"التسويات" تصل مدينة درعا: النظام يحاول الترويج لضبط الحدود

"التسويات" تصل مدينة درعا: النظام يحاول الترويج لضبط الحدود

04 يونيو 2023
مدينة درعا البلد، سبتمبر 2021 (لؤي بشارة/ فرانس برس)
+ الخط -

بعد محطات عدة مرت بها عمليات "التسوية" التي يجريها النظام السوري في أنحاء مختلفة من محافظة درعا، جنوبي سورية، في الأسابيع الأخيرة، انتهى المطاف أمس السبت بهذه العملية في مدينة درعا نفسها، في خطوة متكررة، يعتقد أن لها هذه المرة أبعاداً خارجية، تتصل بالمطالب العربية المقدمة للنظام بضبط الحدود، والسيطرة على تجارة المخدرات، فضلاً عن الأهداف "التقليدية" المتمثلة في جمع أكبر كمية من السلاح والأموال من السكان.

وذكرت وسائل إعلام النظام، ومنها وكالة "سانا"، أن "عملية تسوية شاملة في مدينة درعا وريفها بدأت (أمس السبت) في مركز قصر الحوريات في المدينة"، مشيرة إلى أن العملية سوف تستمر حتى 8 يونيو/ حزيران الحالي. وأعلنت اللجنة الأمنية في درعا أن التسوية ستكون لمختلف المناطق في المحافظة، وتشمل المطلوبين للأجهزة الأمنية، والمتخلّفين عن الخدمة العسكرية والمنشقين.

من جهته، قال أمين فرع حزب البعث في محافظة درعا حسين الرفاعي، في تصريحات نقلتها جريدة "الوطن" المقربة من النظام، إنه جرت في الأيام الأخيرة "تسوية أوضاع نحو 500 من المطلوبين والمتخلفين عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية والفارين من الجيش من أبناء مدينة الصنمين الواقعة شمال المحافظة".

وكشف أن هذا الرقم يشمل فقط أبناء مدينة الصنمين والقرى المحيطة بها وهي: دير العدس، كفر شمس، قيطة، جباب، غباغب، موثبين، اللجاة، محجة، مدينة إنخل، وذلك في مركز التسوية الذي افتتح في مقر الفرقة التاسعة في مدينة الصنمين.

إطلاق عملية التسوية في درعا

وفي 16 مايو/ أيار الماضي، أعلن الرفاعي إعادة إطلاق عملية تسوية الأوضاع في محافظة درعا: "بناء على رغبة مطلوبين لم يقوموا بذلك سابقاً ويرغبون حالياً بتسوية أوضاعهم"، مشيراً إلى أن العملية بدأت من بلدة أم المياذن في ريف المحافظة الشرقي، حيث تمت تسوية أوضاع 25 مطلوباً منهم عشرة عسكريين و15 مدنياً، من بينهم أربعة أشخاص سلموا عدداً من قطع الأسلحة.

وأضاف الرفاعي أنه جرى بعدها تسوية أوضاع العشرات من أبناء بلدة النعيمة، شرقي درعا، ومن ثم العشرات من أبناء بلدة نصيب، وذلك في مركز قصر الحوريات بمدينة درعا، فيما جرت تسوية أوضاع 395 شخصاً من مدينة إنخل في ريف المحافظة الشمالي.


حسن الرفاعي: تمّت تسوية أوضاع نحو 500 شخص في الصنمين

من جهته، قال المتحدث باسم "تجمع أحرار حوران" أيمن أبو محمود، لـ"العربي الجديد"، إن التسويات الجديدة التي يطلقها النظام تقضي بمنح المتخلفين عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية مهلة ستة أشهر للالتحاق بالخدمة، أما المنشقون عن قوات النظام فيمنحون مهلة شهر للالتحاق، مع السماح لجميع المطلوبين لقوات النظام بالحصول على إذن سفر لمغادرة المنطقة أو البلاد.

وأوضح أبو محمود أن التسويات تشمل أسماء وردت في قوائم ترسلها أجهزة النظام الأمنية لوجهاء البلدات والمدن، ملاحظاً أن تلك الأسماء ضمت أكثر من مرة منتسبين لـ"اللواء الثامن" الذي ينتشر في ريف المحافظة الشرقي، وكان يحظى بدعم روسيا، قبل أن يتم قبل عامين استتباعه للأمن العسكري التابع للنظام.

وأعرب عن اعتقاده بأنه قد يكون من بين أهداف هذه التسويات سحب السلاح من عناصر "اللواء الثامن" تدريجياً، وصولاً إلى اتخاذ قرار بحله في نهاية المطاف. وكان فرع أمن الدولة أجرى تسوية في بلدة محجة لـ30 شخصاً من أبناء البلدة في 25 مايو الماضي، بينهم مجموعة تتبع لـ"اللواء الثامن" في البلدة.

ولاحظ أبو محمود أن الاشتراط على المطلوبين تسوية أوضاعهم أو الخروج من مدنهم وبلداتهم يعتبر "محاولة جديدة من النظام لتهجير المعارضين، واستمرار العمل على تغيير ديمغرافية المنطقة، بهدف إفراغ المنطقة من الشباب". ولفت إلى أن معظم الأسماء الواردة في قوائم المطلوبين سبق لهم أن أجروا تسويات عدة سابقاً.

وحول ورود أسماء أشخاص يعملون لصالح فروع النظام الأمنية في هذه التسويات، رأى أبو محمود أن الهدف ربما يكون إعطاء انطباع للأهالي بأن النظام يتعامل مع الجميع سواسية، وأنه جاد في سحب السلاح من أيدي الجميع، موضحاً أن من أهم الأهداف بالنسبة لضباط النظام جمع السلاح والمال، إذ يطالب النظام كل منطقة بتسليم عدد محدد من قطع السلاح، فيعمد الأهالي إلى شراء هذه القطع من السوق، أو من سماسرة يعملون بالتنسيق مع أجهزة النظام، لتقوم تلك الأجهزة بإعادة تسلمها بعد دفع ثمنها من جانب الأهالي.

لا هدف واضحاً من التسويات

غير أن الشيخ فيصل أبازيد، أحد وجهاء مدينة درعا، وخطيب المسجد العمري في درعا البلد، اعتبر في حديث مع "العربي الجديد" أن لا هدف واضحاً من هذه التسويات التي يعيد طرحها النظام بين الفينة والأخرى.

وقال: "لا أعلم الغاية منها، وأعتقد أن النظام كذلك لا يعلم". واستدرك بالقول: "ربما يريد النظام إظهار نفسه أنه يقوم بخطوة أمام العرب، أما على أرض الواقع فلا شيء يذكر".

وفي الإطار، قال "سعيد" (اسم مستعار) المقيم خارج سورية، لـ"العربي الجديد"، إن شقيقه أجرى عدة تسويات حتى الآن منذ عام 2018، لكنه مع ذلك لا يستطيع التحرك بسهولة في المحافظة أو المرور على الحواجز الأمنية، بسبب تخوفه من الاعتقال نظراً لعدم الثقة بالنظام وأجهزته الأمنية.


فيصل أبازيد: ربما يريد النظام الإيحاء بأنه بقوم بخطوة أمام العرب

ورأى الصحافي وليد الزعبي المتحدر من محافظة درعا أن إعادة طرح التسويات للمرة الرابعة في المحافظة منذ استعادتها "شكلياً" من جانب النظام وبدعم روسي عام 2018 قد تكون غايته هذه المرة إظهار النظام نفسه أمام الدول العربية بأنه يتخذ إجراءات لضبط الأمن في المحافظة الحدودية مع درعا، والتي باتت بعد سيطرة النظام عليها ممراً رئيسياً لتهريب المخدرات باتجاه الأردن، ومنه إلى دول الخليج.

واستبعد الزعبي في حديث لـ"العربي الجديد" أن يكون لهذه التسويات أي مردود إيجابي لجهة تحسين الوضع الأمني في المحافظة، لأن الفوضى الأمنية التي تعيشها هي "بفعل قرار مدروس من جانب أجهزة النظام لمعاقبة أبنائها على مبادرتهم بالثورة ضد النظام عام 2018، من جهة، وبهدف تصعيد التذمر المجتمعي من هذه الحالة، ومن تفشي المخدرات، ودفعهم تالياً إلى الاستنجاد بالنظام وقواته لتخليصهم منها، على الرغم من حالة النفور الشديد التي باتت تعشعش في نفوس معظم أبناء محافظة درعا إزاء النظام وأجهزته الأمنية".

ورأى الزعبي أن النظام يحاول أن يقدّم رسائل مخادعة للعرب بشأن عزمه على مكافحة تجارة المخدرات في الجنوب السوري، من خلال قيام قواته بعمليات دهم وهمية لبعض المناطق ومقار بعض تجار المخدرات، وذلك بعد تحذير المطلوبين بالتوازي عن الأنظار، أو المسارعة إطلاق سراح من يعتقلهم بدعوى عدم ثبوت تورطهم.

ولفت إلى أن أبرز المكلفين بعمليات الدهم مثل عماد أبو زريق مسؤول إحدى المجموعات التابعة للأمن العسكري هو نفسه متورط في تجارة المخدرات.

في غضون ذلك، تتواصل "الفوضى الأمنية" في المحافظة، إذ شهد شهر مايو الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في عمليات الخطف، بينما تستمر عمليات الاغتيال والاعتقال من قبل قوات النظام على حواجزها العسكرية وخلال عمليات المداهمة.

وسجل مكتب توثيق الانتهاكات في "تجمع أحرار حوران" خلال شهر مايو مقتل 41 شخصاً في محافظة درعا، بينهم سيدتان وطفل. وأحصى المكتب 33 عملية ومحاولة اغتيال، أسفرت عن مقتل 18 شخصاً، وإصابة 13، ونجاة 3 من محاولات الاغتيال.