مكاسب إيران وخسائر العرب

مكاسب إيران وخسائر العرب

14 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

قبل أيام، كتب نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، المثير للجدل، ضاحي خلفان، تغريداتٍ مسترسلة، يدعو فيها إلى اعتراف خليجي بالهزيمة أمام إيران التي نالت مكتسباتٍ من كل حروبها في المنطقة، على حد تعبيره، بينما تزداد خسارة خصومها الخليجيين مع كل حربٍ يعلنونها ضد إيران، خصمهم الأيديولوجي والتاريخي. وعلى الرغم من أن هذه التغريدات لا تعبر عن وجهة نظر رسمية، وصاحبها لا يمكن أخذه دائما على محمل الجد، عدا عن أنها لا تستند إلى تحليل معمق، أو نظرة متبصرة لما جرى ويجري، إلا أنها تختزل، بتركيز شديد، وصف الحالة التي عليها الوضع اليوم، ونحن نتابع كيف "تتوسّل" أميركا بكل عظمتها لإيران للعودة إلى طاولة المفاوضات، وكيف يرفض الحوثيون، حلفاء إيران، بثقة زائدة في النفس، اليد السعودية الممدودة إليهم لوقف إطلاق النار.

ثمّة شعور بأن هناك شيئا ما يتململ في المنطقة. وأكثر من ذلك، هناك إحساس بخيبة أمل في العواصم العربية التي ناصبت العداء لإيران، بل وشنّت ضدها حروبا بالوكالة، بأن طهران هي التي ستخرج منتصرة من كل هذه الحروب المكلفة، بما في ذلك حربها مع أميركا، وهم يرون أن واشنطن هي التي تسعى إلى العودة إلى طاولة المفاوضات مع شركائها الأوروبيين للتفاوض مع إيران التي ظلت متمسّكة بموقفها، على الرغم من كل محاولات دفعها إلى العزلة القاتلة في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. لقد استفاق الخليجيون، ومعهم العالم، على أن أربع سنوات من الدبلوماسية الترامبية الفجّة كانت مجرد وقت ضائع خرجت منه إيران منتصرة، فأميركا هي التي انسحبت من الاتفاق النووي، وهي التي تحاول اليوم العودة إليه لإنقاذ الصفقة التي تعتبرها الإدارة الجديدة مفتاح سياستها في منطقة الشرق الأوسط.

أدّت سياسة الاحتواء المزدوج التي تبنتها أميركا، إبّان فترة حرب الخليج، إلى تدمير العراق، أكبر قوة عسكرية في المنطقة كانت قادرةً على الحد من التوسع الإيراني

وإذا كان الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، قد جعل من الاتفاق النووي مع إيران محور دبلوماسيته في المنطقة، فإن الرئيس بايدن يريد أن يجعل من العودة إلى ذلك الاتفاق عنوانا لما يمكن تسميتها "عقيدة بايدن"، التي لخّصها في شعار حملته الانتخابية "أميركا عائدة"، عائدة إلى قيادة العالم، وإلى الجلوس إلى الطاولة العالمية. وقد بدأت بالفعل هذه العودة إلى الاتفاق العالمي حول المناخ، وإلى المنظمات الدولية التي انسحبت من عضويتها، والآن تحاول العودة إلى التفاوض مع إيران التي تجد نفسها، اليوم، في موقفٍ مريح، وهي تفرض شروطها على أكبر قوة في العالم.

بعد أربعين سنة من الصراع المفتوح مع إيران، لإجبارها على الاستسلام أو الانهيار، وأربع سنواتٍ من محاولات عزلها ومحاصرتها لدفع شعبها إلى الثورة على النظام، أو جرّها إلى حربٍ مباشرة مع أميركا أو إسرائيل، يبدو أن من يوشك اليوم على إعلان فوزه في كل هذه المعارك التي كلفت المنطقة سنوات طويلة من التنمية الضائعة، هي إيران التي أثبتت أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه بسهولة. أما الخاسر الأكبر، وبدون منازع، فهي الدول العربية التي وضعت كل رهاناتها على هزيمة إيران، أو تغيير نظامها، وجعلت من الصراع مع إيران صراع وجود، فطوال أربعة عقود ونيف من الحروب والصراعات مع إيران، ومن حربها الباردة مع أميركا، استمر النظام الإيراني موحدا حول قيادته في الداخل، واتسعت طموحاته الإقليمية، وازداد تمسّكه ببرنامجها النووي، ما يجعله يقترب من امتلاك قدراتٍ تكنولوجية كبيرة، تؤهله لصنع أسلحة نووية. وعلى أرض الواقع، تمكن الإيرانيون من بسط نفوذهم الجيوسياسي من بلاد الشام إلى أقصى جنوب شبه الجزيرة العربية. وكل حروب المنطقة اليوم، من العراق إلى اليمن مرورا بسورية، تديرها إيران بالوكالة، ومفاتيح حلها في يد الإيرانيين الذين باتوا قادرين على التحكّم في الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة. وأصبح لهم وجود فعلي من خلال حلفائهم العقائديين في أكثر من دولة عربية، ولا توجد اليوم أي قوة في العالم قادرة على وضع حد لهذا الوجود الإيراني في هذه الدول، لأنه وجود عقائدي تستعصي محاربته بالأسلحة التقليدية.

حروب أميركا وحلفائها الفاشلة في المنطقة ضد إيران هي التي تغذي استمرارية الأيديولوجية الثورية في إيران

لقد أدّت سياسة الاحتواء المزدوج التي تبنتها أميركا، إبّان فترة حرب الخليج، إلى تدمير العراق، أكبر قوة عسكرية في المنطقة كانت قادرةً على الحد من التوسع الإيراني خارج حدودها، وساهمت سنوات الفوضى التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق في تمدّد النفوذ الإيراني إلى العراق وسورية ولبنان، بينما أثبتت تجربة ترامب مع إيران أن الضغط وحده لا ينجح مع إيران التي تتعامل بمرونة دبلوماسية كبيرة مع كل مرحلة من مراحل صراعها الطويل مع أميركا. بل يمكن القول إن حروب أميركا وحلفائها الفاشلة في المنطقة ضد إيران هي التي تغذي استمرارية الأيديولوجية الثورية في إيران، فهذه الحروب التي كانت تهدف إلى قلب النظام الإيراني، أو على الأقل تغيير سلوكه، أدّت، في النهاية، إلى تقويته، لأن الأنظمة الثورية عندما تفشل في القيام بالتغيير الذي تعد به تعلّق فشلها على أعدائها في الداخل والخارج. وأثبتت الثورة الإيرانية، طيلة العقود الأربعة الماضية، أنها بارعة في استغلال العداء لها في الداخل والخارج، لتغذية الحماسة الإيديولوجية لأنصارها في الداخل والخارج، وبالتالي ضمان استمرار بقائها.

إيران اليوم تمثل أكبر تحدٍّ في المنطقة بما تملكه من مقدّرات، وموقع استراتيجي، وقدرة على التحكّم في الأمن العسكري والنووي والطاقي والإلكتروني والأيديولوجي في المنطقة. وتحولت "معاداة أميركا" و"معاداة إسرائيل" إلى "عقيدة وجود" بالنسبة للنظام الإيراني، وأهم سبب من أسباب وجوده واستمراره، بل وتمدّده خارج حدوده. أما ما سيقضي على إيران فهي تناقضات نظامها الداخلي ما بين الدولة العميقة والمجتمع الإيراني الذي مهما طال الزمن سيأتي اليوم الذي سيحدُث فيه الانفجار الداخلي، تماما كما جرى في الاتحاد السوفييتي بعد 74 سنة من السيطرة الكاملة للآلة الأيديولوجية السوفييتية على كل منافذ الحياة في أقوى إمبراطورية عسكرية في التاريخ.