البؤر الاستيطانية الرعوية... سرقة الأراضي بلا إثارة غضب الخارج

البؤر الاستيطانية الرعوية... سرقة الأراضي بلا إثارة غضب الخارج

04 اغسطس 2021
قطيع غنم لمستوطنين جنوبي نابلس (مناحيم كاهانا/فرانس برس)
+ الخط -

أحد عشر شهراً فقط كانت كفيلة بفرض مستوطن إسرائيلي سيطرته شبه المطلقة على مئات الدونمات الزراعية والرعوية، إلى الشرق من قرية بيت دجن، شرق مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية المحتلة، لتتحول تلك المنطقة المسيطر عليها إلى بؤرة استيطانية على مرأى من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
الحال في بيت دجن يعكس واقعاً يتم فرضه على الأرض، فهناك مئات البؤر الرعوية التي تنتشر في السهول والجبال بالضفة الغربية، وتحديداً في الأغوار، والتي تضم آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية والمراعي الخضراء، كما يوضح مراقبون ونشطاء.

هناك مئات البؤر الرعوية التي تنتشر في السهول والجبال بالضفة الغربية

بؤر استيطانية رعوية بحماية جيش الاحتلال

فوجئ الأهالي في بيت دجن بالمستوطن ومعه عائلته الصغيرة، وقطيع من الأبقار، يُسيّج أرضاً وينصب خيمة ويضع بيتاً متنقلاً في موقع استراتيجي من الأرض مطلّ على الأغوار، ويمكن مشاهدة جبال الأردن بوضوح منه. وعلى الفور، بات الموقع الذي تحول إلى بؤرة استيطانية "رعوية" يحظى بحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يحرسه على مدار الساعة، ويمنع الفلسطينيين من الوصول إليه.

في السياق، يقول الناشط في المقاومة الشعبية في قرية بيت دجن محمد أبو رضوان، لـ"العربي الجديد": "صحيح أنه مستوطن واحد، لكن خطورة ما أقدم عليه تكمن في أنه شجع مستوطنين آخرين على تقليده، إذ أقام مستوطن ثانٍ بؤرة رعوية لماشيته شرق خربة طانا التابعة لبلدة بيت فوريك، شرق نابلس، فيما أنشأ ثالث حظيرة ووضع بيتاً متنقلاً على قمة جبل مطل على قرية سالم المجاورة. تخيّل أنّ ثلاثة مستوطنين مع عائلاتهم أنشأوا ثلاث بؤر رعوية في مساحة لا يتجاوز قطرها بضع كيلومترات".

ووفق أبو رضوان، فإن "إسرائيل وجيشها يحمون أولئك اللصوص على مدار الساعة، وكل من يقترب منهم يكون مهدداً بالقتل، كما جرى في قريتنا بيت دجن عندما استشهد الشاب عاطف حنايشة (في مارس/ آذار الماضي)، خلال محاولته وأهالي القرية صدّ ذلك المستوطن عن التمادي في سرقة الأراضي". ويضيف أبو رضوان: "حكومات الاحتلال توفر للمستوطنين أيضاً البنية التحتية من طرق وماء وكهرباء، ما يعني موافقة علنية على وجود تلك البؤر، بادعاء أنها مقامة على أراضي دولة، وليس على ملكيات خاصة للفلسطينيين".

حكومات الاحتلال توفر للمستوطنين في البؤر البنية التحتية من طرق وماء وكهرباء

قطع التواصل مع الأغوار

قطعت تلك البؤرة المقامة على أراضي قرية بيت دجن التواصل بين الأخيرة والأغوار وحتى محافظتي طوباس وأريحا بالضفة الغربية، وهناك طريق يصل بين قريتي النصارية وبيت دجن، لم يعد الأهالي يستطيعون سلوكه، "لقد كان المتنفس الوحيد في حال أغلق الاحتلال الطرق الرئيسية للقرية"، بحسب ما يوضح أبو رضوان.

ولم يكتف المستوطن في بيت دجن بتسييج الأرض التي سيطر عليها ونصب خيمة ووضع بيت متنقل داخلها، بل عمل على توسيع البؤرة، فشق طريقاً نحو شرق قرية بيت دجن، ما يعني الاستيلاء على مساحة تربو على 20 ألف دونم، وترتب على ذلك عدم قدرة المزارعين الفلسطينيين من أصحاب الثروة الحيوانية على الوصول إلى أراضيهم في تلك المساحات الشاسعة إلا بشق الأنفس، من أجل حراثتها وزراعتها. وأيضاً بات الخوف يتهدد رعاة الأغنام من التجوّل في المنطقة ورعي المواشي، وهم يتعرضون لتهديدات منه ومن جيش الاحتلال الذي يحميه، ما يهدد القطاع الزراعي في القرية برمته.

غرامات وملاحقات للمزارعين الفلسطينيين

وتنتشر في الأغوار عشرات البؤر الرعوية، حيث يُحضِر المستوطن ماشيته وأبقاره ويختار موقعاً يكون قريباً من المروج الخضراء ومصادر المياه، ليقيم عليه البيت وحظيرة المواشي.

يختار المستوطنون مواقع حيوية بالضفة الغربية ليقيموا عليها مزارعهم

ويقول الناشط الحقوقي الفلسطيني عارف دراغمة، لـ"العربي الجديد": "هذا السلوك بات ديدن كثيرٍ من المستوطنين الذين يختارون مواقع حيوية بالضفة الغربية ليقيموا عليها مزارعهم وينشئون بؤراً استيطانية رعوية، وبالتالي يسيطرون على المكان ويستغلون المراعي المحيطة به لأبقارهم ومواشيهم، فيما يُمنع المزارعون والرعاة الفلسطينيون من الاقتراب من تلك الأمكنة، لأن ذلك قد يكلفهم حياتهم".

ويشير دراغمة إلى أنه "على الرغم من صغر مساحة البؤر الاستيطانية الرعوية، إلا أن تأثيرها الحقيقي وامتدادها على الأرض يزيد بأضعاف عن المستوطنات المكونة من أبنية، والتي يبقى امتدادها محصوراً نسبياً في إطار المباني، لكن البؤر الرعوية لا حدود لها، فأينما وصلت أبقار المستوطنين وأغنامهم تكون حدود البؤرة".

وإذا ما صادف راعٍ فلسطيني راعياً من المستوطنين، فإنّ الثاني يستقوي بجنود الاحتلال وحراس أمن المستوطنات القريبة، الذين يحضرون على الفور للمكان وقد يعتقلون الراعي الفلسطيني ويصادرون أغنامه.

إضافة إلى ذلك، يتم منع الرعاة الفلسطينيين من الوصول إلى مصادر المياه، حيث يتم تغريم صاحب الماشية بحال الاقتراب من تلك المصادر، وهذا ما جرى تماماً مع الراعي فتحي دراغمة، الذي تم تغريمه أخيراً بمبلغ ألف شيكل (300 دولار)، بحجة قطع أبقاره الشارع القريب من نبع مياه "عين الحلوة"، بالأغوار الشمالية الفلسطينية بالضفة الغربية.

ويقول الناشط عارف دراغمة إنّ "هذه سياسة واضحة ضد مربي الماشية الفلسطينيين؛ المستوطنون يلاحقونهم في المراعي، وجيش الاحتلال يحتجزهم، وتُفرض غرامات مالية عليهم من قبل ما يعرف بهيئة الطبيعة الإسرائيلية بحجة حماية الغطاء النباتي. وأخيراً انضمت إلى هؤلاء شرطة الاحتلال التي حررت مخالفة بمبلغ ألف شيكل ضد الراعي فتحي دراغمة لمجرد أن أبقاره قطعت الطريق القريب من نبع عين الحلوة الذي سيطر عليه المستوطنون أخيراً، فماذا كان سيحل به لو أن الأبقار شربت من النبع؟".

جمعة: المستوطن الراعي جزء من المخطط الاستيطاني الإسرائيلي

طرق ملتوية

يحاول الاحتلال أن يكرّس نظام البؤر الاستيطانية، ومنها البؤر الرعوية، حيث يتم الإتيان بالمستوطن مع أغنامه وأبقاره، ووضعه قرب أقرب تجمع بدوي أو رعوي فلسطيني يتم التخطيط لتهجيره، ومن ثم يتم مدّ المستوطن بكل الخدمات وحمايته، وتسهيل عملية استيلائه على مصادر المياه والأراضي الخصبة، وفي المقابل يجري غضّ الطرف عن تعرّض سكان ذلك التجمّع للاعتداءات المستمرة، لإجبارهم على الرحيل، وفق ما يؤكده لـ"العربي الجديد"، الخبير في شؤون الاستيطان جمال جمعة.

ويرى جمعة أنّ "بناء المستوطنات أو منح البؤر الصغيرة الصفة القانونية من قبل حكومة الاحتلال قد يثير رفض المجتمع الدولي، الذي لا يعترف بالاستيطان، فيما يعتبر القانون الدولي الضفة الغربية والقدس الشرقية أراضي محتلة، ويعتبر جميع أنشطة بناء المستوطنات هناك غير قانونية". ويضيف جمعة: "لكن هذا الشكل من البؤر (الرعوية) لا يثير حفيظة أحد، وبالتالي هذه طرق ملتوية تنتهجها حكومات الاحتلال لسرقة المزيد من الأراضي من دون أن ينتبه أحد لخطورة ما يجري"، معتبراً أنّ "المستوطن الراعي جزء من المخطط الاستيطاني الإسرائيلي للسيطرة على أكبر قدر ممكن من أراضي البلدات المجاورة للبؤر الرعوية التي تقام على أراضي الفلسطينيين".

المساهمون