وكأنني في مقبرة

20 مايو 2024

(إلياس الزيات)

+ الخط -

كتب فرانز كافكا، في إحدى رسائله إلى معشوقته ميلينا جينسيكا: "شعرتُ بحال أفضل في المقبرة، وتمشّيت فيها كما لو أنها مدينة. وحين عدتُ إلى المدينة وجدت نفسي أمشي فيها وكأنني في مقبرة". كلام ليس غريباً أو بعيداً عن عالم رائد تيار الوجودية وكاتبه الأبرز الذي تعبّر أعماله عن فضاء نفسي قاتم ومركّب، "حيث مزيج من الاغتراب والكآبة والتردّد والحلم والعلاقات المتشابكة المعقّدة التي لا تعوزها الرقّة والضعف"، بحسب جان جينيه الذي قال فيه أيضاً: "لا شيء يمكن فعله مع كافكا هذا، فكلما اختبرته واقتربت منه أراني أبتعد عنه أكثر". أليس هو القائل عن نفسه "كل ما كتبتُه في حياتي هو نتاج الوحدة". 
لعلّها العبارة الأكثر رعباً في كل ما كتبه كافكا، أن تتجوّل في شوارع مدينتك وكأنك في مقبرة، يكتنفها الصمت والفراغ والوحدة، ذلك يعني أنك ميّت إلى حد ما، أو، في أحسن الأحوال، أنت الناجي الوحيد في فضاءٍ أدركه الخراب. وكلا الاحتمالين ينطويان على منتهى اليأس والحزن والمرارة والأسى. 
لم يكتب كافكا تلك العبارة الفذّة في عمل أدبي قابل للتأمل والتأويل، بل باح بها في ما يشبه الهمس، في رسالة خاصة إلى امرأة محدّدة، شاركتْه في زمنٍ ما طقوس اغترابه، ربما لم يخطُر بباله أن تلك الرسالة سوف تلاقي طريقها إلى النشر والترجمة إلى لغات العالم، في انتهاك صارخ لخصوصيّة جرت استباحتها بذريعة التوثيق وتعميم المعرفة واستخلاص العبر، وغيرها من المبرّرات التي يعتمدها ناشرو الرسائل الخاصة، بعد رحيل أصحابها. ورغم الإقرار بالمتعة التي يحققها هذا النوع من الكتابة للقارئ الفضولي المفتون بهتك الأسرار، غير أن تحفظاً أخلاقياً يظلّ قائماً، لا سيما إذا نشر الرسائل طرفٌ من دون موافقة الآخر، كما فعلت غادة السمان بنشر رسائل غسّان كنفاني وهو في حالة عشق جارف لها، من دون أن تراعي مشاعر زوجته وابنه وجمهور قرائه المفتونين به مقاوماً وبطلاً وشهيداً، غير المعنيين بعلاقاته العاطفية التي تخصّه وحده، ما أثار موجة واسعة من الجدل، وانقسم الجمهور حينها بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة التي وجدها بعضُهم تعبيراً عن إفلاس ورغبة في لفت الأنظار. كذلك فعل سليم بركات، حين نشر في مقال مجريات حديثٍ خاصّ، قال إنه دار بينه وبين صديقه المقرّب محمود درويش، تضمّن خصوصياتٍ في غاية الحساسية، ما عرّضه إلى هجوم شديد ونقد لاذع من عشاق الشاعر الكبير الذين صنّفوا فعلة بركات بالخيانة وإساءة الائتمان، بل والافتراء وقلة الوفاء، واستباحة خصوصية شخص لم يعد موجوداً، ووضعه في دائرة الاتهام من دون دليل، وفي ذلك قمة الظلم والإجحاف.
قد يقول قائل إن الكاتب شخصية عامة، وهو ملك خالص لجمهوره، ومن حقهم أن يطّلعوا على أخص خصوصياته حال مغادرته هذه الحياة، وكأن الميّت يفقد كل حصانة، ويتحوّل إلى مشاعٍ لأي كان أن ينهشه ويمزقه ويشوّه صورته ويغتال شخصيته، من دون أي اعتبار أخلاقي أو إنساني. وهنا تتجلى وحشية البشر، وقسوتهم، وغدرهم، وقدرتهم الصادمة على الفتك بأقرب الناس لهم، في سبيل تحقيق منافع شخصية صغيرة، ما يجعلنا نرتاب بالآخرين، وننغلق على أنفسنا، ونكف عن البوح والفضفضة في لحظات ضعفنا، كي لا تصبح في يوم ما شهادة علينا، ونواصل تجوالنا في هذه الحياة، مثل كافكا، كما لو أننا نمشي في مقبرة مغرقة في الوحشة!

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.