يولد الفلسطينيّ فتحاويّاً!

16 مارس 2014
+ الخط -


"يولد الفلسطينيّ فتحاوياً، فأبواه يحمْسنانه أو يجبْهنانه"؛ هذا ما تقوله الطرفة في المجال السياسي الفلسطيني. فحركة فتح "أمّ الجماهير"، ولأنها أُمهم، فإن شؤونها الداخلية البحتة شؤونٌ فلسطينية عامة، وما يسمّونه "البيت الفتحاوي" هو، ببساطة، البيت الفلسطيني كله.

لا يتعلق الأمر بأَن "فتح" الحاكم الأول في المنظمة والسلطة، والمحتكِر، غالباً، الحديث عن فلسطين وباسمها، بل يتعلّق، أَيضاً، بنزوعٍ فتحاوي شمولي لا يرى فلسطين، ومجالها السياسي، من دون "فتح" وقادتها. حتى المجال السمعي داخل المجال السياسي، لا بدّ أَن يحتله صوت "فتح"، ويتعالى، حتى يغدو ضوضاء تمنع الاستماع لأي أصوات أخرى تدافع عن حقها بالوجود والتعبير والتمثيل.

ولأنها الحركة "الغلّابة"، المتغلّبة، تُغرق الجميع بسجالاتها الداخلية، من دون أَن يدركوا. فاليوم، يتساءل العاديون في فلسطين، والمهتمّون بها، عن الرئيس القادم. والسؤال يشرعن طرحَه خريفُ عمر أبو مازن، وخريف مشروعه السياسي الطويل. ويبرر طرح السؤال، أَيضاً، كل خطاب "وداعيّ" يخرج به أبو مازن على الناس والشاشات، ويلّح في طرح السؤال، ويمتهنه ورثة أبو مازن المتنازعون.

تبدو رئاسة المنظمة والسلطة والدولة، غير العضو في الأمم المتحدة، ضمن السجال الفتحاوي، أشبه بسجالات الانتخابات الداخلية لأيٍّ من أقاليم حركة فتح، ومكاتبها التنظيمية. والمرشحون، موضع السجال، يُرشَّحون إلى الخطاب الإعلامي والسياسي، وكأنهم كل الاحتمالات الممكنة. اليوم، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام محمود عباس ومحمد دحلان وتياريهما، في انتظار أَن تجود الحركة الأولى وتحالفاتها بأسماء أخرى، علّ الفلسطينيين يختارون من متعدد، بدل الاختيار بين قطبين وحسب.

هكذا، ضمن المنطق الفتحاوي "صاحب اليد العليا والصوت الأعلى" والموقف الفلسطيني الصامت، تصبح الديموقراطية الفلسطينية، "التي أَذهلت العالم!" وتغنّى بها الجميع، نسياً منسياً. والشعب الناخب يختفي من المشهد، ويصبح سجال رئاسة السلطة شأناً فتحاوياً داخلياً، وكأننا أمام حزب حاكم واحد أوحد، في دولةٍ من دول ما قبل الربيع العربي. وفي هذا السياق، تقتضي الموضوعية القول إِن "فتح" نجحت في جعل فلسطين كلها شأناً فتحاوياً خالصاً، بعدما تمددت الحركة، حتى انطبقت على منظمة التحرير، وتمدَّدت، مرة أُخرى، حتى انطبقت على السلطة، بعد أَن حشرت المنظمة في السلطة، وجاء أَبو مازن ليحشر كل هذه المؤسسات والأطر في "المقاطعة" في رام الله.

واللافت أَنَّ المعلّقين والمحللين يتواطأون مع "فتح"، ويرون حصر إمكانات رئاسة السلطة، وقيادة الشعب الفلسطيني، بـ"فتح" ناتجاً عن تحليل للشروط الموضوعية للحالة الفلسطينية اليوم، إِلا أَنهم يتناسون أَنَّ قطبي الخلاف، وقبل عدة سنوات، وفي أجواء استعجال أَميركا البحث عن خليفة لأبو عمار، كانا ـ أبو مازن/ دحلان ـ موضع رفض فتحاوي شامل، خرجت على أثره تظاهرات القدح والذمّ والتخوين ضدهما، وما هي إِلا سنوات، فإذا "فتح" تهتف للرجلين وتتوزّع الحركة في محوريهما كأن شيئاً لم يكن.

يدلّل تبدّل الولاءات العجيب ذاك ـ إلى جانب شواهد أخرى ـ على أن "فتح" استطاعت أَن تُدخل، حتى التعليق والتحليل السياسي الفلسطينيين، ضمن منطقها الخاص، وأَخرجت الشعب وخياراته من النافذة. ولم تتحرك الموضوعية في الكثيرين، لتذكّرهم بأَن محمود عباس أَنفق ولاية كاملة وأكثر من دون انتخاب، وأَنفق عدة خطابات، وهو يقول: "إِنْ خرجت أي مظاهرة تطالب برحيلي؛ سأَرحل"، وخرجت التظاهرات، وتولّت قواته الأمنية قمعها قبل أَن تصل إِلى مقر رئاسته.

والحقيقة أن "فتح" نجحت دوماً في تمييع الخلاف حولها، ومعها، بل هي لا تُميّعه بقدر ما تستدخله، ليصبح خلافاً داخلها بدل أَن يكون حولها، أو معها، واتسع "البيت الفتحاوي" ليشمل الجميع، ويسكتهم بمنطقه الأبوي "الحامي للمشروع الوطني" والأَدرى "بالمصالح الوطنية العليا". واليوم، وكأي قضية مصيرية، تنجح "فتح"، حتى الآن، في جعل رئاسة السلطة شأنها الداخلي الخاص، وسط صمتٍ مطبق من الآخرين بكل أشكالهم، فالرئيس فتحاويّ بالفطرة، مثل كل الفلسطينيين المولودين على الفطرة!

2BB55568-EFEE-416B-934D-5C762181FE7F
عبّاد يحيى

كاتب وباحث وصحفي من فلسطين