أزمة حكم في سلوفاكيا: وحدة الموقف الغربي بمواجهة روسيا مهددة

أزمة حكم في سلوفاكيا: وحدة الموقف الغربي بمواجهة روسيا مهددة

19 مايو 2023
يعود فيكو للمنافسة بقوة في الانتخابات وفق الاستطلاعات (بيتر لازار/فرانس برس)
+ الخط -

تعيش جمهورية سلوفاكيا، منذ أشهر طويلة، أزمة حكم مقلقة للغرب. فقد انهارت الحكومة الائتلافية برئاسة إدوار هيغر، بعدما حجب البرلمان الثقة عنها في 15 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بتصويت أكثري (صوّت 75 نائباً من أصل 150 لصالح حجب الثقة)، ليبقى هيغر (47 عاماً) على رأس حكومة تصريف أعمال، قدّم استقالته منها أخيراً، فيما تتحضر البلاد لانتخابات مبكرة.

وكانت رئيسة سلوفاكيا، سوزانا كابوتوفا، قرّرت الذهاب إلى انتخابات مبكرة في 30 سبتمبر/أيلول المقبل بدلاً من فبراير/شباط 2024، علماً أن أحزاباً متعاطفة مع الكرملين، وتستفيد من تراجع الاقتصاد وارتفاع تكلفة الحياة، قد تتمكن من تصدر المشهد مجدداً. 

وكانت حكومة هيغر قد انهارت في ديسمبر الماضي، بفعل الخلافات بين الأحزاب المنضوية فيها، وبعد انضمام حزب "ساس" الليبرالي (حزب الحرية والتضامن الذي انسحب من الحكومة في سبتمبر الماضي) إلى المعارضة اليسارية بطلب حجب الثقة عن حكومة هيغر الذي كان خلف إيغور ماتوفيتش، رئيس حزب "أولانو" (المواطنون العاديون - يمين وسط) القوي داخل الائتلاف، في عام 2021 (أصبح ماتوفيتش وزيراً للمالية في حكومة هيغر بعد 2021).

وتفاقمت الأزمة، أخيراً، مع طلب هيغر، في 7 مايو/أيار الحالي، من رئيسة البلاد إعفاءه من مهامه، مع توالي تنحي وزراء في حكومته لتصريف الأعمال، وآخرهم وزير الخارجية راستيسلاف كايسر.

هذه الأزمة المستمرة منذ أشهر في سلوفاكيا باتت تقلق الغرب في وقت حسّاس جداً يخوض فيه مواجهة غير مباشرة مع روسيا، سواء في أوكرانيا أو على مستوى العقوبات.

أزمات اقتصادية وفساد في سلوفاكيا

وتعيش سلوفاكيا (عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي) منذ سنوات أزمات سياسية كبيرة ومتلاحقة على مستوى الحكم، مع اتهام الاتحاد الأوروبي لهذا البلد الصغير الواقع في وسط أوروبا، والذي انضم إلى الاتحاد منذ عام 2003، بالعجز عن مكافحة الفساد ونفوذ طبقة تحالف المال والأعمال، ومكافحة أوليغارشية (أقلية من رجال الأعمال والمال تتمتع بالنفوذ السياسي) متهمة بممارسة العنف للوصول إلى أهدافها.


الاتحاد الأوروبي يتهم سلوفاكيا بالعجز عن مكافحة الفساد ونفوذ طبقة تحالف المال والأعمال

وعلى خلفية الفساد، استقال هيغر، أخيراً تاركاً منصبه لنائب محافظ المصرف المركزي السلوفاكي  لودوفيت أودور (46 عاماً)، إثر اندلاع النقاشات في براتيسلافا حول فضائح الفساد، وتسريب تسجيلات لاتفاقيات بين طبقة الأوليغارشية والسياسيين.

كما عادت في هذا الإطار إلى الواجهة عملية اغتيال الصحافي الشاب يان كوتشياك وخطيبته مارتينا كوسنيروفا على يد قاتل مستأجر في عام 2018، أثناء عمل كوتشياك الاستقصائي على ما سمي لاحقاً بفضيحة "الغوريلا"، التي اتهم فيها سياسيون ومسؤولون ورجال أعمال بتلقي ودفع رشى لتأمين عقود.

وظلّت أوروبا، التي شاهدت عن كثب "الازدهار" الاقتصادي في سلوفاكيا، متوجسة من ميول الطبقة السياسية في هذا البلد، المتهم بعضها بالحفاظ على تحالف الفساد والأوليغارشية، منذ الانفصال عن التشيك (في 1 يناير/كانون الثاني 1993) التي شكلت معها سابقاً دولة تشيكوسلوفاكيا في الكتلة الشرقية (ودارت في الفلك السوفييتي منذ قمع ربيع براغ عام 1968). 

وبالعودة قليلاً إلى الوراء في فصول الأزمة الحالية، فقد كان رئيس الحكومة الأسبق روبرت فيكو، من حزب "سميير"، قد أجبر على الاستقالة من منصبه، في عام 2018، على وقع التظاهرات الحاشدة التي خرجت في البلاد بعد مقتل الصحافي كوتشياك، واتهام تحالف فيكو بالوقوف وراء جريمة الاغتيال وعلاقة الأخير بالفساد المستشري في البلد.

ويتعاطف بعض السياسيين في سلوفاكيا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بمن فيهم فيكو، المتهم بالفساد وبأنه استفاد من ارتباك سنوات ما بعد سقوط جدار برلين لتأسيس شبكة مصالح، وبالتعاون مع رجالات الحكم في الكرملين الروسي.

الأزمة السياسية الأخيرة والخلافات بين أقطاب حكومة هيغر، صاحب الميول الغربية في براتيسلافا (انسحب بداية العام الحالي من حزب أولانو وأسّس حزباً جديداً، الديمقراطيون) وخصوصاً الخلافات مع بعض الوزراء المقربين منه إثر اندلاع فضيحة جديدة تتعلق بأموال الاتحاد الأوروبي ومصالح بعض الشركات الخاصة، دفعت إلى تنحيه عن المشهد، بعد وصفه ما يعيشه بلده بأنه تعبير عن "أزمة خطيرة، فوضوية".

فالقانون لم يعد يسمح للرجل بترقيع حكومته بوزراء جدد، بدل وزيري الزراعة والخارجية المستقيلين على خلفية شبهة فساد وتلاعب بالأموال. وتحدثت تقارير إعلامية عدة عن بدء هيغر، قبل تنحيه، التحضير للانتخابات المقبلة.


زادت الحرب في أوكرانيا من معاناة سلوفاكيا، مع ارتفاع نسبة التضخم فيها والأصوات المطالبة بالعودة إلى إمدادات الطاقة الروسية الرخيصة

وزادت الحرب في أوكرانيا من معاناة سلوفاكيا، فسجّل التضخم فيها أعلى النسب الأوروبية في فبراير الماضي، بأكثر من 15 في المائة. وتحت وطأة الأزمة المعيشية واستمرار دعم كييف، ارتفعت أصوات سياسية، مدعومة باحتجاجات شعبية منذ الخريف الماضي، تطالب بالعودة إلى إمدادات الطاقة الروسية الرخيصة، وعدم الالتزام بالعقوبات الأوروبية.

بالنسبة للأوروبيين، فإن خطر ذهاب سلوفاكيا بعد الانتخابات المقبلة إلى انعطافة جديدة، بعيدة عن الغرب، يرتبط أيضاً بحالات أوروبية أخرى، مثل المجر وقوى أوروبية غربية وشمالية، بدأت تُظهر تذمرها من الثمن الذي تدفعه دولها في سياق العقوبات الغربية على موسكو، ومواصلة دعم كييف مالياً وعسكرياً.

هكذا من المفترض أن تشكل الانتخابات المقبلة (المبكرة) اختباراً لوحدة مواقف الاتحاد الأوروبي، وما إذا كانت ستُحدث تصدعاً في التحالف القائم منذ 24 فبراير 2022، تاريخ الغزو الروسي لأوكرانيا، ويشمل ذلك العمل تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وسلوفاكيا عضو فيه، بعدما عبّر سياسيون في هذا البلد عن رغبتهم بوقف مد أوكرانيا بالأسلحة عبر بلدهم.

ومع أن شبح الفساد ومقتل الصحافي كوتشياك طاردا حزب رئيس الحكومة الأسبق فيكو، إلا أن التذمر في الشارع قدم فرصة أخرى للحزب من أجل اللعب بورقة الأزمة المالية - الاقتصادية، وتقديم حزب "سميير" مُنقذاً للبلاد.

هذا إلى جانب أن استطلاعات الرأي تعطيه مع حزب "هلاس"، الذي أسّسه منشقون عن "سميير"، ما يقرب من 17 في المائة لكل منهما، ما يفتح الطريق أمام ائتلاف حاكم بقيادة فيكو وحليفه من "هلاس"، بيتر بيليغريني، وبدعم أحزاب صغيرة، بما فيها يسارية ناقدة للغرب.

اختبار لوحدة مواقف أوروبا وحلف الأطلسي

ستكون الانتخابات المقبلة في سلوفاكيا بمثابة اختبار للاتحاد الأوروبي ووحدة سياسته تجاه روسيا. وستُراقب النتيجة في سلوفاكيا عن كثب من قبل واشنطن وحلف شمال الأطلسي، حيث تتزايد الخشية من حدوث شرخ في التحالف الداعم لأوكرانيا.

فعلى الرغم من أن سلوفاكيا بلد صغير يعيش فيه نحو 5 ملايين نسمة، إلا أنه شارك بفعالية في تزويد كييف بأنظمة تسلح تعود للحقبة السوفييتية، بما في ذلك أنظمة صواريخ "إس 300" ومركبات قتال برمائية ونحو 13 مقاتلة من طراز "ميغ 29".

وتعهدت براتيسلافا أخيراً للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتسليم كييف 30 دبابة من طراز "تي 72". أضف إلى ذلك أن سلوفاكيا، منذ فبراير الماضي، باتت تحتضن مجاناً أنظمة دفاع جوي ألمانية من طراز "مانتيس"، بحجة "حماية الحدود الشرقية" المتاخمة لأوكرانيا بطول نحو مائة كيلومتر.

واعترف وزير الدفاع السلوفاكي ياروسلاف ناد بأن تلك المنظومات ستبقى بشكل دائم في بلده. وذلك بالطبع يعد مجددا ضربة أخرى لرغبات الروس بإبعاد شبح أسلحة "الأطلسي" عنهم، حيث يعزّز الحلف نشر أسلحته قرب روسيا، من فنلندا إلى دول البلطيق (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا) وشرق وجنوب شرق القارة الأوروبية، ما ينسف مطالب بوتين بالعودة إلى ما كان الوضع عليه قبل توسع الناتو شرقا، وهو بالطبع ما رفضه محور الحلف.

وحتى إن كانت مساهمة سلوفاكيا في المجهود الحربي في أوكرانيا تبدو أقل بكثير من بولندا ودول البلطيق، كأكثر مساهمين على مستوى القارة مقارنة بحجم دولهم والناتج المحلي الإجمالي، فإن للبلد أهمية كبيرة في مسار الأسلحة الغربية المتدفقة إلى أوكرانيا.

على سبيل المثال، فقد أرسلت بريطانيا أخيراً عبر سلوفاكيا مجموعة من مدافع "هاوتزر" ذاتية الدفع، كما أن البلد يستضيف ورشات إصلاح المدرعات العسكرية الألمانية وأسلحة أوكرانيا.

وتحت القيادة التشيكية، تحتضن سلوفاكيا مجموعة قتالية أطلسية جديدة متعددة الجنسيات تضم نحو ألف جندي، بالإضافة إلى تحول هذا البلد خلال السنوات الأخيرة الماضية إلى حاضنة رئيسية للصناعات الألمانية، بما فيها الثقيلة، بفضل جودة ورخص اليد العاملة.

عملياً، ما يقلق الحلف الغربي هو أنه على المستوى الأوروبي، يتصاعد القلق من تشكيل سلوفاكيا بعد الانتخابات حكومة تكرر مشهد المواجهة الحاصلة حالياً بين المجر بقيادة رئيس الحكومة القومي اليميني المتطرف فيكتور أوربان، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، أو على مستوى تحالفات حلف شمال الأطلسي في مواجهة روسيا.


وعد فيكو الناخبين إذا ما فاز في الانتخابات بوقف تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا

فرئيس الوزراء الأسبق فيكو، والعائد بقوة للمنافسة، لا يخفي مواقفه الرافضة للحلف الغربي، كما لا يخفي قربه من روسيا. فقد ترأس الرجل (58 عاماً) حكومة من عام 2006 حتى 2010، ثم عاد من 2012 إلى 2018، بمواقف مثيرة للجدل في علاقته بالكرملين، وباعتبار قوات الناتو، وخصوصا الألمانية منها، "نازيين"، واتهم، بعد التدخل الروسي في شرق أوكرانيا وضمّ شبه جزيرة القرم في 2014، القيادة في كييف بأنها "فاشية"، ومسؤولة عن حرب دونباس.

وعاد فيكو ليؤكد هذه المواقف أخيراً، حين وعد الناخبين المثقلين بالأزمات بأنه إذا ما فاز في الانتخابات فسيوقف تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا. بل وتعهد باستخدام حق النقض (فيتو) ضد العقوبات الأوروبية على روسيا. كما ألقى باللوم على الاتحاد الأوروبي في انقطاع إمدادات الغاز والنفط من روسيا. وتلك المواقف يشترك فيها مع أوربان، ما يوسع الخشية الأوروبية من تشكل تحالف دول متعارضة مع سياسات بروكسل.

خطاب متشدد حيال اللاجئين الأوكرانيين

وتبرز في هذه الأزمة أيضاً مسألة اللاجئين، بعدما انتهجت القوى السياسية السلوفاكية في عام 2015 خطاً متشدداً حيال اللاجئين، وهي بدأت الآن، بمساعي حزب "سميير" وفيكو لاستعادة السلطة، بشحن الشارع ضد نحو 115 ألف لاجئ من أوكرانيا، محملين إياهم مسؤولية الأزمة الاقتصادية في البلاد.

وتتناغم هذه الحملات مع الاستطلاعات التي تبين تنامي المشاعر المعادية لأوكرانيا. وأظهر استطلاع، أجرته في مارس/آذار الماضي مؤسسة "يوروبارومتر الأوروبية"، أن 44 في المائة من السلوفاكيين يعتقدون أن اللاجئين الأوكرانيين جعلوا بلادهم مكاناً أسوأ للعيش فيه، وذهب 57 في المائة منهم إلى إلقاء اللوم على الأوكرانيين في إضعاف اقتصادهم.

في نهاية المطاف، إذا ذهبت سلوفاكيا نحو التصويت للأحزاب المقربة من موسكو، وعاد فيكو إلى سدّة الحكم، فإن ذلك قد يشكّل مجدداً تحدياً حقيقياً في العلاقة بين "أوروبا القديمة" والجديدة.

فإصرار السياسيين من مستوى رئيس حكومة المجر أوربان على عدم الالتزام بسياسات عقوبات صارمة بحق روسيا، سيوسع، بانضمام سلوفاكيا إليه، رقعة الرافضين في أوروبا الشرقية للمواجهة مع روسيا.

صحيح أن رئيسة سلوفاكيا هي اليوم سيّدة ليبرالية موالية الغرب (كابوتوفا - انتخبت في عام 2019)، وهي معروفة بمحاربتها الفساد، كما في هذا البلد أحزاب تميل للإبقاء على التوجه غرباً، لكن لا شيء مضموناً في السياسة. إذ تُتهم سلوفاكيا والمجر، وبولندا والتشيك ورومانيا إلى حد ما، بانتهاج سياسات قومية محافظة، ومتعارضة مع أسس عضوية النادي الليبرالي الأوروبي.

أضف إلى ذلك أن الأزمات السياسية والاقتصادية، وتوسع الخطاب المعادي للغرب، تصب في نهاية المطاف في مصلحة روسيا، ولو في المدى القريب. علماً أن الخطاب الروسي ضد الغرب يصل صداه إلى دول في البلقان، مثل صربيا، وإلى دول غرب وشمال أوروبا، لدى أحزاب قومية متشددة ويسار تقليدي متشدد ومشكك في سياسات الغرب، ليس فقط حيال القضية الأوكرانية وتكلفتها المتزايدة، بل بشكل عام في مواجهة التكلفة الأوروبية للتحالف مع سياسات واشنطن، سواء تعلق الأمر بروسيا أو الصين، وغيرها من قضايا تقلق بعض شوارع القارة العجوز.