هل لمؤتمر بغداد مستقبل؟

هل لمؤتمر بغداد مستقبل؟

04 سبتمبر 2021
الصورة

مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة (28/8/2021/المكتب الصحفي لرئاسة الوزراء العراقية)

+ الخط -

انعقد في بغداد يوم السبت الماضي (28 أغسطس/ آب 2021) مؤتمرٌ أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه كان فريدا من نوعه، فهو لم يكن مؤتمرا لقمّة عربية، لأن جامعة الدول العربية ليست الجهة الداعية إليه، ولم تشارك حتى في تنظيمه أو في اقتراح جدول أعماله. صحيح أن أمينها العام كان حاضرا ومشاركا فيه، ولكن بوصفه ممثلا لمنظمة إقليمية مدعوة للمشاركة مراقبا، شأن منظمات دولية أخرى، كالأمم المتحدة أو منظمة المؤتمر الإسلامي. ولم يكن مؤتمرا للدول الشرق أوسطية، لأن دولا عديدة واقعة في هذه المنطقة لم توجّه إليها الدعوة أصلا، بينما دعيت إليه، في الوقت نفسه، دول من خارجها وبعيدة عنها. ولم يكن المؤتمر لدول الجوار العراقي، لأن بعض أهم الدول المجاورة للعراق جرى تجاهلها عن عمد (بسبب تهديد دول أخرى بمقاطعة المؤتمر إن وجهت لها الدعوة). الأغرب من ذلك كله أن المؤتمر انعقد تحت شعار التعاون والمشاركة، ثم أطلق عليه "مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة"، على الرغم من أن الطابع الصراعي لا يزال السمة المميزة للعلاقة بين دول عديدة مشاركة فيه، ومن ثم لم يكن في مقدور أحد أن يحدّد نوعية التعاون أو طبيعة الشراكة المطلوبة أو المستهدفة أو أطراف هذه الشراكة. لذا، من الطبيعي أن يثير انعقاد هذا المؤتمر تساؤلات كثيرة، وربما لغطا أكثر، بشأن حقيقة أهدافه، وأيضا بشأن نتائجه المتوقعة وتأثيراته المحتملة على مسار التفاعلات في المنطقة في المرحلة المقبلة. أمران أثارا الاستغراب في هذا المؤتمر أكثر من غيرهما: مشاركة فرنسا فيه، وغياب سورية عنه.

لم تكن فرنسا الدولة الوحيدة المدعوة من خارج المنطقة للمشاركة في المؤتمر، لكنها لعبت على ما يبدو دورا رئيسيا في الإعداد له وفي تحديد جدول أعماله، ومن ثم ثارت تكهنات كثيرة عما يمكن أن تكون عليه دوافعها الحقيقية، وما إذا كانت جاءت لتمثل نفسها في هذا المؤتمر أم نيابة عن المعسكر الغربي كله، وبالتالي مفوّضة من الإدارة الأميركية للقيام بدور يخصّ الاستراتيجية الغربية في المنطقة. إذ يرى بعض المعلقين أن فرنسا، وبعد أن بدأت تستشعر وجود فراغ في المنطقة، خصوصا بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان واحتمال انسحابها من العراق خلال الأمد المنظور، تسعى إلى ملء هذا الفراغ بما يتفق مع أجندتها ومصالحها هي في المنطقة، وليس بالضرورة وفقا لأجندة حلفائها الغربيين ومصالحهم في الوقت نفسه. لذا يرى هذا الفريق أن مشاركة فرنسا في مؤتمر بغداد امتدادا لتحرّكاتها ومبادراتها أخيرا تجاه لبنان، خصوصا عقب حادث الانفجار في مرفأ بيروت. غير أن آخرين يرون أنه ما كان في مقدور فرنسا أن تقوم بالدور الذي قامت به في الإعداد لمؤتمر بغداد بدون تشاور مسبق مع الإدارة الأميركية. ومن ثم يعتقد هذا الفريق أن انعقاد هذا المؤتمر يتّسق تماما مع سياسة إدارة بايدن تجاه منطقة الشرق الأوسط، فللإدارة الأميركية مصلحة واضحة في إبعاد العراق عن القبضة الإيرانية، وفي تمكينه من التحول من ساحة للصراع على النفوذ بين دول إقليمية متنافسة، خصوصا إيران وتركيا وإسرائيل، إلى دولة قادرة ليس فقط على مد جسور التعاون مع بقية دول الجوار، وإنما أيضا على أن يكون لها دور أكبر ومستقل في تهدئة الصراعات المشتعلة فيما بينها. صحيحٌ أن فرنسا ربما تشارك الولايات المتحدة الرؤية والأهداف نفسيهما، لكنها تعتقد أنها ربما تكون أقدر من الولايات المتحدة على تحقيقها، وعلى لعب دور لا يمكن للولايات المتحدة أن تقوم به في المرحلة الراهنة التي تشهد تراجعا أميركيا واضحا على الصعيد العالمي.

إن العراق هو الدولة الأكثر استفادة من هذا المؤتمر على مختلف الصعد

أما غياب سورية عن المؤتمر، فالواضح أنه جرى ضد رغبة الدولة المضيفة، فالعراق يدرك يقينا أن من شأن هذا الغياب أن يؤثر بالسلب، ليس فقط على مصداقية المؤتمر، وإنما على النتائج المتوقعة منه. ولكن، ماذا كان في وسع العراق أن يفعل، في ظل إصرار بعض الدول المدعوّة، خصوصا فرنسا وتركيا، وربما غيرها أيضا، على عدم التعامل مع بشار الأسد، ومن ثم اضطرت الدولة المضيفة للإذعان لقرار تغييب سورية، والاستمرار في عزلها، إنقاذا للمؤتمر وضمانا لانعقاده. ومع ذلك، يمكن القول إن سورية كانت الغائب الحاضر في المؤتمر. ولأن جميع الدول المشاركة تدرك يقينا أن الأزمة السورية إحدى أهم أزمات المنطقة، إن لم تكن أهمها، خصوصا أنها كانت ولا تزال منخرطة فيها بشكل أو بآخر، فمن الطبيعي أن يحدّ غياب سورية من قدرة المؤتمر على مناقشة هذه الأزمة العضال، ناهيك عن البحث في سبل علاجها. وقد انعكس هذا الغياب سلبا على مخرجات المؤتمر، وأحال بيانه الختامي إلى مجرّد عبارات إنشائية تتسم بعمومية شديدة، وتوحي بأن المؤتمر لم يتمكّن من إجراء أي مناقشة جادّة أو من القيام بأي معالجة جماعية لأيٍّ من المشكلات أو الصراعات المعتملة في المنطقة، وعجز في الوقت نفسه عن التوصل إلى اتفاقٍ على أي صيغة محدّدة للتعاون بين الدول المشاركة في المؤتمر. غير أن أكثر ما يؤخذ على البيان عدم إشارته من قريب أو بعيد إلى القضية الفلسطينية، وإلى الاحتلال الإسرائيلي لأراض عربية، وكأن هذه القضية أو ذاك الاحتلال لا يعني المجتمعين في شيء.

على الرغم من ذلك كله، مجرد انعقاد المؤتمر كان مفيدا ومرغوبا فيه من جميع الأطراف. ولأن كل مؤتمر يعقد بمشاركة ممثلين على مستوى عال من دول تتسم علاقاتها بالتوتر منافعه أكثر من مضارّه، فقد كان من الطبيعي أن يشكّل انعقاد مؤتمر بغداد، والذي شارك فيه زعماء وقادة من إيران وتركيا وقطر، جنبا إلى جنب مع نظرائهم من السعودية ومصر والأردن والإمارات وغيرها، حدثا مثيرا للانتباه في حد ذاته، خصوصا أنه شهد لقاءات جانبية بين زعماء وقادة يلتقون لأول مرة وجها لوجه منذ سنوات طويلة، كاللقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد. واللقاء بين الشيخ تميم ونائب رئيس الإمارات، حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد. ولذا يمكن القول إن قمة بغداد شكلت، من هذه الزاوية تحديدا، امتدادا، بشكل أو بآخر، لقمة العلا (في السعودية) التي انعقدت في بداية العام وأسست للمصالحة بين قطر ودول الحصار الأربع، ونجحت في البناء على النتائج الإيجابية التي كانت قد تحققت فيها.

كل مؤتمر يعقد بمشاركة ممثلين على مستوى عال من دول تتسم علاقاتها بالتوتر منافعه أكثر من مضارّه

وفي المحصلة، يمكن القول إن العراق ربما كان الدولة الأكثر استفادة من هذا المؤتمر على مختلف الصعد، ففي اللقاءات الجانبية التي جرت بين رئيس وزراء العراق، مصطفى الكاظمي، ومختلف القادة وكبار المسؤولين الذين حضروا المؤتمر، حصل العراق على وعود بالدعم، سواء في مكافحة الإرهاب، أو في التسليح والتعاون الاستخباراتي، أو في مجال التعمير وإعادة البناء. وأتاح المؤتمر فرصة جيدة وجديدة لمشاورات إضافية بين قادة مصر والأردن والعراق للعمل على تفعيل الاتفاقيات المشتركة المبرمة في مجالات عدة، خصوصا في مجال النفط والغاز والتجارة وخطوط الربط الكهربائي وغيرها.

غير أن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح، في نهاية المطاف، يتعلق بما إذا كان مؤتمر بغداد قد نجح في إنتاج ما يكفي من الزخم لاستثمار حالة الهدوء القائمة حاليا، والعمل على توليد آلية تساعد على الانتقال بالفعل إلى حالةٍ من التعاون والمشاركة بين دول المنطقة؟ أشك كثيرا، لسببٍ بسيط، أنه لم يكن في مقدور المؤتمر أن يناقش أيا من القضيتين اللتين يتوقف على تسويتهما مستقبل التعاون والصراع في المنطقة: البرنامج النووي الإيراني، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستعود فعلا إلى الالتزام من دون شروط باتفاق العام 2015. والقضية الفلسطينية، وما إذا كانت إسرائيل مستعدة فعلا لتسوية حقيقية، سواء على أساس الدولتين، أو على أساس الدولة الواحدة التي يتعايش فيها جميع المواطنين من دون تمييز. لهذا السبب، كان مؤتمر بغداد مجرّد استجابة لحاجة ظهرت واختفت، ومن ثم لا مستقبل له!