هذه الوقائع الفلسطينية

هذه الوقائع الفلسطينية

15 يناير 2022
الصورة

(عبد عابدي)

+ الخط -

يقيم الحال الفلسطيني، منذ سنوات، في القاع. لا ينقضي أسبوعٌ لا يستجدّ فيه شاهدٌ أو أكثر على أن هذا القاع لا ينفكّ يهبط أكثر وأكثر. أمثلةٌ لا غير، هذه ثلاث وقائع، تتالت في الأيام الثمانية الماضية، دلّت على أن بؤس المشهد الفلسطيني، عندما لا نكترث بفائض الإنشائيات إياها، بالغ الرثاثة، على غير صعيد وشأن، يتأكّد هذا قدّام عينيك، من دون أن تُجهد نفسك في التحديق، ولو حدّثتَ نفسك بأنك تريد أن ترى النصف الملآن من الكأس، لأنك ستلقى كسورا في هذا الكأس لا تجعل أيا من نصفيه ملآنا بشيء.

هناك، في جنين، المدينة والمخيم، غضبٌ وسخطٌ ثقيلان على السلطة الوطنية وأجهزتها الأمنية. وإذا يُقال إن "ظاهرة" انتشار المسلحين فيها صارت باديةً بشكلٍ لم يعد في وسع أمن السلطة القدرة على التعامل معها، فذلك لا يجيز أبدا الفظاظة والصلافة اللتيْن تتعامل بهما عناصر الشرطة الفلسطينية مع الناس، مع الشباب القلق خصوصا. وحسنا فعل عقلاء أمكن لهم احتواء توتّر كانت نذرُه ستُشعل وضعا فالتا قد تصعب السيطرة عليه، لولا أن أفرجت أجهزة السلطة عن الفتى محمد زكريا الزبيدي، نجل الأسير الفتحاوي الشهير، بعد احتجازه واثنين من رفاقه ساعات. وكان مستفزّا مشهد اعتقاله، بالتنكيل به وضربه بالهراوات، وهو مقيد اليدين، وسحله، وإهانته، ورميه بسوء الكلام. وبذلك يصير صحيحا تماما أن هذا شاهدٌ على صحّة حديث ناشطين مراقبين عن العنف والضرب الشديد وانتهاكات حقوق الإنسان ظاهرةً مستمرةً و"مخجلة" تتكرّر يوميا في فلسطين، وأن ثمّة حالة عدم انضباط في صفوف عناصر الأمن. وكان الظن أن هذه العناصر بعد واقعة نزار بنات، مطلع الصيف الماضي، سترعوي، غير أن الظاهر أنها لا تريد أن ترعوي.

وفي دمشق، كان مشهدٌ مخجل آخر، لا يتعلق بعدم احترام بشار الأسد وفدا من حركة فتح، جاء يحمل رسالة إليه من الرئيس محمود عبّاس، ولم يستقبله، وهو الذي يحدث أن يستقبل، مثلا لا غير، وفد جمعية صداقة برلمانية رومانية سورية، وإنما يتعلق بأهزوجات التشبيح التي أغدقها رئيس الوفد (الفتحاوي وليس الروماني)، جبريل الرجوب، عن صمود سورية والمؤامرة عليها. ومن أعاجيب ما قاله شكره الدولة السورية على استضافتها "الاستثنائية" الفلسطينيين ومعاملتهم كسوريين في كل المجالات. ويصحّ هذا الكلام في أن النظام غاصب السلطة في دمشق ساوى الفلسطينيين بين ظهرانيه بإخوانهم السوريين في عدم التمييز بينهم في استهدافهم والتنكيل بهم ورميهم في السجون، فالذي لا يعرفه جبريل أن أكثر من 1800 فلسطيني في سجون الأسد، في السنوات العشر الأخيرة، أزهقت أرواح 620 منهم تحت التعذيب، وأن نحو أربعة آلاف فلسطيني قتلوا برصاص نظام غاز السارين والمليشيات المستضافة لديه، وباستهدافات الإرهابيين الذين نجمت ظاهرتهم المخيفة بفعل إخفاقاته وبؤس سياساته وتغذيته الأحقاد إياها وممارساته الطائفية المعلومة. ومعيبٌ أن يشارك الوفد المذكور في حفلٍ بمناسبة ذكرى انطلاقة حركة فتح بين أنقاض مخيم اليرموك الذي تعرّض، في واحدٍ من أطوار تهديمه وتفريغه، إلى حرب تجويع قضى في غضونها 150 من ساكنته السابقين. أما أن يقول الرجوب، على شاشة "الميادين"، في مشواره إلى بيروت، إن الفلسطينيين كانوا أول ضحايا "ربيع حمد بن جاسم" فهو في هذا يزاود في تشبيحه البائس. وعليه أن يعرف أن خسارات الفلسطينيين الفادحة أحدثتها الهزائم التي ألحقتها نظم الاستبداد والتحالف مع إسرائيل بالربيع العربي المغدور.

وفي رام الله، احتاج مشهدٌ في مقر الرئاسة الفلسطينية كاتبا من قماشة التركي عزيز نسين ليصفه، وأنّى لمخيّلة صاحب هذه الكلمات أن تسعفه في وصف أداء السيدة سلام الزواوي اليمين أمام الرئيس عبّاس لتتولى منصب سفير دولة فلسطين في إيران، خلفا لوالدها صلاح الزواوي الذي اضطرّه بلوغه التاسعة والثمانين عاما مغادرة المنصب الذي مكث فيه 41 عاما فقط. لقد كفّوا ووفّوا أصحاب التعاليق الساخرة، والساخطة بداهة، في "السوشيال ميديا"، على الخبر بمفاجآته الثلاث، أُولاها أن لدولة فلسطين سفيرا في الجمهورية الإسلامية، طوال هذه العقود، ولم يحدُث أن صودف له أي حضورٍ من أي لون. .. وقد نمّ مشهد توريث السفارة لابنته (هل هو تمكين المرأة أم أن السفير العتيد لم يُرزق بولد؟) عن فائضٍ من الرثاثة في التي تسمّى الدبلوماسية الفلسطينية .. والشرح في ملفها يطول.