مونولوغ في حفل خطوبة

مونولوغ في حفل خطوبة

28 اغسطس 2021
الصورة

(عبد الله النواوي)

+ الخط -

جمعتني ظروفٌ، قبل أيام، مع مجموعةٍ من السوريين، لا أعرف معظمهم، مستقرين في مصر، ولديهم استثمارات فيها، مصانع ومحلات تجارية وغيرها مما برع به السوريون في مصر، أي من سوريي الطبقة الاجتماعية العليا الذين نقلوا معاملهم ومصانعهم إلى هنا، بعد أن وجدوا فيها الاستقرار والظروف المهيئة. كانت المناسبة خطوبة شابة سورية على شاب مصري، وهذه ظاهرة اجتماعية يبدو أنها تنتشر مجدّداً، وتذكر بالمصاهرات السورية المصرية أيام الوحدة، وبعد الانفصال، حين طلب سوريون رفضوه من الزعيم الراحل جمال عبد الناصر البقاء في مصر. وتأمن لهم ذلك، ومنح بعضهم الجنسية المصرية، وتصاهروا مع المصريين، وتداخلت الأنساب، وعاشوا في مصر بقية حياتهم، وأسّسوا مشاريع صناعية وتجارية ما زال بعضها قائماً.
ولأن ثقافة الفرح جزء أساسي من حياة السوريين والمصريين، تحوّلت المناسبة التي أريد لها أن تكون حفل خطوبة "سكّيتي" إلى حفل كامل، غناء ورقص وتهاليل. وكان الغناء مختلطاً بين المصري الشعبي الدارج حاليا (المهرجانات) والسوري/ اللبناني الشبيه به من حيث الإيقاع واللحن الضاجّ والكلمات الساذجة. قلت لصديق يجلس بجانبي كان يحتج على هذا النوع من الفن، إن صحّت تسميته فناً: الفن في السابق كنا نسمعه بقلوبنا قبل آذاننا، اليوم نسمعه بأقدامنا قبل آذاننا، (أظن أن هذا قول سمعت ما يشبهه في التسعينيات أو قرأته عن لسان فنان كبير لم أعد أتذكر من هو، عن ظاهرة فناني استديو الفن. ماذا سيقول الآن عما تطرحه شركات إنتاج الأغاني واليوتيوب حالياً!).
وبين فقرات الغناء، نسمع فجأة صوت صباح فخري، لنعود إلى انتباهة روحنا الفنية بعد الضجيج. ولأن أغلب المجتمعين في الحفل من مدينة حلب، كان لصوته المفاجئ فعله الفاعل. تحرّك الجميع طرباً ورقصاً، حتى كبار السن منهم، حتى من كانوا كل الوقت جالسين في أماكنهم لا يتحرّكون، فصباح فخري ليس أي أحد آخر، أكثر من تفاخر به حلب، وربما السوريون جميعاً في الفن والغناء، إذ لم يكن لدينا في سورية مطربٌ بحجمه وبقيمته وبأصالة فنه وبقدرته الصوتية الاستثنائية. كان الأمر بالنسبة لي أشبه بالانتقال من "موسيقى الميتال" التي لا أحبها إلى "الكلاسيك". حظيت معها بفترة قصيرة من الهدوء السمعي، مع صوته. وبدأت أفكر ببلد مثل سورية بتنوعه الجميل، كيف فرغ حتى من أن يكون فيه مطربون ومغنّون وملحّنون وشعراء أغنية. انتقلت الأصوات الجميلة في سورية إلى مصر، ولم تستطع إنجاز أغنية سورية، لم يكن لدينا هذا المصطلح حقاً، الأغنية السورية هي القدود الحلبية. عدا ذلك، لم يستطع من ظهر في سورية من صنّاع الأغنية تكريس الأغنية السورية التي يمكنها أن تنافس الأغنية العربية، المصرية أو اللبنانية أو العراقية، أو الخليجية لاحقاً. ولا يمكن فصل ذلك عن السياسة، فلم تكن سورية عقيمة يوماً في إنتاج المبدعين. كان الأمر في اكتشافهم ورعايتهم وتقديمهم للجمهورين، السوري والعربي. لم يكن لدينا شركات إنتاج خاصة تفعل هذا. كانت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ونقابة الفنانين والموسيقيين، وكلتاهما تابعتان للنظام، وتمثلان رؤيته ووجهة نظره. كان الفن عموماً، زمن الأسد الأب، نوعاً من الخفّة لا تتناسب مع الشعب السوري (المتجهم والجاد) بفعل ثقل القضايا القومية التي يحملها. الألحان والكلمات والأصوات يجب أن تكون مناسبة لتجهم وجه "السيد الرئيس" المهموم بالقضية. وفي الحقيقة، كانت سورية كلها مناسبة لتجهم هذا الوجه الذي حل محله، لاحقاً، وجه ابنه الضاحك بلا سبب، ففتح الباب لشركات الإنتاج الخاصة التي عرفت كيف تستثمر بالسوريين المبدعين فنياً، تحديداً في الدراما التلفزيونية. أما الغناء، فكان البديل عن التجهم السابق هو الفرفشة الشعبوية. وهكذا بدأ تلميع ظاهرة علي الديك وأشباهه، لتكريس نمطه بوصفه الأغنية السورية البديلة. وهذا كان من أوائل من أطلق عليهم اسم "الشبّيح" قبل الثورة، حين كان يعمل لدى واحدٍ من شخصيات آل الأسد، الذين تردد أنهم يهرّبون كل شيء، بدءاً من المخدّرات والأسلحة، وليس انتهاء بتجارة الرقيق الأبيض وتهريبه. لهذا ليس غريباً أن يكون هؤلاء هم رموز الغناء السوري، وأن يكونوا حاضرين في كل المناسبات (الوطنية) التي يحضرها الرئيس صاحب الوجه الفرفوش.