هذا "العجز" الأميركي

هذا "العجز" الأميركي

11 فبراير 2024
+ الخط -

يمكن القول إن جولة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، انتهت إلى فشل، ومعها عادت مسألة الخلافات الأميركية الإسرائيلية إلى الظهور إلى العلن، والتي يبدو أنها هذه المرّة أعقد من المرات السابقة التي ظهر فيها تباين بين واشنطن وتل أبيب في كيفية إدارة الحرب.

بلينكن، ومن خلفه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، كانا يمنّيان النفس بالخروج بشيء إيجابي من جولة المفاوضات، وتقديم صورة مختلفة عن الموقف الأميركي من العدوان على قطاع غزّة، وخصوصاً في ظل الموقف المعقد لبايدن في معركة تجديد ولايته الرئاسية. غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قطع الطريق على المسعى الأميركي بمسارعته إلى رفض المقترحات التي وضعتها حركة حماس في رد على مسودة باريس الهادفة إلى وقف مؤقت لإطلاق النار وتبادل الأسرى.

ورغم أن الولايات المتحدة بدت متفائلة بردّ "حماس"، وهو ما عبّر عنه بلينكن نفسه قائلاً إنه "في حين توجد بعض الأمور غير الواضحة في ردّ حماس، فإننا نعتقد أنه يخلق مساحة للتوصل إلى اتفاق"، إلا أن هذا الكلام جاء متأخّراً، إذ سبقه رفض مطلق من نتنياهو للمقترح، وزاد عليه بتهديدات زيادة حد الهجمات، وهو ما بدأ فعلياً بتنفيذه.

أظهر موقف نتنياهو فعلياً العجز الأميركي أمام إسرائيل، فرغم كل الدعم الذي كان، ولا يزال، منذ بداية العدوان، سواء بالسلاح أو استخدام الفيتو أكثر من مرّة في مجلس الأمن والدفاع عن "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، إلا أن نتنياهو غير مستعدٍّ لتقديم ورقة قد تساعد بايدن في حملته الانتخابية. ومن الواضح أن حسابات نتنياهو في هذا الشأن معقدة، وبعضها مرتبط بالحملة الرئاسية الأميركية نفسها، فإضافة إلى مخاوف رئيس الوزراء الإسرائيلي من انهيار ائتلافه الحكومي في حال أبدى إيجابية في التعاطي مع مطالب "حماس"، يبدو أن نتنياهو يعوّل على عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وزيادة الدعم لإسرائيل في "حربها المصيرية"، كما فعل خلال ولايته الأولى، التي نقل فيها السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وأطلق ما سمّيت "صفقة القرن" التي فتحت باب التطبيع بين إسرائيل وعدة دول عربية. لا يبدو رهان نتنياهو هذا خاسراً لجهة التعويل على وصول ترامب، خصوصاً أن كل المؤشّرات تعطيه الأسبقية في المعركة الرئاسية، لكن الرهان سيكون خاسراً على توقعه ردّة فعل ترامب تجاه إسرائيل عموماً، ونتنياهو تحديداً، في حال واظب على الممارسات نفسها التي تفقد الولايات المتحدة ريادتها السياسية. وسبق لترامب أن وجّه انتقادات حادّة إلى نتنياهو في أكثر من مناسبة، كان آخرها في الأيام الأولى للعدوان على غزّة، عندما اعتبر أن نتنياهو "مخيّب للآمال"، وكان وصفه سابقاً بعديم الوفاء.

تقرأ إدارة بايدن في نيّات نتنياهو وحساباته، ورفعت سقف الانتقاد عبر كلمة الرئيس الأميركي، التي اعتبر فيها أن إسرائيل "تجاوزت الحدّ" في عدوانها على غزّة. موقف كهذا لا يتجاوز لحظة الخطاب، ولا يمكن صرفه في تغيير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل وعدوانها. وحتى وقف التسليح الأميركي لدولة الاحتلال، الذي كان أساسياً في استمرار الحرب وارتكاب كل هذه الجرائم، لم يجرَ الحديث عن قطعه كجزء من ردة فعل "عقابية" ضد التعنت الإسرائيلي، بل جرت دراسة تقليصه، وهو ما لم يحدُث. وها هو نتنياهو اليوم ماض في العدوان واستهداف رفح وتهجير المهجرين الفلسطينيين منها، رغم معارضة الإدارة الأميركية، التي من غير المتوقع أن تقوم بأي خطوات عملية، باستثناء التصريحات والانتقادات، لمنع الجرائم المرتقب حصولها في رفح، ما يعني إثباتاً لحالة العجز الأميركي أمام إسرائيل.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".