هل تنهض طالبان بالدولة الأفغانية؟

هل تنهض طالبان بالدولة الأفغانية؟

28 يوليو 2021
الصورة

طالبات أفغانيات في مدرسة ثانوية في كابول (24/7/2021/ Getty)

+ الخط -

تشكّلت حركة طالبان في 1994، وحكمت أفغانستان بين عامي 1996و2001. ارتكبت، في أثناء وصولها إلى السلطة، العنف الأصولي والمجازر، وصلبت الرئيس محمد نجيب الله إلى عامود كهربائي بطريقة مخزية، وطردت كل الموظفين الذين كانوا على صلة بالحزب الشيوعي من دوائر الدولة، وأبعدت النساء عن مجالات الحياة؛ فليس من المسموح تعليمهن، ولا خروجهن للعمل، ولا أن يتزيين، وسواه كثير، ومارست أسوأ أشكال التعامل مع الأقليات، سيما الهزارة الشيعة. "طالبان" تلك كانت متشبعة بروح الجهاد القادم من التعليم الديني التقليد. تكمن أهميتها، وارتفاع قيمها بأعين الشعب حينها، في اعتبارها حركةً جهاديةً تمثل طلبة العلم الفقهي أولاً، ولم تنغمس بالحرب الأهلية التي فتكت بالأفغانيين بعد إسقاط النظام الشيوعي عام 1992، ولا انغمست بحسابات الجهاديين السابقين ومصالحهم وتبعيتهم لهذه الدولة أو تلك. 

نشوء "طالبان" وإبعادها عن الحكم

كان ظهور "طالبان" ووصولها إلى الحكم سهلاً بسبب غياب الأمن والحرب الأهلية والفساد بكل أنواعه، حتى الأخلاقي منه، وابتزاز أموال الناس، وظهور طبقة أثرياء الحرب. لقد عمّت هذه الممارسات أوساط المجاهدين، وهناك عدم قدرتهم على تشكيل حكومة مركزية وقضاء موحد؛ فكانت أقاليم أفغانستان موزّعة بين أمراء الحرب السابقين. وقد أحدث الوضع السابق فوضى وحروب متتالية بين القادة، ولمن ستؤول القيادة والجاه وسواه كثير ونهب ثروات البلاد. طالبان كانت استجابة واقعية وحاجة مجتمعية، ولكنها انبثقت بدعم باكستاني كبير وأمريكي في الخفاء، واستطاعت أن تفرض سلطتها على أغلبية أقاليم أفغانستان، وأسست أمارتها الإسلامية، وكان حكمها استبدادياً وتمييزاً ضد النساء والأقليات، وفرضت الشريعة الإسلامية وفقاً لتأوليها الجهادي.

أُبعدت عن الحكم بقوة التدخل الأميركي، وبمساعدة من تحالف قوات الشمال، الذين هزمتهم "طالبان" من قبل! وبسبب تحالفها مع تنظيم القاعدة الذي قام بعمليات عسكرية في أميركا عام 2011، أدّت إلى مقتل أميركان كثر. لم تنفذ "طالبان" بفك علاقتها بالقاعدة وتسلم ابن لادن، وهذا أدّى إلى أن تشن الولايات المتحدة، ومعها حلف الناتو، حرباً ضد طالبان، وسميت الحرب على الإرهاب، واستمرّت عشرين عاما. لاحقاً، تؤكد تقارير كثيرة أنها فكّت تلك العلاقة، وابتعدت عن "القاعدة" بعد إخراجها من السلطة، وصارت أقرب إلى حركة محلية، ومنشغلة بالقضايا الأفغانية، وهناك تحليلات تؤكد بقاء تلك العلاقة، ولكن بشكل خفيٍّ. 

إخفاق أميركا في أفغانستان

عشرون عاماً، لم تحاول أميركا فيها إنتاج الأمة الأفغانية كما ادّعت، ولا أرست نظاماً ديموقراطياً، وظلت أقاليم كثيرة خارج سيطرتها، وخسرت أكثر من ترليونيين من الدولارات وقرابة ثلاثة آلاف جندي. الآن، تنفذ اتفاقية وقعتها مع حركة طالبان في 29 فبراير/ شباط 2020، وتنسحب من أفغانستان من دون مجدٍ أو كرامة، كما خرجت من قبلها بريطانيا وروسيا وغيرهما. النظام في كابول بقيادة أشرف غني، وعبد الله عبدالله، رئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية، يذعنان للاتفاقية، ويؤهلان نفسيهما، مع تحالفاتهما السياسية لقبول دخول "طالبان" شريكاً في الحكم، وقد تدخل العاصمة بالقوة، في حال تعثرت المفاوضات وأكمل الأميركان وحلفاؤهم الانسحاب. أيضاً هناك قوى سياسية، من قوميات متعددة، وحتى من البشتون، القومية التي تنتمي "طالبان" لها، وهي أكبر قومية أفغانية، تستعد لتقاسم السلطة من جديد أو الحرب مع "طالبان" في حال لم تقدّم الأخيرة ممارسات واتفاقيات جديدة تضمن مصالح تلك الفئات وتحترم خصوصياتها.

عشرون عاماً، لم تحاول أميركا فيها إنتاج الأمة الأفغانية كما ادّعت، ولا أرست نظاماً ديموقراطياً

في الأسابيع الأخيرة، فرضت "طالبان" سيطرتها على مناطق شاسعة، ووصلت قواتها إلى مناطق الشمال، والوسط، ولكنها ابتعدت عن فرض سلطتها على مراكز الأقاليم. وأيضاً لم ترتكب مجازر بحق المختلفين قومياً أو مذهبياً، وهناك أفكارٌ جديدة أصبحت تقرّ بها، وإن لم يتم التحقق منها بشكل دقيق، كحق النساء بالتعليم، وعدم معارضة الموسيقى، وقد أصبحت هي ذاتها تستخدم كثيرا من وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا حَسّن قليلاً من سمعتها الشديدة السوء حينما حكمت أفغانستان.

اتصف النظام الذي استلم الحكم من 2001 إلى 2020 بالفساد، والنزاعات بين قادته، ولم ينهض بأفغانستان اقتصادياً، ولكنه أعطى الكثير من الحريات للأفراد، سيما للنساء. المناطق التي سيطر عليها النظام هذا، عاش أفرادها من دون قيود متشدّدة كما من قبل، ومن دون حروب أهلية كما جرى بين 1992 و1996، وأيضاً تنفسوا الصعداء مع زوال حكم "طالبان". إذاً هناك قطاعات شعبية كبرى، لن تقبل حكم "طالبان" كما كان، ويقع على الأخيرة أن تتخلّى عن العقلية الجهادية، والدعوية، والايمانية المطلقية، وأن تتقبل الآخر، المختلف قومياً، ومذهبياً، ومن المذهب ذاته، وحقوق المرأة والإنسان، وحق الانتخاب والترشح للجميع، وأن تتخلص من فكرة: هل يتساوى المؤمن والجاهل؟ فهل باستطاعة حركة جهادية أن تتجاوز تجربتها السابقة، وكثير من أفكارها؟ 

هل تغيّرت طالبان؟

لا يمكن القول إن "طالبان" ظلّت كما هي، كما أشرنا، وكذلك لم تعد تتحالف مع القوى الجهادية، كالقاعدة وداعش، وأبعدت القاعدة عن مناطق نفوذها، وشنت معارك عدة ضد أفراد تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن "طالبان" لم تتخلّ عن مرجعية أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للدستور، وعن هدفها في تجديد إماراتها الإسلامية، وهذا يتضمن رفضاً للأخر، حيث اسم الجمهورية الحالية "جمهورية أفغانستان الإسلامية"، فلماذا لا توافق على هذه التسمية مثلاً، وتفاوض من أجل تغيير الدستور من ناحية أخرى، ولكن أيضاً ما هي مواد الدستور الذي تتبنّاه "طالبان"؟. تشددها هذا ليس في مصلحتها، ولا تتقبله قوى النظام السابق، وبالطبع ليس محل ترحابٍ من الدول التي أقامت نقاشاتٍ مطولة مع ممثلي حركة طالبان، كروسيا وإيران والصين، وهناك الهند وباكستان وتركيا. قد تكون رسالة "طالبان" هذه تكتيكاً يخص أفراد تنظيمها، حيث التخلي عن تسمية "الإمارة الإسلامية" سيدفع بكتلٍ منها نحو "داعش" مثلاً، ولكن ذلك سيثير توجس قطاعات كبيرة من الشعب الأفغاني والدول الإقليمية؛ فإذا كانت هناك رغبة شديدة لدى الأفغان برؤية حكومة موحدة، وعدم العودة إلى الحرب الأهلية وافتقاد الأمن وضرورة جمع السلاح وتوحيده، فإن "طالبان" معنية بتغييرات كبرى في رؤيتها للسياسة ولعلاقة الدين بالدولة، والتخلص من عقلية الثأر من النظام السابق وقواه، ولا سيما حينما تغادر القوات الأميركية بشكل نهائي في 11 سبتمبر/ أيلول 2021.

أفغانستان دولة فاشلة بامتياز، وتحتاج مشروع وطني للنهوض الشامل

ليس النظام القديم من يعطي الأمن والاستقرار للأفغان، حيث لم يستطع ذلك لعشرين عاماً، بل حركة طالبان وقد أصبحت جزءاً من السلطة، أو استلمتها مثلاً. ولكن، ما المانع ألا تعود إلى سابق عهدها في مستقبل الأشهر المقبلة. إن تجربة "طالبان" في الحكم، وطردها منه بقوة الاحتلال الأميركي، ومراجعاتها لما فعلته، وتغيّر فهمها للعالم بشكل أفضل وللسياسة الدولية والإقليمية، أقول ذلك كله قد يدفعها إلى التفكير بعقلية الدولة وليس عقلية الحركة الجهادية، المؤمنة بأن العالم سيخضع لها بأكمله. وهناك من لا يرى إمكانية في ذلك، فالحركات الجهادية لا تتغير أبداً؛ هنا. عكس ذلك، لنلاحظ مثلاً جملة التغييرات التي تجريها هيئة تحرير الشام في سورية على أفكارها وممارساتها، التي تقترب بها لتكون حركة غب الطلب، وتخضع للشروط الأميركية والروسية والتركية، ومع ذلك من الضروري أن ندقق في ممارساتها، التي بالكاد نرى تغيراً واقعياً فيها، كما هو في الخطاب الايديولوجي؛ أضيف هنا أن "طالبان" استلمت السلطة، وكذلك هيئة تحرير الشام. القضية عند "طالبان" أكثر تعقيداً، فهي من ستفرض سلطة على أغلبية أو كامل أفغانستان، وهي أمام أعين الدول الإقليمية، الذين ينظرون جيداً لممارساتها كحركة تدير دولة وليس جماعة جهادية؛ المقصد هنا بشراكتها من قوى النظام الحالي أو في حال أنهت النظام واستلمت الحكم منفردة.

هل تنتقل أفغانستان إلى دولة غير فاشلة

أفغانستان دولة فاشلة بامتياز، وتحتاج مشروع وطني للنهوض الشامل. الاتفاقية التي يجري النقاش حولها بين "طالبان" وأطراف أساسية في النظام الحالي في الدوحة تقتضي تقاسم السلطة ليس أكثر. هناك إشكال كبير، حيث شكّل الانسحاب الأميركي السريع، وقبل تشكيل السلطة الجديدة، مصدر تخوّفات كبرى على مستقبل هذا البلد، فعدم التوافق سيدفع أفغانستان نحو حرب أهلية من جديد. لدى "طالبان" تحفظات على السلطة الحالية، وبالمثل لدى السلطة، ولدى زعماء المجاهدين السابقين، وهناك مئات ألاف الضحايا، وما يزيد الأمر سوءاً أن الأطراف المتحاورة تتقاتل في الوقت ذاته على الأرض، والثقة ببعضها في غاية الضعف. المقصد هنا أن الواقعية تقتضي رؤية مصلحة كل الأفغان، وهذا يتطلب أن تتجاوز القوى التي ستمثل السلطة الجديدة ممارسات الأمس، والانطلاق نحو المشروع الوطني ذاك. الأمر معقد للغاية، والتفاوض يجري على وقع الحرب والجثث، ومراقبة الأجهزة الأمنية للدول المحيطة لها، والأخيرة بالتأكيد تتخوّف من بسط بعض الدول السيطرة على ثروات أفغانستان والسلطة الجديدة فيها، فهل تتمكّن الأخيرة من تشكيل نفسها، وتحييد الدول الإقليمية، وتستفيد من ثرواتها في إطار مشروع وطني، وتقيم علاقات متكافئة مع دول المحيط.

التخوفات الإقليمية

منذ أشهر، بدأت روسيا تعزّز وجودها في الجمهوريات القريبة من أفغانستان، وحتى قبل وصول "طالبان" إلى السلطة، فهناك تخوف شديد من السماح للمجاهدين من آسيا الوسطى التسلّل إلى الجمهوريات "الإسلامية" في محيط روسيا، وربما إعادة تشغيل المجموعات الجهادية في الداخل الروسي! وبالمثل تفعل الصين التي تطمح في استخراج الثروات الكبيرة في هذا البلد، وتأمين خطوط النفط والغاز إلى موانئ باكستان، والأخيرة بدورها تتطلع إلى علاقة طبيعية، حيث لا تعترف الدولة الأفغانية بخط "دوراند"، أي بالحدود التي رسمها الضابط البريطاني، سكرتير الشؤون الخارجية للحكومة البريطانية للبلدين في أوائل القرن العشرين، والتي تقتسم مناطق واسعة من أراضي قومية البيشتون وتلحقها بباكستان، وهناك بالطبع طالبان باكستان، وقد تعود الروح إليها بتزعم "طالبان" الحكم من جديد.

أنشأت الولايات المتحدة قاعدتين عسكريتين جديدتين في باكستان، وبالقرب من الحدود الأفغانية، وبهدف التدخل العسكري من جديد في حال استدعى الأمر ذلك

 يشار هنا أن الولايات المتحدة أنشأت قاعدتين عسكريتين جديدتين في باكستان، وبالقرب من الحدود الأفغانية، وبهدف التدخل العسكري من جديد في حال استدعى الأمر ذلك، وربما يكون التدخل عبر الجو، كما يجري في الصومال أو اليمن وسواهما. عدا كل تلك الدول هناك إيران ومستقبل إثنية الهزارة في أفغانستان، وملايين اللاجئين الذين لم يعودوا في زمن حكومة كرزاي وأشرف غني، ورغبة إيران في فرض سيطرتها على أفغانستان من جديد، وهو ما كان مرفوضاً. لم تنقطع العلاقات بين إيران و"طالبان"، على الرغم من الخلاف العقائدي، ودعمت قوات الشمال ضد "طالبان"، وهناك القمع الذي أوقعته حركة طالبان ضد الهزارة، إذاً، هناك تخوف إيراني شديد من السلطة القادمة في أفغانستان.

الصورة
علم طالبان
رجل يحمل علم طالبان على الجانب الأفغاني من الحدود الأفغانية الباكستانية قرب معبر وش شامان (17/7/2021/ فرانس برس)

انعدام الثقة بين الأطراف المتحاورة

الإشكالية الأعقد التي تواجه أفغانستان الآن هي في انعدام الثقة بين "طالبان" ورموز النظام الحالي، وتخوف أمراء الحرب السابقين من تقدم "طالبان". الأخيرة، كما حاولنا التوضيح، غيّرت من بعض ممارساتها، ولكن هل يكفي ذلك؟ انعدام الثقة، والانسحاب الأمريكي السريع، ورغبة "طالبان" في رؤية أفغانستان من دون أية احتلالات، ومن هنا رفضها الوجود التركي في بلدها، وإنذار تركيا حول ذلك، يضع تعقيداتٍ إضافية في وجه تشكيل سلطة موحدة والنهوض بأفغانستان. فشلت "طالبان" في إنهاض أفغانستان حينما حكمت، حيث ظلت حركة جهادية، وكانت تتحالف مع تنظيم القاعدة وتنظيمات جهادية أخرى، كالحزب التركستاني الذي تتخوّف منه الصين، وزيارة وزير خارجيتها إلى سورية أخيرا، لدحر أعضاء هذا الحزب بشكل أساسي. وسيتضمن أي تنسيق بين "طالبان" والصين إبعاد هذا الحزب الذي يعود في أصوله إلى إثنية الأيغور التي تمارس عليها الصين أسوأ العقوبات والمضايقات، وبالطبع طالبان بحاجةٍ ماسةٍ للمشاريع الصينية. المهم الآن، حركة طالبان معنية بإجراء تغييرات كبرى في علاقتها بالتنظيمات الجهادية، وألا تتزعم الجهاد العالمي، أو أن تحمي بعض التنظيمات الجهادية، وهذا أحد شروط اتفاقية الدوحة، وهذا مدخل سليم لحدوث التقارب بينها وبين السلطة الحالية والدول المحيطة بأفغانستان. القضية ليست بسيطة أبداً، ولكن تجارب طالبان، ومنذ إخراجها من السلطة، تضع هذه الحقيقة أمام أعين قادتها، فهل حازت فعلاً على مقاربة غير جهادية، وواقعية، وتحوّلت إلى حركة إسلامية، وتبتغي بناء دولة حديثة، وبالتوافق مع بقية قوميات أفغانستان وقواها السياسية. ذلك يقتضي تغييراً عميقاً في الوعي العام وتشكيل هوية وطنية، تجمع بين الأفغان كافة، فهل الأطراف المتحاورة تعير هذه القضية أهمية ما! 

أفغانستان تحت حكم الاحتلال الأميركي

أفغانستان الآن، وعلى الرغم من كل الانتقادات للنظام الحالي، ليست دولة استبدادية، وتفسح للفئات المعارضة ببعض الحريات، وتعطي للمرأة حقوقاً كبيرة، وفي البرلمان هناك 27% من النساء، وبقوة النص الدستوري. بمعنى ما، أصبح الشعب تحت حكم الرئيس أشرف غني يتمتع ببعض الحريات والحقوق، وهذا بأثرٍ مباشر من الاحتلال الأميركي، فهل بمقدور "طالبان"، وهي الحركة الأقوى في أفغانستان، وتمثل الشريحة الأكبر من القومية البشتونية، ولديها بعض التحالفات مع الأوزبك والطاجيك، أن تعترف بالوضع الحالي، وتنهض بهذا البلد!. اشتراطات "طالبان" بتشكيل نظام إسلامي تخيف بقية الفرقاء الأفغان، وأن حقوق المرأة والانسان سيُطبقان وفقاً للشريعة الإسلامية، كما تقول، لا يقدم انطباعاً إيجابياً عن مشروعها المستقبلي، بينما حاجة أفغانستان تتمثل في نظامٍ ديموقراطي على الطريقة الغربية، يتمثل فيه كافة فرقاء هذا البلد. الديموقراطية لم تعد نظاماً غربياً، لقد أصبحت ضرورة لكل الدول، باعتبارها تتيح تسوية الخلافات بين القوى السياسية من دون معارك وتصفيات واجتثاث وحروب أهلية، وتأمين تمثيل القوى السياسية على اختلاف أشكالها، ووفقاً لما يتيحه الدستور الحديث.

قضية النظام السياسي قضية محورية الآن في أفغانستان، ومن دون حسم شكل النظام السياسي لن يتمكن هذا البلد من النجاة من الحرب الأهلية والتدخل الخارجي المباشر وغير المباشر، وإهدار عقود جديدة من التطوّر كما حدث أكثر من قرن، وانهارت فيه كل التطورات التي جلبتها سنوات السلم والاستقرار الهامشية. التوافق على شكل معين للنظام السياسي لا يعني غضّ الطرف عن رموز أمراء الحرب مثلاً، أو الاعتراف بحق بعض الجماعات القومية في حكم نفسها بعيداً عن سلطة العاصمة، أو أن تقيم تلك الجماعات صلاتٍ مع دول خارجية، وبالضد من حكومة العاصمة؛ هذا مرفوض من أية دولة في طور النمو، وبالطبع يفترض أن يحدث حول الفكرة الأخيرة توافقاً بين القوى السياسية الأفغانية وعلى اختلاف سياساتها وقومياتها ومذاهبها.

وضعٍ اقتصادي مزرٍ وفئات واسعة من فلاحيها وأمراء الحرب استفادوا من زراعة المخدّرات، ولم يتعلموا خبرات جديدة

من الناحية الاقتصادية، تعيش أفغانستان على المساعدات الخارجية، وزراعة المخدرات، وأما بقية القطاعات الاقتصادية فهامشية، وهناك الزراعة بشكل عام ورعاية المواشي، وتندر وجود القطاعات الصناعية. هنا، تُنتقد أميركا كثيراً لعدم النهوض الاقتصادي بأفغانستان وكذلك بالعراق، وهي ليس من سياسات الدول المحتلة بكل الأحوال. أي أن الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان تمّ بكل همجية، ودُمرت الدولة، وخرّبت بنى المجتمع، وهذا ما فعلته بالعراق عبر تقوية النزعات الطائفية والقومية باسم الدفاع عن المكونات وشرعنتها دستورياً، ولم تحتاج إلى ذلك في أفغانستان، حيث كانت تلك النزاعات في أوجها، ويعود السبب أيضاً بسبب الإدارة الأميركية التي دعمت المجاهدين ضد النظام الشيوعي في أفغانستان وهزيمة السوفييت، وهو ما تمّ 1989. الانسحاب الأميركي "السريع"، في إحدى القراءات له، يهدف إلى تخريب أفغانستان من جديد، وقد كلفتها ما كلفتها، وكذلك توريط الدول الإقليمية في المستنقع الافغاني كما دخلت فيه هي، عشرين عاماً.

النهوض الاقتصادي

يقتضي النهوض بالاقتصاد خطة وطنية لكيفية استثمار الثروات المعدنية، والصين تتأهب نحو ذلك، والاستفادة من الرأسمال البشري الأفغاني، داخل البلاد وخارجها، وعودة ملايين اللاجئين، والعمالة المهرة، بما يؤسّس لبنية تحتية قوية، ومحاربة زراعة المخدّرات، وهذا غير ممكن الوصول إليه من دون توافق سياسي كبير على شكل النظام السياسي والاتفاق على كيفية استثمار ثروات هذا البلد وإعطاء الرأسمال الحكومي أو الخاص حرياتٍ واسعة للحركة والتغيير، وكذلك القيام بمصادرات كثيرة للأراضي لصالح المزارعين، كما حدث في العشرية الأولى من القرن العشرين في أثناء حكم الملك أمان الله، وفي أثناء حكم الشيوعيين، وتمّ التراجع عنها لاحقاً. أفغانستان تعيش في وضعٍ اقتصادي مزرٍ وفئات واسعة من فلاحيها وأمراء الحرب استفادوا من زراعة المخدّرات، ولم يتعلموا خبرات جديدة. إذا هناك تعقيدات كبرى تقف حائلة دون ذلك النهوض، وسيكون لعدم النهوض الاقتصادي دوراً في تعقيدات سياسية كبرى، وربما حرباً أهلية جديدة، وبالتالي هناك ضرورة لخطة اقتصادية، يضعها النظام الجديد، وهو بدوره سيستفيد من ذلك النهوض في تدعيم سلطته هذه. هذا شرط لنجاح التوافق. ومن ناحية أخرى، يفترض أن يشمل عموم أقاليم أفغانستان، وهنا يجب التركيز على العلاقة الوثيقة بين العاصمة والاقاليم، فما هو شكل تلك العلاقات، وكيف سيتم ضبط علاقة الأقاليم الغنية بالثروات مع بقية الأقاليم، وأي شكل للنظام السياسي سيُعتمد في هذا الجزئية، وكيف ستتقبل المناطق المقسمة قوميا وقبلياً تلك الأفكار، وتندمج مع بقية الأقاليم، وكذلك كيف سيَقبل زعماء القوميات. طالبان بالذات معنية بتحقق ذلك الاندماج، والنهوض، ومشكلتنا هنا أن رؤيتها ما زالت غير محددة لهذه المسألة. وهناك من قال إن من السهل أن تصل إلى السلطة، ومن الصعب أن تحافظ عليها في أفغانستان.

أخطاء في شروط الانسحاب الأميركي

أخطأت الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقيةٍ هشةٍ تنظم العلاقة مع "طالبان"، ومفادها الانسحاب مقابل عدم القيام بعمليات أمنية وعسكرية ضد القوات المنسحبة، وفك العلاقة مع تنظيم القاعدة، ومنع قيام عمليات عسكرية إرهابية على الأراضي الأميركية. من يقرأ هذه الإفادة لن يجد مكاناً فيها للنظام في كابول، وكيف سيستمر بغياب القوات الأميركية وداعميه. الخطأ الأميركي يتجلى من خلال عدم إصرارها على وضع اتفاقية متكاملة، تخص الانسحاب والعلاقة المستقبلية بين أميركا وأفغانستان، ومستقبل الحكم وشكله وشكل العلاقة بين "طالبان" وقوى النظام في العاصمة. سرعة الانسحاب استفادت منها حركة طالبان، وتقدّمت في مناطق واسعة، وهذا يعطي لعناصرها وقياداتها الشعور بالقوة والتفوق، وربما التعويض والانتقام عن خسارتها الحكم في 2001، وأنها بمكانة قوية لاستعادة العاصمة ذاتها. عكس عناصر "طالبان"، فإن الجيش الأفغاني والقوى المشكلة للحكم ليست لديها الروح القتالية ذاتها، وتبتغي بناء الدولة، وربما تنظر بعين الخفة للحركة "المتخلفة" هذه، ولكن ذلك يعزز عدم ثقة كلا الطرفان ببضعهما. هنا خطأ الأميركان، الذين استطاعوا إقامة حوارات مستمرة مع "طالبان" عبر الدوحة بشكل خاص، وبالتالي القضة الأعقد الآن هي الحرب على الأرض، وأيضاً هذا من أكبر الأخطاء، حيث كان يجب فرض إيقاف إطلاق النار في عموم الأراضي الأفغانية، قبل البدء بتطبيق اتفاقية الدوحة التي كانت مشوهةً وناقصة بشكل فادح.

أخطاء طالبان

حركة طالبان في موقع القوة حاليا، فهي تتقدّم بسرعةٍ، وليست مسؤولة عن الدولة وملايين الأفغان، وليست معنية بكيفية استمرار أشكال الدعم الخارجي، على الرغم من أن قادتها يصرحون بضرورة تلك المساعدات من الأميركان والعالم، وهذا يترافق مع رفضها أية خطوات إجرائية، قد تؤدي إلى إضعاف دورها المستقبلي وحجم تمثيلها وشروطها في النظام. تخطئ حركة طالبان بالتمسّك بالرؤية الأصولية للحكم ولمستقبل أفغانستان، حيث يشكل إعادة تطبيق رؤيتها للحكم كما عام 1996، أي فرض الشريعة الإسلامية، وإخراج عناصر النظام القديم من المناصب، كما تمّ مع الشيوعيين، ورفض الانتخابات، وكذلك العودة إلى فرض تقييد كبير على حقوق المرأة بحجة نصوص الشريعة، والتحالف مع التنظيمات الجهادية، مشكلة كبيرة لمستقبل علاقتها ببقية القوى الأفغانية، التي في السلطة وخارجها.

تحاور حركة طالبان الأميركان والنظام في كابول من موقع أنها حركة، بينما القضية الآن تفترض أن يتنقل الحوار إلى كيفية تشكيل النظام السياسي المنسجم مع حقوق الأفغان كافة

تحاور حركة طالبان الأميركان والنظام في كابول من موقع أنها حركة، بينما القضية الآن تفترض أن يتنقل الحوار إلى كيفية تشكيل النظام السياسي المنسجم مع حقوق الأفغان كافة. هذا الأمر لا يزال خارج التحقق، وبالتالي هل ستكون حركة طالبان سبباً في حربٍ أهلية بينما أخمدتها هي في 1996، برفضها التقاسم الفعلي للسلطة راهناً، والتراجع عما ذكرنا من رؤيتها، وإدخال أفغانستان بحالة من عدم الأمن والاستقرار والخراب والقتل المجاني. إن تأخر الوصول إلى رؤيةٍ توافقية على إدارة النظام، سيعزّز الرؤى التعصبية لكل الأطراف، وسيهمش كافة أشكال الحقوق، ولكافة الأفغان، وليس للمرأة والأطفال مثلاً. وطبعاً سيعيد أفغانستان إلى موقع الصفر إقليمياً ودولياً، وسيتيح تدخلاً خارجياً يعصف بهذا البلد من جديد. البلد الذي كان دائماً مقبرة للإمبراطوريات، ولكنه مقبرة لأهله كذلك.

الصراع الصيني الأميركي في أفغانستان

أخيراً، هل تعي "طالبان" الاستراتيجيات الإقليمية والدولية التي تحيط أفغانستان؟ هل تعي خطورة الخلافات بين أميركا والصين بالتحديد، ورفض الأولى طموح الصين أن تكون البلد الأول عالمياً، عبر مبادرة الصين، الحزام والطريق، والتي تبتغي عبرها ربط أوروبا وإفريقيا واسيا بها، وإصرار الصين على تحقيق ذلك. إن أفغانستان كدولةٍ ديموقراطية أو محكومةٍ بنظام عادل ومستقر لا يفيد أميركا أبداً، ولكنها تفيد الصين كثيراً، كممراتٍ آمنة لخطوط النفط أو دولة فيها موارد باطنية وبمقدورها استثمارها، وكذلك كدولةٍ مستقرة وليس فيها تنظيماتٍ جهادية. هناك كثرة من المحليين يؤكدون أن أميركا آمنت استقراراً للصين ولباكستان ولإيران ولروسيا من 2001، و2021، وخسرت الكثير، ولم تستطع إنشاء نظام أكثر استقراراً ويوحد أفغانستان. وهناك من يؤكد إن أميركا بحضورها عقدين في أفغانستان لم تشأ اجتثاث طالبان، والتنظيمات الجهادية، بل "وربتها" من جديد، بهدف استخدامها ضد الصين بالتحديد. هذا التحليل ليس من الأوهام، ولكن يمكن أن يتقلص تحقيقه كثيراً، ويمكن أن يتحقق بأكمله، وتصبح أفغانستان من جديد أرضاً للتنظيمات الجهادية وعدم الاستقرار للصين بالتحديد كما لعبت دوراً في تحطيم القوة السوفييتية داخل أفغانستان وفي جمهورية أسيا الوسطى وفي سقوط الاتحاد السوفيتي؛ وبالتالي أهل تعي أطراف الحوار الأفغاني الصراع الدولي "العنيف" بين الصين وأميركا، وامكانية أن تُوظَف أفغانستان فيه.

النهوض بالدولة الأفغانية، وتحقيق مصالح أهل هذا البلد، يقتضي الوصول إلى نظامٍ توافقي، لكافة القوى السياسية والقوميات فيه، ورفض استخدام السلاح من جديد لحسم الخلافات بينها كما يجري حالياً!، وجمعه بيد الدولة. ويقتضي الوصول إلى النقاط السابقة اعتماد الديموقراطية شكلا للحكم، والاستفادة من الثروات الباطنية وعرضها للاستثمار الأجنبي المتعدد، والنهوض بالاقتصاد والتعليم الحديث وعدم تقييد حقوق المرأة. هذه شروط أولية لتجنب الحرب الأهلية من جديد، وكي لا تكون أفغانستان مقبرة لأهلها وللإمبراطوريات كما ذكرنا، وذلك سيعني أن أفغانستان ستخسر قروناً جديدةً، وليس فقط القرن العشرين وسابقه.