مياه ساكنة .. مياه مضطربة

01 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

"مضيق السلام" إصدار بحثي عُماني، أنجزه سعيد بن سلطان البوسعيدي، يمتلك قيمة مرجعية مهمة عن مضيق هرمز، خصوصاً أن جميع مراجعه باللغة الإنكليزية، ومخصص بكامله عن هذا المضيق الحيوي الذي يعد محط أنظار العالم. صدر الكتاب عن دار مسعى البحرينية، بترجمة سليمان الخياري عام 2018، ليكون أول بحث عن مضيق هرمز صيغ بهذا التركيز والدقة. تتبّع فيه الباحث الخلفية التاريخية للمضيق وموقعه الاستراتيجي وطبيعة مياهه، وكل ما كتب في أدبيات الإنكليزية عنه. كذلك يعتبر الكتاب مرجعاً أساساً في معرفة الدور الكبير الذي تلعبه المضائق البحرية في ربط أجزاء العالم ببعضها، وكذلك دورها المفصلي في معيشة الإنسانية من حيث مساهمتها المحورية (المضائق) في نقل البضائع والسلع، وشحنها وتوزيعها، بأنواعها، حيث تشكل الطاقة البترولية والبتروكيماوية ومشتقاتها المادة الظاهرة لهذا الأمر. ومضيق هرمز الذي تتقاسمه سلطنة عُمان مع إيران يمتد من رأس الشيخ مسعود في شبه جزيرة مسندم العُمانية إلى جزيرة قشم الإيرانية. كذلك تقع أضيق نقطة فيه بين جزيرتي سلامة الكبرى العمانية وأراك الإيرانية. وتنقل من خلاله 90% من نفط الخليج العربي و40% من المعروض العالمي للنفط، إلى جانب البضائع المشحونة من الحبوب والحديد والأسمنت وغيرها من سلع أساسية. يقول الكتاب: "تكمن أهمية المضيق باعتباره شريان العالم من الطاقة الإنتاجية المتدفقة التي سوف تتوقف إذا ما تم إغلاقه؛ إذ إن معظم الصادرات النفطية التي تذهب إلى عدد من الدول الآسيوية والأوروبية والأميركية، باعتبارهم مستوردين رئيسيين للنفط، تمر عبر مياهه".
ويضعنا البحث أمام تفاصيل دقيقة تتعلّق بحصة كل دولة صناعية من النفط تمرّ عبر هذا المضيق الحيوي الذي يمد رئة العالم بالحياة، فمثلاً تمر عبر المضيق 85% من احتياطات اليابان النفطية، و72% من احتياطات كوريا الجنوبية، وأكثر من 30% من احتياطات الصين، فضلاً عن أن 90% من النفط العراقي تمر عبر هذا المحيط، وقريب منه النفطان السعودي والإيراني، و90% من النفط الإماراتي، و100% من النفط في كل من الكويت وقطر. ويذهب البحث بعيداً في تفصيل أهمية هذا الممر البحري الذهبي، لنكتشف أن حجم التبادل التجاري بين الدول العربية والاتحاد الأوروبي قد بلغ، في عام 2005 فقط، حوالى 711 مليار يورو.
ويحتوي الكتاب على أربعة فصول، بالإضافة إلى الخاتمة. يقدّم الأول معلومات وأفكاراً عامة عن المضائق عموماً، والتقسيم الطوبوغرافي لمضيق هرمز خصوصاً، إلى جانب مناقشة تعاريف قانونية متفق حولها، حسب منظور القانون الدولي لقواعد المضيق. ويبحث الفصل الثاني في الأهمية الاقتصادية لمضيق هرمز. فيما يعنى الفصل الثالث باستقراء الأهمية السياسية والأمنية للمضيق، وفيه يتطرّق البحث إلى تاريخ الصراع الإيراني الغربي في هذا المضيق الذي تعتبره إيران ورقة ضغط أساسية لتحريك ملفات سياسية واقتصادية، حيث يطرح فرضيات تتعلق بمآلات الاستقرار في المنطقة، لو نفّذت إيران تهديداتها التي تمتلك، هي الأخرى، تاريخاً طويلاً: "وخلال العقدين المنصرمين، هدّدت إيران مِراراً بإغلاق مضيق هرمز أمام المِلاحة الدولية، فهل تستطيع إيران فعلياً إغلاق المضيق، وضرب السفن المُحمّلة بالبضائع التي تمخر عبابه؟ وما هي تداعيات إغلاقه، لو حدث فعلاً، على المنطقة بأسرها والعالم أجمع؟".
ويركز الفصل الرابع على النزاعات التي قد تنشأ في المستقبل جرّاء إغلاقه، إذ نكتشف لماذا يهتم العالم بأمن الخليج الذي يعتبر، في جوهره، أمناً للعالم الصناعي وحيويته واستمرار آلاته في العمل: "ولهذا السبب، فإن المجتمع الدولي يُدرك أهمية الاستقرار في المنطقة وضرورة حل كافة النزاعات التي قد تنشأ بحكمةٍ واتّزان نظراً لما تتمتع به المنطقة من مكانة اقتصادية عالمية".
كذلك نكتشف في الكتاب أن إيران قد بدأت في تصدير النفط قبل دول الخليج بحوالي نصف قرن، ما يثير تساؤلات للقارئ، أي قارئ كان، حول إيرادات هذه الثروة، وهل يا ترى يستفيد منها الشعب الإيراني في التنمية، أم أنها تذهب لإشعال التوترات في العالم العربي، كما نراه من حديث طويل في الإعلام حول التدخلات الإيرانية والتسليح الطائفي في أكثر من دولة عربية.