هوس مرضي أميركي

27 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

نشرتُ، قبل عامين، مقالا عن ظاهرة احتفاء بعض وسائل الإعلام والجماهير بسياسيين لأسباب أخرى غير كفاءتهم واستحقاقهم، مثل الحديث عن زيادة أعداد النساء في برلمانات دول متخلفة، ومعروفة بأنها لا تنظم انتخابات نزيهة من الأساس، أو الاحتفاء بصغر سن رؤساء أو أمراء (الدكتور بشار الأسد مثالا!) وغير ذلك من العناوين الفارغة التي لا تدلّ على أي شيء. 
وقد وقع الحزب الديمقراطي في ذلك الفخ، عندما قرّر ترشيح هيلاري كلينتون عام 2016، حتى يحصل على لقب "أول رئيسة في تاريخ أميركا"، بعدما تمكّن من إنجاح باراك أوباما ليصبح أول رئيسٍ أسود في تاريخ البلاد، على الرغم من أن كلينتون ليست فوق مستوى الشبهات في ملفاتٍ عديدة، وينتقدها كثيرون على سياستها وتصرّفاتها (وليس بسبب أنها امرأة). وعلى الرغم من ذلك، تم ترشيحها في الانتخابات لتخسر، ويجد العالم نفسه أمام ترامب. 
عادت تلك النغمة مرة أخرى، بعد انتخاب كامالا هاريس نائبة للرئيس الفائز في الانتخابات جو بايدن، إذ تم الاحتفاء بها باعتبارها "أول نائبة للرئيس في تاريخ الولايات المتحدة"، وتداول نشطاء مقاطع فيديو لها وهي تستقبل خبر نجاحها في الانتخابات، واحتضان زوجها لها بعد سماع الخبر، ومقاطع أخرى لها وهي ترقص في فعالياتٍ اجتماعية أميركية، للتدليل على أنها شخصية محبوبة، وتستحق الوصول إلى المنصب. كما سارع بعضهم إلى التذكير بـ"إنجازات" فارغة أخرى، لا تعبر عن شيء، مرتبطة بهاريس، مثل أنها كانت "أول امرأة تتولى منصب المدّعي العام في سان فرانسيسكو" و"أول امرأة ملوّنة تُنتخب مدّعيا عاما في كاليفورنيا". وبعد ترشيحها في الانتخابات نائبة لبايدن، أصبحت "أول أميركية آسيوية، وثالث امرأة يتم ترشيحها من حزب كبير لمنصب النائب الأول للرئيس في الانتخابات الرئاسية الأميركية"! وقال كثيرون إن واحدة من إيجابيات انتخاب بايدن أنه سيكون غالبا سبب وصول أول امرأة إلى منصب الرئيس، لأن حالته الصحية ليست على ما يرام، وربما يموت أو يقرّر التخلي عن منصبه لصالح نائبته، لتصبح "أول رئيسة للولايات المتحدة" في تاريخها.

وقع الحزب الديمقراطي في فخ، عندما قرّر ترشيح هيلاري كلينتون عام 2016، حتى يحصل على لقب "أول رئيسة في تاريخ أميركا"، بعدما تمكّن من إنجاح أوباما أول رئيسٍ أسود

 ما الإنجاز في ذلك الأمر، خصوصا أن كامالا هاريس، بتاريخها وسياستها، لا تختلف كثيرا عن باقي السياسيين الأميركيين (الرجال) من دعم إسرائيل على سبيل المثال، ففي أغسطس/ آب الماضي، تعهدت بتقديم "دعم غير مشروط لإسرائيل". وكررت تأكيد أن بايدن لن يفرض أي شروط على المساعدات الأميركية لإسرائيل. وقالت إن المساعدة لن تكون مرتبطةً "بأي قرار سياسي" تتّخذه الحكومة الإسرائيلية، في وقتٍ تخطط فيه حكومة نتنياهو لضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية المحتلة. وأضافت هاريس "أتعهد لكم بأن إدارة بايدن - هاريس ستحافظ على التزامنا الذي لا ينفصم بأمن إسرائيل، بما في ذلك التعاون العسكري والاستخباراتي غير المسبوق الذي كان رائدا خلال إدارة أوباما وبايدن وضمان أن إسرائيل ستحافظ دائما على تفوّقها العسكري النوعي"، فضلا عن مواقف أخرى لها تعبر عن أقصى يمين الحزب الديمقراطي، في ما يتعلق بالرعاية الصحية وتحقيق العدالة للسود الذين يتعرّضون لعنف الشرطة، وقضايا أخرى عديدة.
كما عرفت أميركا امرأة أخرى، هي كوندوليزا رايس، وكانت "ثاني من تولى وزارة الخارجية من الأميركيين الأفارقة" بعد كولن بأول، و"ثاني امرأة في المنصب" بعد مادلين أولبرايت، كما كانت "أول امرأة تتولى منصب مستشارة الأمن القومي" في فترة الرئيس بوش الأولى، لكن حصيلة ذلك كله كانت بائسة للغاية، لأنها كانت ركنا أساسيا من أركان واحدة من أسوأ الإدارات الأميركية على الإطلاق وأكثرها إجراما ، في ما يتعلق بسياستها تجاه العالم العربي، والتي شهدت غزو أفغانستان والعراق بما تضمّنه ذلك الغزو من جرائم هائلة لا تزال آثارها ماثلة. 
وقد وصل الهوس بتحقيق لقب "الأول" في عالم السياسة إلى مستوياتٍ عبثية، مع الإعلان عن فوز شخصية بانتخابات مجلس النواب في ولاية أوكلاهوما، وقد أشرت إلى أنها "شخصية"، من دون أن أحدّد ما إذا كانت تلك الشخصية ذكرا أو أنثى، لأنها تعتبر نفسها "غير ثنائي الجنس"، أي ليست ذكرا ولا أنثى! وهذا هو الإنجاز الذي أعلن عنه في أوكلاهوما، بعد فوز موراي تورنر في الانتخابات، ليصبح، أو تصبح، أول محام، أو محامية، غير ثنائي، أو ثنائية الجنس يفوز، أو تفوز، بتلك الانتخابات في الولاية! ويبدو أننا سنجد في المستقبل إنجازاتٍ أخرى، مثل انتخاب أول "آكل للحم البشر" و"أول آكل للدود" في الانتخابات، وغير ذلك من الإنجازات الرهيبة!