هذا العام الحزين

28 ديسمبر 2020
الصورة

(فخر النساء زيد)

+ الخط -

تحذّرني صديقةٌ رؤوم من مغبّة لعن الزمن، وتصنّف ذلك في خانة الاعتراض على مشيئة الله. تحثّني على الاستغفار والتوبة والتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم الذي يوسوس لضعيفي الإيمان بأكثرالأفكار سوداوية وإثارة للكآبة، تضع كفّها فوق رأسي، وتتلو بصوتٍ خفيضٍ عددا من قصار السور، وتقرأ بعض الأدعية. أذرف دموعا غزيرة تغسل روحي، فأتوقف عن التذمّر من قسوة هذا العام الحزين. أغادرها بعد أن أحسّت بالتعب، ثقل كبير يجثم فوق صدري، سعال جافّ وبرودة في مفاصلي. خشيت أن أكون قد وقعت في براثن كورونا، شأن جارتي الحنونة الطيبة الأرملة، الفخورة بولديها الشابين اللذين أوشك أحدهما على التخرّج من الجامعة طبيبا متفوقا. كانت تستعجل ذلك، لأنها ترغب في تزويجه، كي يمتلئ بيتها بضجيج الأحفاد، غير أنها لم تحتمل الأعراض الشديدة، ورحلت عن هذه الدنيا، لعدم توفر جهاز تنفّس في المستشفى المجاور، وقد نقلتها هناك سيارة الإسعاف في منتصف الليل، بعد أن تردّت حالتها.
رحلت الجارة الطيبة هكذا ببساطة، مخلّفة ولديها يتيمين حائرين. هبط الخبر فوق رأسي مثل الصاعقة. حزنت جدا من أجلها. ظلّت تحب الحياة، على الرغم من قسوة الظروف. لم أصادف أما بمثل حنانها تُغدق على ولديها مشاعر الحب بلا حساب، وتحاول تعويضهم عن فقدان أبيهم. تغالب دموعها أمامهم، وتحثهم على زيارة قبره في الأعياد، وتردّد دائما "اليتم ذلّ". هاتفتها قبل الوفاة بيومين. بدا صوتها متعبا، ولكنها كانت مطمئنةً راضية. قالت: لا تقلقي، واستمري بإرسال أطباقك الشهية، الأولاد يعتنون بي جيدا، وقد حجرتُ نفسي، يُحضرون لي الطعام، ولا أقترب من الباب قبل تأكّدي أنهم ابتعدوا بما يكفي.
أكّدت لي أنها بخير، والأمر لا يتعدّى أعراض إنفلونزا عادية، وأنها مسألة وقت. بدت متيقنة من الشفاء السريع. قالت إنها تقضي الوقت في متابعة الأفلام والمسلسلات على "نتفليكس"، في محاولة لطرد السأم، وهي ربّة البيت الماهرة التي لا تكفّ عن الحركة. اعتادت الاعتناء بالنباتات المتعربشة على الجدران، تسقيها وتقلّمها وتنظفها، وتتخلص من أوراقها الميتة، وتزهو بأن يدها خضراء. أحببت دائما منزلها الأنيق الذي يشبه جنّة صغيرة. ولطالما اعتبرت احتساء قهوة الصباح في شرفتها لحظة جمالٍ شديدة الإتقان. الآن، أدخل البيت معزّية. يبدو باردا وموحشا، وقد ذبلت أوراق نباتاتها حزنا على فراق السيدة الاستثنائية. تحتّم علي كتم احتجاجي على ذلك الموت المجّاني القبيح، وادّعاء الحكمة والصلابة أمام الشابين الملتاعين، وإقناعهما بضرورة الصبر على المُصاب. قلت بعض كليشيهات نردّدها في مناسباتٍ كهذه، كلام فائض لا معنى له، ولا يعزّي مفجوعا بفراق حبيب، غير أننا نقوله، في جميع الأحوال، مقرّين بالعجز أمام الموت، هذا السر القاهر. 
لا أريد ميتة كهذه، يعزّ فيها الأوكسجين، فيخذلني جسدي، ويذهب في الغياب، وأتحول إلى مجرد رقم بائس في إحصائية غير دقيقة. أغادر بيت الجارة في طريقي إلى المختبر، بعد أن لاحظت ارتفاعا في درجة حرارتي، وقد فقدت حاسّتي الشم والتذوق، واستولى التعب على جسدي. كان لا بد من خضوعي لفحص كورونا عاجل. يدسّ الفنيُّ أنبوبا دقيقا شديد الإزعاج في أنفي. يخيل إلي أن الأنبوب اللعين يخترق دماغي. يخبرني فني المختبر إن النتيجة ستظهر خلال ساعات. أعود أدراجي مرهقة. أقود السيارة بصعوبة، وصوت الراحلة يرنّ في أذني: لا تقلقي عزيزتي، الأمر مسألة وقت ليس إلا.