من يحمينا من هشاشتنا؟

02 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

نعيش زمن القلق الوجودي. قلق اختصرته جائحة كورونا، ولكنه قلق أكثر عمقا يعكس هشاشة أوضاعنا التي لم نعد نملك الكثير من وسائل السيطرة عليها. نعيش زمن التغير السريع الذي لم يعد لنا القدرة على التأقلم مع إيقاعه، أو فهم عمق أثره في حياتنا. أظهرت دراسة تجريها صحيفة لوموند سنويا، وينفّذها معهد "إبسوس - سوبرا ستيريا" تحت عنوان "شروخ فرنسية" قلقا متزايدا لدى الفرنسيين في مواجهة جائحة كورونا، ينعكس تعلّقا بالمؤسسات الرسمية، على الرغم من انتقادهم التقليدي لها. تقول الدراسة التي نشرت نتائجها الصحيفة الفرنسية أخيرا إن الخوف من الوباء بات حقيقة في يوميات الفرنسيين، ما عزّز الحاجة إلى السلطة من الداخل، للحماية من مخاطر الخارج، كما عزّز عدم الثقة بالعولمة ومؤسساتها. ترى غالبية من الفرنسيين أن المؤسسات نجحت، إلى حد كبير، في مقاومة ضغوط الأزمة، ووفرت لها الحماية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي ومؤسسات الدولة السياسية، على الرغم من تشكيكهم التقليدي في فاعليتها، بما في ذلك رئاسة الجمهورية والمصارف.

تظهر الدراسة قلقا متعاظما لدى الفرنسيين، ليس فقط من الانعكاسات الصحية فحسب، بل الأهم منها الاقتصادية، على مستقبلهم، إلا أن القلق تقابله ثقة نسبية في مؤسسات الدولة التي لم تنهر في مواجهة الأزمة. إذا كان الفرنسيون في حمايةٍ كما يبدو من عالم كورونا وما بعدها، إلى جانب عدد محدود من الشعوب التي تبدو راضيةً إلى حد ما على سياسات حكوماتها، كيف يعيش الآخرون ممن هم أقل حظا القلق الهائل في العالم الجديد؟ أضرّت الأزمة بعلاقة الثقة المتأزمة أساسا بين مؤسسات "الحماية" التقليدية ومواطنيها. خرج القادة الشعبويون خاسرين في المعركة ضد كوفيد، وأصيب عدد كبير منهم بالوباء، من دون أن يقلل ذلك من سطوة الخطاب الشعبوي القائل إن الفيروس مؤامرةٌ لانتزاع الحريات الفردية التي يدّعي هؤلاء أنهم حماتها. الارتفاع الجديد لعدد الحالات في البرازيل وروسيا والهند، بعد أن كانت تراجعت، ينفي مجدّدا إمكانية المناعة الجماعية التي عمل اليمين، وبعض الشخصيات العلمية ذات الارتباط بهم، على ترويجها. وكان تراجع الحالات في مدينة ماناوس البرازيلية التي ازدحمت مقابرها بجثث ضحايا كوفيد روّج مقولة إنها باتت اختبارا إيجابيا لمقولة المناعة الجماعية ضد الفيروس. عودة حالات الإصابات إلى ارتفاع أحبط الأمل بإمكان وجود مناعة جماعية حتى الآن ضد الفيروس القاتل.

إنها أزمة وجودية إلا أن فصولها تنمو وتتفاعل في العالم الافتراضي أكثر منه الواقعي

ها نحن نتعايش مع الموجة الثانية للجائحة من دون نجاح كبير. صور طلاب الجامعات البريطانية محجوزين في غرفهم، بعدما بات حرم الجامعات أحد أبرز بيئات انتشار الفيروس، يمكن أن تعتبر رمزا لفشل الحكومة البريطانية في مواجهة الأزمة. النظام النيوليبرالي لا يعترف بأزماتٍ اجتماعيةٍ أو قوانين تحكم الحريات الفردية. رئيس الوزراء اليميني الشعبوي، بوريس جونسون، الذي يواجه الفضيحة تلو الأخرى، انخفضت شعبيته وشعبية حزب المحافظين، بعدما اتخذت حكومته إجراءاتٍ اعتبرت غير مجديةٍ وقمعية، عبر قرار إغلاق الحانات والمطاعم في العاشرة مساء، ومنع التجمعات التي تفوق الستة أشخاص، وإلزامية وضع الكمّامة في الأماكن العامة المغلقة، على الرغم من أن هذه الإجراءات تنفـذ بشكل محدود جدا. بعد أن كان جونسون الزعيم الشعبي الذي أغدق أحلام انسحاب إيجابي من الاتحاد الأوروبي، في حين أن البلاد تواجه، في الواقع، انسحابا كارثيا من دون اتفاق، ما يهدد حتى أمنها الغذائي، ترتفع شعبية وزير ماليته الذي يُغدق حلما - وهما جديدا، يروّجه إعلام اليمين وصحافته الشعبوية، وهو القدرة على العيش والإنتاج "بلا خوف"، في ظل موجة كوفيد الثانية، في وقت تواجه البلاد أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها على الإطلاق. في حين تتصاعد حالات الإصابات باضطراد، انقسم الفريق العلمي البريطاني بين غالبيةٍ تدعو إلى اعتماد إجراءاتٍ أكثر تشدّدا في مواجهة الفيروس ومجموعة صغيرة تربطها علاقات بالمحافظين، لا تزال تردّد مقولة المناعة الجماعية حلا.

المجموعة لحمايتنا، بما في ذلك الانغلاق في علاقاتنا الاجتماعية

إنها أزمة وجودية إلا أن فصولها تنمو وتتفاعل في العالم الافتراضي أكثر منه الواقعي. مواقع الإنترنت تعجّ بنظريات المؤامرة، يدحض بعضها وجود كورونا وآخرون يندّدون بمصادرة حرياتنا واستخدام التطبيقات الخاصة بحصر حالات الإصابة للتجسس على خصوصياتنا. في أوروبا، خرجت التظاهرات ضد ارتداء الكمّامات وإجراءات الوقاية، حتى في الدول التي تحظى حكوماتها بتأييد شعبي لإجراءاتها، مثل ألمانيا، في حين بلغ عدد ضحايا الوباء في العالم أكثر من مليون نسمة. تدور رحى المعركة مع كوفيد، في حين معارك عالم ما قبل كوفيد تتفاقم أيضا. حرب جديدة بين أذربيجان وأرمينيا باتت تستقطب اهتمام الإعلام العالمي. يقول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إنه لن يغادر البيت الأبيض حتى لو خسر الانتخابات المقبلة. مليشيات مسلحة من البيض والسود تنتظم عشوائيا للدفاع عن شوارعها في المدن الأميركية في ما يشبه بوادر حرب أهلية مقبلة. شبكة "تشانيل فور" البريطانية تكشف، في تقرير خاص عن جهود حملة ترامب الانتخابية السابقة لـ"ردع" ملايين الناخبين السود من الاقتراع، عبر إقناعهم بالبقاء في منازلهم. حملة أعدت قوائم معلوماتية صنّفت الناخبين إلى مجموعات، بناء على البيانات الخاصة عنهم في "فيسبوك" الذي تحول إلى جهاز تجسّس على حيواتنا. في لبنان، لم تعد كورونا الخبر والخطر الأولين، بعدما أصبح الفقر واقعا، وباتت مشاهد غرق عبارات الموت للهاربين من البلاد مشهدا جديدا بعد كارثة انفجار المرفأ والانهيار الاقتصادي المتفاقم والانسداد السياسي والغليان الشعبي والانهيارات المتعدّدة المستويات والأشكال. في العالم العربي وسائل القمع إلى تزايد، منها حالات الموت في السجون المصرية، في خضم موجات تظاهر جديدة ضد نظام عبد الفتاح السيسي وحملات معارضة في الإنترنت، لم ينجح النظام بعد في إسكاتها. يتعرّض أطباء العراق لحملات اعتداءٍ من أقرباء وفيات "كوفيد" بحسب تقرير لوكالة رويترز، في حين يعانون أساسا من ظروف عمل فائقة الصعوبة. في الأردن، واجه رسام الكاريكاتير، عماد حجاج، عقوبة محتملة بالسجن، بسبب رسم كاريكاتير يسخر فيه من تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل.

عزّز وباء كورونا النزعات المحافظة، والحاجة إلى الانتماء إلى القبيلة 

تقول دراسة علمية إن وباء كورونا عزّز النزعات المحافظة، والحاجة إلى الانتماء إلى القبيلة - المجموعة لحمايتنا، بما في ذلك الانغلاق في علاقاتنا الاجتماعية. إذا كان ذلك حال الغرب المتقدّم والثري، ماذا عن عالمنا؟ هل من دراساتٍ لأحوالنا أو حتى معلومات عنها في ظل التضليل الإعلامي عن الخطط الرسمية لمواجهة الوباء، في عالم معقد أساسا بمشكلاتٍ تبدو كورونا أمامه صغيرة؟ من يداوي قلقنا؟