إحياء الاتفاق النووي مع إيران: أفكار تحفظ ماء الوجه

01 مارس 2021
الصورة
ضرب ترامب عرض الحائط بالاتفاقيات الدولية (Getty)
+ الخط -

عندما قدّمت السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة، ليندا توماس - غرينفيلد، أوراق اعتمادها قبل أيام للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، قالت أمامه إن "التعددية الدولية قد عادت، ومعها عادت الدبلوماسية، وعادت أميركا، ونحن مستعدون للعمل". لكن هذه "العودة" الأميركية، تأتي مترافقةً مع تغيرات كثيرة طرأت على المشهد الدولي خلال السنوات الأربع الماضية، في ظلّ حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وسياسة "أميركا أولاً"، وضربه عرضَ الحائط بالاتفاقيات الدولية التي كانت قد توصلت إليها إداراتٌ أميركية سابقة، وعلى رأسها الاتفاق النووي الإيراني.

تعود الولايات المتحدة، مع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، إلى ساحة دولية شهدت الكثير من المتغيرات، إذ ازداد نفوذ كلّ من الصين وروسيا في المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي التابع لها، كما ازداد نفوذ كلّ من إيران وتركيا على الأرض. ولعل أحد أهم تلك المتغيرات، أن حلفاء الولايات المتحدة فقدوا الثقة بأن المعاهدات التي قد توقَّع اليوم، ستُحترم بعد أربع سنوات، مع تبدل الإدارات في واشنطن. وهذا الأمر حدث فعلاً، مع انسحاب الولايات المتحدة في عهد ترامب، من معاهدات واتفاقيات دولية، مثل الاتفاق النووي الإيراني واتفاقية المناخ وغيرها.

تعود الولايات المتحدة مع وصول بايدن إلى البيت الأبيض، إلى ساحة دولية شهدت الكثير من المتغيرات

عندما أعلنت إدارة ترامب، في أغسطس/آب الماضي، عن نيّتها إعادة تفعيل العقوبات الأممية على إيران، كان الردّ من الدول الأطراف في الاتفاقية، أي فرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين وروسيا، أن هذا الأمر غير ممكن، لأن الولايات المتحدة لم تعد طرفاً في الاتفاق، وهي انسحبت منه، ما يعني أنه لا يمكنها تفعيل تلك العقوبات. بعدها، استمرت الولايات المتحدة، ولأشهر، بإطلاق تصريحات نارية وعقد اجتماعات، بما فيها اجتماعات لمجلس الأمن الدولي، أثبتت أنها كانت للاستهلاك الإعلامي المحلي، إذ فشلت في إقناع أهم حلفائها بجدوى ما تقوم به.

اليوم، يطلق الطرفان، الإيراني والأميركي، تصريحات نارية أيضاً، حول العودة أو عدمها للانضمام إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة"، أي الاتفاق النووي؛ لكنهما في واقع الحال، يدركان أن "الخطة" تبقى إطاراً أساسياً ومهماً لكل منها، إذ يضمن الاتفاق، بالنسبة للأميركيين وحلفائهم الغربيين، أن تبقى إيران ضمن برنامج نووي مدني. وبالنسبة لإيران، فإن تلك العودة تعني أيضاً عودتها إلى الساحة الدولية ورفع العقوبات عنها، بما يتماشى مع الاتفاقية. كما تجد طهران نفسها تحت الضغط، إذ إنها مقبلة على انتخابات رئاسية في يونيو/حزيران المقبل، وهي تحتاج لتقديم نتائج ملموسة للداخل الإيراني.

لكن السؤال الرئيسي هو كيف ستتم هذه العودة تقنياً وفعلياً؟ هناك سيناريوهات عديدة تُطرح في الإعلام عن إضافة دول من المنطقة إلى طاولة "التفاوض"، أو إعادة التفاوض على أجزاء من الاتفاق، ليشمل ملفات أخرى. لكن هذه السيناريوهات تبقى غير واقعية، بحسب دبلوماسيين في نيويورك. فهناك إجماع دبلوماسي، على عكس التصريحات النارية، يفيد بأن الأولوية الآن هي للعودة إلى "الخطة"، ومن ثم البحث عن اتفاق طويل الأمد وأقوى. وهذا ما تحدث عنه وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، خلال جلسة التصديق على تعيينه أمام الكونغرس.

قد تستغرق المفاوضات حول تفاصيل العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني فترة غير قصيرة، خصوصاً أن الغموض حول تفاصيل العودة لا يتعلق بالولايات المتحدة وحدها، بل كذلك بالطرف الإيراني وعودته للالتزام ببنود الاتفاق بشكل كامل، بعد خرقه لبعضها، بما فيه زيادته نسبة تخصيب اليورانيوم عن الحد المسموح به، بحسب الخطة. لكن عودة الطرف الإيراني للالتزام بشكل كامل، تضع الطرف الأميركي والغربي في مأزق، لأن طهران اكتسبت معرفة وممارسة لا يمكن العودة بها إلى الوراء، ما يزيد من تعقيد العودة وشروطها للطرفين معاً.

كذلك، فإن باب المناورة أمام الأميركيين في ما يخصّ العودة للاتفاق النووي، ليس مفتوحاً على مصراعيه، وأي اتفاق مستقبلي سيكون محكوماً بإطار الاتفاق الموجود وليس باتفاق جديد كما اشتهت إدارة ترامب وحلفاء الولايات المتحدة، كالسعودية وإسرائيل. وكانت إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما والأطراف الأوروبية في الاتفاق، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، قد سعت عندما فاوضت إيران لأكثر من سبع سنوات، أن يشمل الاتفاق أموراً أخرى، كدور إيران في المنطقة أو برنامجها الباليستي، لكنها عبثاً حاولت.

ولكن ماذا عن روسيا والصين، كدولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن، وطرفين في الاتفاق؟ يقول نائب السفير الروسي للأمم المتحدة في نيويورك، ديمتري بوليانسكي، في تصريح لـ"العربي الجديد" في نيويورك، إنه "ما زال علينا أن نفهم حيثيات العودة الأميركية إلى الاتفاق. لا توجد طريقة فورية أو آلية لذلك، وهذا قرار ستتخذه الدول المشاركة في الخطة (خطة العمل الشاملة المشتركة) سوّية". ويصف بوليانسكي التصريحات والشروط التي يحاول الطرفان الإيراني والأميركي فرضها للموافقة على العودة للآلية، بأنها غير مجدية للمضي قدماً. ويضيف أن "هناك سيناريوهات يتم العمل عليها حالياً في فيينا (مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية) في محاولة لإيجاد حلّ للعودة المحتملة. والأهم الآن هو التوقف عن أي تصريحات وخطوات مثيرة للجدل من أي طرف، قد تعرّض هذا المسار للخطر".

دبلوماسي روسي: يتم العمل على سيناريوهات في فيينا في محاولة لإيجاد حلّ للعودة المحتملة

وحول الخطوات التي يمكن أن يتخذها مجلس الأمن في هذا السياق، وما إذا كانت روسيا ترى أن هناك إمكانية لإضافة بنود إلى الاتفاقية تتعلق بالصواريخ الباليستية وغيرها، يقول بوليانسكي: "نرى أن هذه أمور منفصلة عن بعضها. العودة لخطة العمل الشاملة المشتركة لها إطارها ومدة زمنية محددة، بما فيها قرار مجلس الأمن 2231 (الصادر في العام 2015). ولا ندعم أي نقاشات تطالب بتغييرات على خطة العمل الشاملة المشتركة". لكنه يضيف أنه "من جهة أخرى، نحن ندعم فكرة تحسين العلاقات بين دول المنطقة في الخليج، ونرى ضرورة في أن تتخذ خطوات بناء ثقة للحيلولة دون وقوع مواجهات بين الجيران أو القوى الخارجية، ونحن ندعم حواراً من هذا القبيل قد يسمح لدول المنطقة بالمضي قدماً، ولكن هذه مسارات مختلفة عن الخطة وإعادة الانضمام إليها".

يحاول كلّ من الطرفين، الأميركي والإيراني، دعم موقفه التفاوضي حول العودة، ليس فقط برفع سقف طلباته والتصريحات النارية المتبادلة، بل بجسّ النبض على الأرض بحروب الوكالة والضربات المحدودة. وفي هذا السياق، تمكن قراءة الضربة العسكرية الأميركية في منطقة البوكمال، شرقي سورية، ليل الخميس – الجمعة الماضيين، والتي قال مسؤولون أميركيون إنها جاءت ضد مواقع تابعة "لميلشيات مدعومة من إيران"، ولبعث رسالة واضحة لها، ورداً على الضربات العسكرية الأخيرة في العراق (هجمات صاروخية ضد مواقع أميركية).

كذلك، يدرك بايدن أن الجمهوريين (في الكونغرس) لن يوافقوا على أي اتفاق مع إيران للعودة إلى الاتفاق النووي (كما هو عليه الاتفاق)، لذلك فهو يحتاج إلى عودة تحفظ لإدارته ماء الوجه، وتسمح برفع العقوبات من دون أن يضّر به ذلك على المدى القصير، وكذلك بالديمقراطيين، خصوصاً أن الولايات المتحدة تنتظر انتخابات نصفية للكونغرس بعد أقل من سنتين.

المساهمون