وطن من ريش وآخر في دستور

وطن من ريش وآخر في دستور

25 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

استحوذت أخبار أزياء مهرجان الجونة السينمائي، في مصر، في دورته الخامسة، على مساحات كبيرة في الإعلام العربي، بينما غابت، في الأثناء، أو غُيّبت أخبار العملية السياسية في جنيف لحل الصراع السوري من نافذة اللجنة الدستورية، في دورتها السادسة، متقدّمة على الجونة عددياً. وربما لو حظيت هذه الاجتماعات بالمتابعات الشعبية والإعلامية ذاتها لعاد ما يحدث في سورية إلى واجهة الأخبار، مُحدثاً خرقاً، ولو صغيراً، في ذاكرة المجتمع الدولي الذي نسي ما يزيد عن 17 قراراً دولياً متعلقاً بحل القضية السورية وتبعاتها، بينما انبرى لإلزام الطرفين على عقد جلسات خلّبية، لا تغني ولا تسمن من جوع، ما يستلزم السؤال عن أهمية انصياع وفد المعارضة لجزء من تلك القرارات بالذهاب إلى الجولات، في وقتٍ تتجاهل الدول نفسها كل ما يستلزم فعله قبل قرار تشكيل اللجنة الدستورية وخلالها (توقيتها الزمني) وما بعدها؟
ليس مستغرباً أن يعرقل النظام السوري أي تقدّم في عملية صياغة الدستور، ما لم تقدّم له ضمانات أنها صياغة تتناسب ومصالح بقائه التي تستوجب تعديلاً دستورياً يطرأ على دستور 2012، لتصفير عداد المدد الرئاسية فيه، والتي تحدّد السماح بولايتين متتاليتين فقط، والذي على الرغم من كل الملاحظات عليه، ينهي شرعية استمرار رأس النظام في منصبه مع انتهاء ولايته الحالية، وفي الوقت نفسه، ليس من الغريب أن يصف وفد المعارضة أجواء الاجتماعات بالإيجابية، وذلك لعدة أسباب:
أولاً، النظام الذي يمثله الوفد "الوطني"، كما يسمون أنفسهم تهرّباً من أن يكون وفد النظام تحسب عليه مقابلته المعارضة وفداً ندّاً له عدداً ومكانة وتصويتاً، هو وفد غير مسلّح، ولا تطوف فوق قاعة اجتماعاتهم معه طائراتٌ حربيةٌ محملةٌ بالبراميل المتفجرة أو محاطة بالمدافع، كحال المناطق الخارجة عن سيطرته، في إدلب مثلاً.

قد يتطوّر الأمر مستقبلاً إلى أن يصف وفد النظام وفد المعارضة في اجتماعات اللجنة الدستورية شركاء سوريين

ثانياً، من خلال التصوير، بدت الابتسامات مرسومةً على وجوه وفد النظام السوري للجنة الدستورية. لا يهم كثيراً ما الذي تخفيه تلك الابتسامات، أو ما يمكن أن تسفر عنه المفاوضات من نتائج في عملية صياغة الدستور الجديد للبلاد. وهذا التقدير من الرئيس المشترك لجهة المعارضة، هادي البحرة، أن الأجواء إيجابية، لم يأت من فراغ، فمجرد انتقال النظام من مرحلة اعتبار أعضاء اللجنة الدستورية التابعين لهيئة التفاوض من وفد الإرهابيين الذي نعتوا به خلال الجلسات الماضية إلى "الطرف الآخر" من دون اعتباره "وفداً" هو تقدّم إيجابي لمصلحة المعارضة، ويمكن اعتباره إنجازاً مرحلياً يراهن عليه في قادم الجلسات.
من هنا، يمكن تفهم معنى الأجواء الإيجابية التي سادت الاجتماعات، وقد يتطوّر الأمر مستقبلاً إلى أن يصف وفد النظام وفد المعارضة بشركاء سوريين، في عمليةٍ سياسيةٍ مهمتها إنقاذ النظام الحالي المتعثر اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، ودستورياً، ولو امتلك الطرفان، المعارضة والنظام، الأدوات الإعلامية كحال مهرجان الجونة، لكانت أخبار هذه العملية السياسية اليوم من أهم الأخبار في سباقها المحموم، وحتى ضمن جولات سباق الأزياء الذي يتطوّر جولة بعد جولة، فمأساة السوريين التي اختصرت في اجتماعات سياحية لا ينهيها وطنٌ من دستور.

لم يعد كاتب التقرير بثياب متشرّد، هي اليوم وظيفة "مرموقة" يمكن لممتهنها أن يتنكّر بأي صفةٍ

على الجهة المقابلة، ساعدت حالة المراوحة السلبية لمآسي أخبار السياسة أن يذهب الناس طلباً لراحة ثقافية، استحوذت مشاهد عالم الأزياء على معظمها، سرّ بعضُها وأضرّ بعضُها. لكن ما يمكن التوقف عنده هو سؤال يغصّ في صدورنا، نحن السوريين، ونحن نسمع كم التهم الموجهة لفيلم "ريش"، فهل تعادل تهمة الإساءة لسمعة الدولة في مصر جريمة إضعاف الشعور الوطني في سورية، وهي ملّخص ما يمكن أن يكتبه "صبي أمني" في تقرير كيدي يُنهي فيه مستقبل المكتوب عنه، وهي التهم الموجّهة إلى كل من ليس على قائمة أبواق الأنظمة، أو ممن هم ليسوا على مستوى ذائقة المنتقد، وهي أحد أهم أسباب اعتقال آلاف من الشباب السوريين وتغييبهم؟
اعتدنا في سورية أن تحمل تلك التقارير الأمنية صفة السرّية، إلا أنها مع وسائل التواصل الاجتماعي تطوّرت، بالتوازي شكلاً ومضموناً. لم يعد كاتب التقرير بثياب متشرّد أو يسترق السمع والنظر من خلف صفحات صحيفةٍ يرفعها بين يديه، هي اليوم وظيفة "مرموقة" يمكن لممتهنها أن يتنكّر بأي صفةٍ، بل أن يحملها، من أرفع المهن وحتى تلك الأكثر إنسانية، وصولاً إلى ما شهدناه أخيراً في مهرجان الجونة، عن قصد ودور وظيفي أو عن تبعية وغيرة مهنية، فالتوصيفات التي وردت تحت عناوين انتقادات كانت، في غالبها، كتقارير أمنية عن فيلم سينمائي، قدّم ما هو غير استعراضي، ومن صميم واقع مصري، على الرغم من تخيلاته غير الواقعية، ولكنه لم يتناسب، كما يبدو، ومظاهر الثراء والتبرّج السائدة لمنتقديه أمنياً.

التغرير بالكاتب ليكون عميلاً أمنياً يستسهل تخوين الآخر أسهل من الإيقاع بالضحية

تستفزنا تصريحات (واستعراضات) مجموع المحتكرين حب أوطانهم، من أصحاب الشعارات الفضفاضة، بسبب تشابه التهم التي يلقونها على المختلفين معهم في طرق التعبير عن التزاماتهم الإنسانية التي تتضمنها الوطنية المفترضة، ما يجعل التعليق عليها كحدود فاصلة بين الناس، (وطنيون من جهة وخونة مقابلهم) بديلاً عن أن تكون الوطنية هي المساحة الجامعة، تصبح هي الفخّ لكلا الطرفين (الكاتب والمكتوب عنه)، فالتغرير بالكاتب ليكون عميلاً أمنياً يستسهل تخوين الآخر أسهل من الإيقاع بالضحية، لأن الضحايا غالباً يعملون من منظور فهمهم لتقديم الخدمة الأفضل والأكثر تميزاً، أو بعضهم من أولئك الذين لا يملكون موهبة الانصياع للتصنيف الأول.
أوضحت تعليقات بعض الفنانين رغبتهم في استعادة الرقابة على حرية التعبير بأعلى مقاييسها، ما يضعنا من جديد أمام مواجهةٍ علنيةٍ لكل العاملين على محاربة وجودها، أملاً في حرية التعبير التي، على الرغم من كل الظروف، بقيت حاضرةً في سينما مصر أم الدنيا "الأرض"، "الكيت كات"، "إحنا بتوع الأتوبيس"، وغيرها من أفلام، فهل هذه التعليقات هي مقدّمة لاستنهاض همم أمنية أم هي مجرّد حرب مصالح يسيء لها فيلم الحقيقة "ريش"؟