشروعاً حسن النية، لكنه كان سيئ التدبير، وانعكست نتائجه بشكل فادح على المقدرات الزراعية للجزائر.

ولذلك، فإن النوايا التي يتحدث عنها الرئيس تبون بشأن "دولة عصرية"، وإعادة فرز اقتصادي جديد، يقوم على أسس وخصائص مغايرة لما سبق، لا يمكن إلا مباركتها على صعيد الخطاب، لكن نجاحها مرتبط بتغييرات عميقة في عقل السلطة أولاً، وتحرير المبادرة المجتمعية والسياسية، والخروج من معركة الصورة والأرقام التي لا تنعكس في الواقع، ومن دائرة "الحوار مع الذات" التي تحكم سلوك السلطة في الغالب. والأهم إفساح المجال للخبراء والكفاءات التي تفكر خارج صندوق السلطة، لوضع المسافة النقدية اللازمة، للاستفادة من ذلك.

يمرّ ذلك بالأساس عبر توفير فضاءات التعبير المستقل، وبعث الحيوية في المجتمع والنقاش السياسي الذي تتولد فيه الأفكار وتزداد الحماسة للمشروع وطني، وصحافة حرّة مقاومة لا تغرق في ترديد سرديات السلطة، ولا تتشابه عناوينها كما لو أن رئيس تحريرها واحد.

هناك إجماع على أن هناك تراخياً كبيراً في البلاد في مسألة الحريات، وشعوراً بالهزيمة لدى قطاع من الجزائريين بعد الحراك الشعبي، لأن ما يبرز في المسار الجديد، بغض النظر عن استحقاقات التنمية، أن الجزائريين لم يربحوا معركة الحريات، وهي التي كانت أبرز محركات ثورة الشارع في 2019 ، كما لم يتحقق لهم المطلب الديمقراطي بالصورة التي يتوقون لها.